20 ألفاً بين العزلة والصمود... و"نورج تعمل حيث لا يريد الآخرون"
في القرى الجنوبية الحدودية حياةٌ لا تشبه الحياة. هناك يُبنى سجنٌ من نوع آخر: طرقات مقطوعة، وعزلة خطيرة تتعمّق مع توسيع إسرائيل خطها الأصفر، فيما يرافق الخوفُ والمجهول نحو 20 ألف شخص ما زالوا متمسكين بأرضهم رغم الحرب والقلق المستمرّ.
في ظل هذا الواقع، تختصر حادثة مؤلمة حجم المعاناة. هي قصة رجل من بلدة دبل شعر بألم حادّ في صدره خلال الليل، لكن تعذّر وصول الصليب الأحمر، وصعوبة الخروج من البلدة، حالا دون إسعافه، فوجدته عائلته متوفياً صباحاً.
وسط هذا المشهد، تواصل جمعية "نورج" عملها في نحو 15 قرية حدودية، محاولةً تأمين الحد الأدنى من مقوّمات الصمود للأهالي الذين يعيشون محاصرين. ويقول مؤسّس الجمعية الدكتور فؤاد أبو ناضر في حديث لـ"النهار" إن "نورج" تأسست عام 2010 للعمل "في المناطق حيث لا يريد الآخرون"، مشيراً إلى أن الجمعية منذ ذلك الحين عملت مع قرى الأطراف من الشمال إلى الجنوب، "من علما الشعب حتى القبيات".
إلى ذلك، يؤكد أنه "منذ اندلاع الحرب في 8 تشرين الأول 2023، كانت الجمعية موجودة على الأرض"، موضحاً بأن أولى الخطوات تمثلت في "احتواء الصدمة لدى الأهالي الذين يعيشون درب الصليب منذ عام 1967 في حالة قلق وحرب دائمة بسبب من يدّعي تحرير القدس".
حينها جمعت الجمعية رؤساء بلديات 15 قرية مسيحية، وعقدت مؤتمراً صحافياً في المركز الكاثوليكي للإعلام للتأكيد على أن "هذه القرى مسالمة ولا علاقة لها بالحرب".
في موازاة ذلك، شُكّلت لجنة متابعة أجرت اتصالات سياسية واجتماعية مع جمعيات وديبلوماسيين ودول أجنبية "لإيصال صوت السكان الذين بقوا في هذه البلدات". أما على الأرض، فقسّمت "نورج" تدخلها إلى ثلاث مراحل أساسية:
المرحلة الأولى ركزت على المساعدات الإنسانية، من توزيع محروقات وحليب أطفال وأدوية وغيرها، وقامت بتركيبت أجهزة اتصال عبر الأقمار الاصطناعية في خمس بلديات، لضمان عدم انقطاع التواصل.
كما عملت على الحفاظ على حضور الدولة داخل القرى. ويشرح أبو ناضر أن الجمعية سعت إلى إبقاء مخافر الدرك مفتوحة في بلدات مثل عين إبل ورميش ودبل، رغم إخلاء الجيش اللبناني لبعض المناطق، وطلبت من مديرية قوى الأمن الداخلي السماح للعناصر المنحدرين من هذه المناطق بالبقاء والخدمة في مناطقهم، معتبراً أن "وجود مراكز قوى الأمن الداخلي يحمل رمزية مهمة تؤكد أن الدولة لا تزال حاضرة على الأرض".
في المرحلة الثانية، تركز "نورج" على دعم القطاع التربوي. فبحسب أبو ناضر، "تضم المنطقة الحدودية ثماني مدارس، فيها نحو 2700 تلميذ؛ ولذلك بدأت الجمعية تقديم الدعم المالي للمدارس لمساعدتها على الاستمرار" لافتاً إلى أنه "حين تبقى المدرسة مفتوحة تبقى العائلة، وإذا بقيت العائلة تبقى القرية".

لا يقتصر عمل "نورج" على المساعدات الإنسانية والتعليمية، إذ تطمح في المرحلة الثالثة إلى تحريك الدورة الاقتصادية في ظل الظروف الراهنة. ففي بلدة دير ميماس مثلاً، ساعدت "نورج" في إيجاد مشترين لإنتاج الزيت والعسل والزيتون، بهدف إبقاء السكان منتجين رغم الظروف الصعبة.
ويشدد أبو ناضر على أن القرى الحدودية تضمّ أيضاً دروزاً في حاصبيا وسنّة في العرقوب إلى جانب المسيحيين، مؤكّداً أن الجميع "يعيشون الأزمة نفسها بسبب حرب فرضت عليهم. ولذلك، نحرص على مساعدة هؤلاء جميعاً من أجل تعزيز روح التضامن بين الأهالي، كي نتمكن من تجاوز هذه المرحلة بأقل أضرار ممكنة، والأهم لكي يتمكّن هؤلاء من القاء في أرضهم".
ماذا لو تفاقم الوضع الأمني والميداني؟
تعمل "نورج" مع جمعيات أوروبية، ولا سيما فرنسية، للمطالبة بإنشاء ممر آمن يسمح باستمرار التواصل مع الأهالي وتأمين احتياجاتهم الأساسية. ويؤكد أبو ناضر أن أكثر ما يحتاج إليه السكان اليوم ليس الطعام، لأن المواد الغذائية لا تزال متوافرة نسبياً، بل "الحياة نفسها"، لافتاً إلى أن الأهالي يعيشون في "حبس فعلي"، والخوف الأكبر لديهم هو أن تتركهم الدولة مجدداً كما حصل في مراحل سابقة.
ويختم بالقول "لولا بقاء هؤلاء في أراضيهم لما بقي شيء يُسمّى جنوب لبنان. فهم الذين حافظوا على لبنانية الأرض، ولا يحقّ لأحد أن يتهمهم بالعمالة أو أن يُخوّنهم". وطالما الأهالي قرروا البقاء، فإن الجمعية ستبقى إلى جانبهم لأن هذا البلد يستحق، وبعد كل درب جلجلة... قيامة".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
مشهد عكس الشغف اللبناني بالحياة والفن والموسيقى، والتقاطع الثقافي بين لبنان وإيطاليا.
نبض