أيّ خيار: دولة علمنة أو إلغاء الطائفية "كأنها قائمة طعام انتقائية"؟
هل يشكل إلغاء الطائفية السياسية بداية الانطلاق نحو دولة حقيقية؟ أو أن قيام دولة العلمنة هو الحجر الأساس لبناء وطن بلا طائفية؟
أيّ إشكالية تسبق الأخرى؟ والأهم، أيّ خيار هو الأفضل للبنانيين؟
وفق المسار المنطقي، قيام الدولة يؤسس حتما لإلغاء الطائفية السياسية. عندها، تصبح الأخيرة نتيجة حتمية لبناء دولة.
لعل هذا المنطق يقود كثرا إلى اعتبار دولة العلمنة الخيار الأفضل والأنسب لمستقبل اللبنانيين، حيث أظهرت النقاشات أنها الملاذ الآمن لضمان حقوق الأفراد وتكريس العدالة.
يرى المحامي بالاستئناف إيلي قليموس الحائز دراسات عليا في القانون والعلوم السياسية والإدارية أن "إلغاء الطائفية يمكن أن يكون حلا إذا كان مقرونا بإصلاحات أخرى. أولا، إنشاء مجلس الشيوخ. ثانيا، إجراء انتخابات نيابية خارج القيد الطائفي. ثالثا، تحديد صلاحيات مجلسي النواب والشيوخ. رابعا، تطبيق قوانين إصلاحية لا طائفية، أقله وصولا إلى قانون مدني موحد للأحوال الشخصية وقانون عصري جديد للأحزاب يمنع الأحزاب ذات المشاريع الدينية المناقضة للدستور اللبناني".
نص دستوري
في مفهوم دولة العلمنة، هي نظام يفصل بين الدين والدولة في المجال العام والتشريعات السياسية، وتبقى مرجعية القانون المواطنة لا الطائفة.
لا شك في أن هذا الأمر يؤدي إلى مساواة تامة أمام القانون، ويؤسس لانتماء وطني جامع بدلاً من الولاءات الضيقة. كذلك هو نقطة البداية التي تتشكل حولها الحلقات الأخرى، كسلّة متكاملة. عندها، تصبح المسائل الأخرى، كاستقلالية القضاء أو ضمان حريات الأفراد خارج القيد الطائفي، من المترتّبات المنطقية لبناء دولة.
يلفت قليموس إلى أن "الحل يكون بقيام دولة علمنة مؤمنة، بدل العيش في طائفية ملحدة كما هو الحال اليوم، وبدل استنساخ تجارب قد تكون غريبة عن مجتمعنا".
على مرّ الأعوام، شكلّت مسألة إلغاء الطائفية السياسية في لبنان مادة تجاذب سياسي، كأنها "قائمة طعام انتقائية"، أي حسب الطلب. عند كل ظرف سياسي معيّن أو مأزوم، يعود البعض إلى "نكش" ورقة إلغاء الطائفية السياسية، بلا أيّ مشروع أو أفق.
وعلى الرغم من أن إلغاء الطائفية نص دستوري مثبت في المادة 95 من الدستور اللبناني ضمن "وثيقة الوفاق الوطني"، فإن البعض يستعملها ورقة ابتزاز سياسي.
حصص وصراع
يفترض بإلغاء الطائفية أن ينهي الصراع على الحصص والمحاصصة في الوظائف العامة، وأن يفتح الباب أمام الكفايات بناء على الجدارة لا الانتماء المذهبي، إلا أن هذه المسألة لم تناقش طوال 36 عاما، انطلاقا من كونها جزءا لا يتجزأ من رزمة متكاملة من الإصلاحات، بدءا من إنشاء مجلس شيوخ، مرورا بتطبيق اللامركزية الإدارية الموسعة، وصولا إلى قانون مدني للأحوال الشخصية.
كل هذه المقوّمات تجعل من إلغاء الطائفية مسارا جديا.
يعلق قليموس بأن "إلغاء الطائفية السياسية بلا إصلاحات دستورية وقوانين إصلاحية هو بمثابة سيطرة بعض الطوائف على طوائف أخرى".
بعبارة أكثر صراحة، فإن إلغاء الطائفية من دون هذا المسار الإصلاحي الدستوري المتكامل، سيؤدي إلى "طغيان عدد" على آخر، في ظل التركيبة التعددية اللبنانية، بما قد يهمّش مكوّنات أخرى. فهي، من الآخر، جزء من كلّ...وليست الكلّ.
ببساطة، إن خيار الدولة الأشمل والأفضل للبنانيين، يتجاوز مجرد إلغاء المحاصصة في السلطة، ليصل إلى بناء نظام مواطنة متكامل يحمي الحقوق الفردية، فيما إلغاء الطائفية السياسية وحده قد يفرّغ النظام من محتواه دون توفير بديل مؤسسي يحقق المساواة والمواطنة الحقيقية.
نبض