"لو ماتوا كنت متت وراهم"... نازح يخاطر بحياته تحت القصف لينقذ كلابه من بلدة البلاط الجنوبية
بين أصوات الغارات ورائحة الموت، لم يفكّر زاهر حيدر بنفسه أولاً، بل بكلابه.
الرجل الآتي من بلدة البلاط الجنوبية، والذي يربّي الكلاب ويعتبرها جزءاً من حياته اليومية، وجد نفسه محاصراً داخل بلدته خلال الحرب، فيما كانت الغارات تقترب أكثر فأكثر من منزله. لكن، بالنسبة إليه، لم تكن المسألة مجرد نجاة شخصية، بل معركة للبقاء مع “رفاقه” الذين رفض أن يتركهم خلفه.
يقول حيدر لـ"النهار": "لو كلابي ماتوا، أنا كنت بدي موت وراهم"، جملة تختصر حجم التعلّق الذي ربطه بحيواناته، وتكشف جانباً إنسانياً نادراً وسط مشاهد الدمار والنزوح.
خلال فترة الهدنة، قرّر الصعود إلى بلدته البلاط للاطمئنان على منزله وكلابه. لم يكن في البلدة أيّ مقوّمات للحياة، لا حركة ولا أمان، فقط بيوت مهجورة وآثار قصف وخوف دائم من تجدّد الغارات. بعد أيام قليلة من بقائه هناك، تغيّر كل شيء في لحظة.
يروي أنّه كان داخل منزله حين سمع انفجاراً ضخماً في الخارج. خرج مسرعاً ليجد سيارة مشتعلة اندفعت باتجاه باب منزله، قبل أن تبدأ بعدها الغارات المكثّفة على البلدة. “صرت قاعد بالبيت… غارة هون وغارة هون”، يقولها وهو يستعيد ساعات الحصار الثقيلة التي عاشها وحيداً.
حاول التواصل مع قوات "اليونيفيل" ومخابرات الجيش اللبناني لإخلائه من المنطقة، إلا أنّ الدخول إلى البلدة لم يكن سهلاً بسبب الوضع الأمني. ساعات طويلة من الخوف مرّت عليه، فيما بقيت كلابه إلى جانبه "ليونسوه"، على حدّ تعبيره.
وفي الليل، تلقّى اتصالاً يفيد بإمكانية الدخول لإجلائه. عندها، وضع كلابه داخل أقفاص حديدية استعداداً للمغادرة، لكن المفاجأة كانت عندما أبلغه أحد العسكريين بأنّ إخراج الأقفاص من البلدة بسيارته الخاصة، وهي الـ"رابيد" ذات السمعة السيئة في الجنوب لكثرة استهدافها من قبل إسرائيل، يشكّل خطراً كبيراً، وأنّ عليه المغادرة من دونها.
هنا، لم يتردّد زاهر كثيراً. يقول: "أنا ما فيّي روح بلاهم". نزل العسكريون، فيما عاد هو مجدداً نحو السيارة والأقفاص، مخاطراً بحياته تحت القصف، فقط كي لا يترك كلابه خلفه.
بالنسبة إليه، لم تكن الحيوانات عبئاً إضافياً في الحرب، بل كانت جزءاً من نجاته النفسية والإنسانية.
نجح أخيراً في الخروج من البلدة مع كلابه سالماً غانماً، ويصف تلك اللحظة قائلاً: "هونيك حسّيت إنّي خلقت من جديد".

اليوم، يعيش زاهر بعيداً من منزله الذي كان "معزّزاً مكرّماً" فيه، كما يقول، لكنه لا يزال يرفض العودة في ظلّ غياب أيّ ضمانات حقيقية للأمان. فالحرب، بالنسبة إليه، لم تهدّد البشر فقط، بل تركت الحيوانات أيضاً في قلب المأساة.
ويختم حديثه بالتأكيد أنّ عودته إلى بلدته مرتبطة بشعوره بالأمان، ليس له فقط، بل “للحيوانات والعالم الموجودة فوق”، في مشهد يلخّص كيف يمكن للحرب أن تدفع الإنسان للتشبّث بما يحبّ، وإن كان ذلك وسط الركام والخطر والموت.
نبض