موسم الورد الدمشقي في قصرنبا... عندما يملأ العطر الصدور ويمحو أثر البارود
عند الخامسة والنصف فجراً، لم يكن الضوء قد حسم أمره بعد. السماء كانت معلّقة بين لونين، والطرقات شبه خالية، كأنّ البلاد بأكملها ما زالت غارقة في نوم ثقيل. وحدهم القادمون باتجاه قصرنبا غرب بعلبك كانوا في حركة هادئة، نحو موعد لا يحتمل التأجيل.
قبل أن تظهر الحقول، وصلت الرائحة أولاً: الورد الدمشقي، "هوية قصرنبا"، الذي لا يقدّم نفسه بخفة، بل يملأ الهواء دفعة واحدة، يسبق المشهد ويستقر في الصدر، كأنه يعرف طريقه إلى الداخل قبل أن تراه العين.

في الحقول، كان الجميع يعملون كما لو أن الوقت مادة ملموسة تُمسك بالأيدي. انحناءات متكررة، وأصابع المزارعين والزوار تتحرك بخفة بين الأغصان، يقطفون الوردة وهي لا تزال مغمضة على سرّ عطرها، لتسقط في السلال التي تمتلئ سريعاً. البرد لا يزال خفيفاً، والندى عالق على البتلات، وكل زهرة تبدو كأنها قُطفت في اللحظة الوحيدة التي كان ينبغي أن تُقطف فيها.

لكن هذا المشهد، رغم سكينته، لم يكن منفصلاً عمّا مرّ على البلدة. فقصرنبا، كغيرها من بلدات بعلبك، عاشت تحت وطأة الغارات الإسرائيلية التي استهدفتها قبل الهدنة، كما طالت محيطها بعدها أيضاً. ما جعل هذا الموسم يأتي محمولاً على قلق ثقيل، لا على الفرح وحده. في بلد يخرج من الحرب مترنحاً، لا يبدو قطاف الورد تفصيلاً فولكلورياً، بل فعلاً من أفعال التشبث بالحياة.

هنا، الورد ليس تفصيلاً، بل جزء من شكل الحياة اليومية، من ترتيب الأيام، ومن حساب المواسم. زوار وصلوا من بيروت ضمن مجموعات نظّمتها "مؤسسة أم عدنان"، بهدف ربط الناس بجذور أرضهم وإنتاجها، لكنهم ما إن دخلوا الحقول حتى تفرّقوا كأن المكان يعيد توزيعهم على إيقاعه الخاص.

ربما جاء بعضهم ليشمّ الورد، بدل رائحة البارود التي لم تغادر ذاكرة المكان ولا ذاكرة لبنان، فوجدوا أنفسهم داخل حكاية أكبر: كيف تستطيع بلدة خرجت من ظلّ الغارات أن تعود، في هذا الفصل بالذات، إلى حقل يطعم أهلها ويحفظ ما تبقّى من معنى.

مررتُ قرب مزارع يملأ سلته، وسألته إن كان معتاداً على هذا المشهد، فابتسم من دون أن يتوقف: "دايماً بيصير هيك… الورد ما بيخلي حدا يضل ساكت"، ثم انحنى مجدداً، كأن الجملة وحدها تكفي.

وبين الحقول، مرّت الحجة نايفة الديراني، ثلاثة وتسعون عاماً، تمشي على مهل وتتوكأ على عصا من غصن شجر عتيق، كأنها استعارت من الأرض ما يعينها عليها. رؤيتها وهي تقطف الورد بعينيها اللتين شهدتا قرناً من الزمن كانت كافية لتقول إن هذه الأرض لا يتركها أهلها.

في مكان التجميع، كانت الورود متكومة على شكل تلال، بلون واحد تقريباً لكن بدرجات لا تُحصى. في قصرنبا، لا يُقاس الموسم بعدد الصور، بل بما سيدرّه من دخلٍ على العائلات. فالورد هنا محصول اقتصادي بامتياز؛ يُقطف، ويُباع، ويُقطّر، لتبدأ منه دورة معيشية كاملة داخل البيت الواحد، إذ تُعد البلدة من أكبر منتجي الورد الدمشقي في لبنان.

كل بيت هنا يبدو كمعمل صغير، تتحول فيه الورود إلى ماء ورد ومربّى وعصير، تحفظ نكهة الصباح طوال العام. وبعد القطاف، اتجه الزوار لمتابعة هذا التحوّل، فاحتشدوا حول "الكركة" التقليدية للسيدة أم عدنان الديراني، التي كانت تشرح وتعمل في الوقت نفسه، تنقلهم بين تفاصيل التقطير بخبرة تحفظ دقائقها كما تحفظ أسماء أهل البلدة.

كانت الأسئلة تتوالى: كم يحتاج الورد ليعطي ماءه؟ كم يستغرق التقطير؟ وكيف يُحفظ؟ لم يكن ذلك مجرد فضول، بل محاولة لفهم كيف تتحول هذه البتلات الرقيقة إلى مورد حياة.

ويُنتج ماء الورد عبر سلسلة دقيقة: تُنقّى البتلات وتوضع مع الماء داخل وعاء نحاسي تعلوه الكركة، على نار هادئة. ومع تصاعد البخار وتكثفه، تتكوّن قطرات ماء الورد التي تُجمع في أوعية نظيفة. الكيلوغرام الواحد من الورد يعطي نحو نصف ليتر من ماء الورد، في عملية قد تمتد لساعات طويلة.

ولا يقتصر الورد على ذلك، بل يتحول أيضاً إلى شراب ومربّى وشاي وزيوت عطرية، ليصبح مساراً اقتصادياً يجعل من كل بتلة قيمة قابلة للادخار.
شيئاً فشيئاً، هدأت الحقول. توقفت الأيدي، امتلأت السلال، وبقي الندى عالقاً على الأصابع. جلس الناس كأنهم خرجوا من جهد صامت. لم يكن صباحاً عادياً، بل أقرب إلى مشهد لبناني كامل: قرية تخرج من ظل الغارات لتدخل موسمها، ناس يقطفون رزقهم من الأرض، وزوار يلاحقون معنى الورد، وكركة تغلي لتثبت أن ماء الورد ليس مجرد منتج، بل ذاكرة سائلة لمكان يصرّ على الحياة.

بين البارود والورد، اختارت قصرنبا أن تواصل سرد حكايتها بما تقطفه الأيدي، لا بما تخلّفه الحروب.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض