المطارنة الموارنة أطلقوا نداء لدعم مساعي الرؤساء لوقف الحرب: بدائل التفاوض المجربة أنتجت الاحتلال بدل التحرير والاستقواء بالخارج بدل السيادة
أكد المطارنة الموارنة بعد اجتماعهم الشهري، برئاسة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، "أن لبنانَ ليس مجرّدَ كيانٍ سياسيٍّ ظرفيٍّ عابر، بل هو رسالةُ حضورٍ إنسانيٍّ وحضاريٍّ، قائمةٌ على الحرّيّةِ والتعدّديّةِ والعيشِ المشتركِ، كما كرّسها الدستورُ اللّبنانيّ في فعل تأسيس دولة لبنان الكبير".

ورأى المجلسُ "أنّ المرحلةَ الراهنةَ تستدعي ضرورةِ أن تتولّى جميعُ مؤسّساتِ الدولةِ اللّبنانيّةِ مسؤوليّاتها السياديّةَ كاملةً، من دونِ أيِّ التباسٍ أو ازدواجيّةٍ، كما هي حال سائر الدول، وأن يُصارَ إلى تعزيزِ ثقةِ المواطنِ بالدولةِ عبرَ تفعيلِ آليّاتِ المساءلةِ والمحاسبةِ، وترسيخِ سيادةِ القانون".
وجدّدُ تأكيدَه "أنّ الكيانَ اللّبنانيَّ هو كيانٌ نهائيٌّ لجميعِ بناته وأبنائهِ، لا يقومُ على الغلبةِ بل على الشراكةِ الفعلية، ولا على الاصطفافاتِ الظرفية بل على العيشِ الواحدِ في ظلّ دولةٍ حرة وسيّدة وعادلةٍ".
واعتبر "أن حمايةَ هذا الكيانِ تقتضي تحصينَه من كلِّ أشكالِ الانزلاقِ إلى صراعاتِ سواه من أية جهة أتت، والدفاع عن أرضه كاملة من أي عدوانٍ كان، وإعادتَهِ إلى موقعهِ الطبيعيّ واحة تلاقٍ بين الشرقِ والغرب، وحالة حواريّة منفتحة ودائمة".
كذلك شدّدُ على "أنّ الدستورَ اللّبنانيَّ، والميثاق الوطني، هما الإطار الناظم للحياةِ الوطنيّةِ، والمرجعيّة الوحيدة لتنظيمِ السلطاتِ والعلاقاتِ في ما بينها. وأنّ التطبيقَ الكاملَ وغيرَ الانتقائيّ لمندرجاتِ وثيقة الوفاق الوطني يبقى المدخلَ الأساسيَّ لإعادةِ بناءِ الدولةِ الجامعة، وترسيخِ مبدأِ حصرية السلاحِ بيدهاِ، وتعزيزِ دور المؤسّساتِ على حسابِ الأمرِ المفروض، بما يؤسّسُ لقيامِ دولةٍ تسودُها روح المواطنةِ الحاضنةِ للتنوّعِ، وتكفلُ المساواةَ بين جميعِ بناتها وأبنائها ضمن وحدةِ الكيان. أما الحملات الإعلامية السافرة وغير المسبوقة، كما لغة التخوين والتهديد، فلا تخدم سوى أعداء لبنان وتقوم على حساب الدولة والمجتمع".
وأكد "أنّ التزامَ لبنانَ الشرعيّتَين العربيّةِ والدوليّةِ يشكّلُ ركيزةً أساسيّةً في مسارِ استعادةِ سيادتِه الكاملةِ. وفي هذا الإطارِ، يلتزمُ لبنان القراراتِ الدوليّة ذاتِ الصلة، ولا سيّما منها القرارات 1559 و1680 و1701، كما يلتزمُ قراراتِ جامعةِ الدولِ العربيّةِ، ومبادرةِ السلامِ العربيّةِ التي أعلنت في بيروت عام 2002، بما تعكسُه من رؤيةٍ جامعة لتحقيقِ السلامِ العادلِ والشاملِ والدائم في المنطقة"، مشيراً إلى "أن هذا الالتزامُ المزدوجُ يُعبّرُ عن تموضعِ لبنانَ الطبيعيّ ضمن محيطِه العربيّ وضمن النظامِ الدوليّ، ويؤسّسُ لاستعادةِ دورهِ كدولةٍ فاعلةٍ وجامعة لمكونات المجتمع وفق الدستور والقانون".
ورأى "أنّ لبنانَ مدعوٌّ إلى استعادةِ دورهِ مساحةِ حوارٍ وتفاعلٍ حضاريٍّ، بعيداً من منطقِ الساحاتِ المفتوحةِ والنزاعات المسلحة في المنطقة، منذ ما يزيد عن نصف قرن. وهذا الدورَ لا يمكنُ أن يتحقّقَ إلا من خلالِ دولةٍ قويّةٍ، سيّدةٍ، قادرةٍ على إدارةِ علاقاتها الخارجيّةِ وفقَ مصالحِها الوطنيّةِ العليا".
وفي ضوءِ التحوّلاتِ الكبرى في المنطقة والعالم، شدد المجلسُ على "أهمّيّةِ مقاربةِ مسارِ التفاوضِ مع إسرائيلَ برعايةٍ عربيّة ودوليّةٍ، بما يخدمُ مصلحةَ لبنانَ العليا ويؤدّي إلى تثبيتِ الأمنِ والاستقرارِ فيه"، لافتاً إلى "أن البدائل المجربة مدى عقود أنتجت الاحتلال بدل التحرير، والاستقواء بالخارج بدل السيادة، والاستتباع بدل الحرية والكرامة".
وأشار الى "أنّ العودةَ إلى اتفاقيّةِ الهدنةِ لعام 1949 تشكّل محطةً أساسيّةً يمكن البناء عليها في هذا المسار، مع ضرورة استكماله نحو سلام مستدام"، مشدداً على "ضرورةِ أن يتلازمَ مسار السلام مع تكريسِ حيادِ لبنان بقرار أممي، بما يحفظ سيادته ويبعده عن صراعات المحاور، نزاعات يدفع ثمنها اللبنانيون".
ولفت إلى "أن لبنان بلد منكوب اقتصادياً واجتماعياً منذ عام 2019. وفي السنوات الأخيرة آلت الحروب المتكررة فيه الى خسارة جسيمة في الأرواح، ومنهم مئات الأطفال والنساء، وإلى خسارة كبيرة في الممتلكات والمؤسسات، والى تهجير واسع للمواطنين، كما تفاقمت فيه هجرة الشباب، وقد حُجب مورد رزقهم، خصوصاً بعد أن تبخر ضمانهم الاجتماعي واحتجزت أموالهم في المصارف. ولا يريد اللبنانيون، بأكثريتهم الساحقة، أن يدخلوا في أتون حروب لا تنتهي. حروبِ الغير على حساب حياة الناس وأمانهم. أولويات الناس العيش بكرامة واطمئنان في البيت والمدرسة والعمل وفي كل مكان، وليست النزاعات المسلحة".
وأكد أن "اللحظة التي نعيش هي لحظةٌ تاريخيّةٌ مِفصليّةٌ"، داعياً إلى "اتخاذِ مواقفَ وطنيّةٍ جريئةٍ ومسؤولةٍ، تنطلقُ من مصلحةِ لبنانَ العليا وأمنه القومي وأمان شعبه الإنساني، وتضعُ حدّاً لحالةِ التردّدِ والتسوياتِ الناقصةِ والمرحليّة".
وجدد "دعمَه كل المساعي التي يبذلُها رئيسِ الجمهوريّةِ والحكومةُ اللّبنانيّةُ والمجلس النيابي في سبيلِ وقف الحرب، واستعادة كل شبر من الأراضي اللبنانية، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين والأسرى والمبعدين إلى إسرائيل، مع تثبيتِ سيادةِ الدولةِ، وإعادةِ لبنانَ إلى موقعهِ الطبيعيّ بين الدول".
وتوجّهُ بالشكرِ إلى "الدولِ العربيّةِ الشقيقةِ وإلى المجتمعِ الدوليّ الصديق على ما يقدّمونه من دعمٍ وزخمٍ متواصلٍ لإنقاذِ لبنانَ، ومواكبةِ مسارِ نهوضِه، وإعادتهِ إلى هويّة اختباره التاريخي الحضاري ودورهِ الرساليّ"، مشيراً الى "أنّ هذه المرحلةَ تستدعي ترسيخَ دولةِ المواطنةِ الحاضنةِ للتنوّعِ كخيارٍ نهائيٍّ لا رجعةَ عنه".
وجدّد التأكيد "أنّ لبنانَ، في رسالتِه التاريخيّةِ، مدعوّ إلى أن يكون نموذجاً في العيشِ المشتركِ، وشاهداً على إمكان بناءِ نموذج دولةٍ حرّةٍ، سيّدةٍ، عادلةٍ، ومستقلّةٍ، قادرةٍ على تحويلِ الألمِ إلى رجاءِ قيامةٍ وطنيّةٍ حقيقيّةٍ".
نبض