من مكان الغارات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (نبيل اسماعيل)
"بدي موت مع بنتي… ما بطلع وبنتي ميتة".
بهذه الكلمات تختصر فاطمة تقي الساعات الأربع التي قضتها تحت أنقاض مبنى حيّ السلم، في ذلك "الأربعاء الأسود" الذي لا يزال محفوراً في ذاكرة الناجين. لم تكن تلك الساعات مجرّد انتظار للنجاة، بل مواجهة مباشرة مع الموت، خاضتها أمّ بكل ما تملك من خوف وقوة في آن، فيما كانت تضمّ طفلتها ذات العامين بين ذراعيها، كأنها تحاول أن تبني بجسدها جداراً أخيراً يحميها من الركام.
فاطمة، وهي واحدة من الناجين القلائل من المجزرة التي سوّت المبنى بالأرض، تروي لـ"النهار" تفاصيل اللحظات التي بدت لها كأنها "حلم أو كابوس"، يوم قررت أن تبقى في منزلها رغم الظروف الصعبة، لأن طفلتها الصغيرة لم تكن تحتمل التنقّل بين المدارس ومراكز الإيواء والأماكن الضيقة.
تقول: "في ذلك النهار، حين سمعت صوت الانفجار، حضنت ابنتي فوراً وغمرتها بين ذراعيّ. لم أعد أرى شيئاً… كل ما حولي صار سواداً".
لم تمضِ ثوانٍ حتى اهتز المبنى بعنف "يميناً وشمالًا"، قبل أن تقع بالكامل فوق رؤوس ساكنيها.
وسط الغبار والحجارة والحديد، لم تفكر فاطمة بنفسها. كان همّها الوحيد أن تبقي طفلتها حيّة. "كنت متكمشي فيها، وما بدي أتركها". عندما خفتت الأصوات وساد السكون المخيف، شعرت بشيء ثقيل على ظهري، ولم أعد أستطيع أن أتنفّس". مرّت ساعة، ثم أكثر، من دون أن يسمعها أحد.
كانت فاطمة في هذه لأثناء، ورغم إصاباتها، تحاول ازالة الركام عن ابنتها... حجراً حجراً. كادت تفقد الأمل قبل أن تسمع صوتاً صغيراً أعاد الحياة إلى روحها. كان صوت ابنتها التي تصرخ ماما.
صرخت فاطمة بأعلى صوتها طالبة النجدة. إلى أن وصل إليها صوت ابنها من الخارج: "ماما إذا بعدك عايشة سمعيني صوتك".
ذلك النداء، كما تقول، كان الحبل الوحيد الذي ربطها بالحياة في تلك اللحظات. أجابته بصوت متقطع: "إيه يا ماما بعدني عايشة… تعا أنقذ أختك". ثم راحت تدلّه على فتحة صغيرة عند زاوية الركام، ليبدأ مع من تجمعوا حول المكان بمحاولة توسيعها. "قلت لبنتي: تطلعي لبرا خيك ناطرِك".
وحين نجح المسعفون في سحب الطفلة أولاً، شعرت فاطمة أن جزءاً من المعركة قد حُسم. "بس أخدوا بنتي، قلت ألف الحمد لله. أنا كرمالها عايشة، وكرمالها صمدت وطلعت".
من مكان الغارات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (نبيل اسماعيل)
لم تكن النجاة بالنسبة إليها حدثاً عابراً، بل قراراً داخلياً اتخذته منذ اللحظة الأولى: "كنت قايلة إذا صار لبنتي شي تحت الردم، ما بدي أطلع… بدي موت معها".
خرجت فاطمة من تحت الأنقاض مصابة بثلاثة كسور في الحوض، لكن الوجع الجسدي لم يكن وحده ما حملته معها. خرجت أيضاً بلا منزل، بلا ثياب، وبلا أدنى مقومات الحياة. "أنا بحاجة لكل شي"، تقولها من دون مواربة. "لا أدوية، لا غيارات للجروح، لا غاز، لا أغراض، ولا حتى تياب إلي ولابنتي".
ومن سريرها، بعدما نجت من الموت بأعجوبة، لا تطلب فاطمة الكثير. رسالتها أبسط من حجم المأساة التي عاشتها، لكنها أكثر وجعاً: "بتمنى من كل حدا بيشوف هيدا الفيديو… يحكم عليّ بالإنسانية. مش أكتر".
في حيّ السلم، لم يسقط مبنى فقط، بل سقطت معه حياة عائلات كاملة دفعة واحدة. وبين الركام الذي ابتلع الحجر والبشر، خرجت فاطمة تقي تحمل ابنتها من جهة، وحملًا ثقيلًا من الخسارات من جهة أخرى. نجت الأم ونجت الطفلة، لكن أربع ساعات تحت الأنقاض كانت كفيلة بأن تترك في قلبهما ركاماً لن يُرفع بسهولة.
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها