التقرير الفصلي لبنك عوده: الكلفة اليومية للحرب نحو 75 مليون دولار
صدر التقرير الاقتصادي لبنك عوده عن الفصل الأول من عام 2026 بعنوان "النتائج الماكرو-اقتصادية الأولى للحرب: تبلور سيناريو الركود التضخمي في العام 2026"، إذ أشار إلى أنّ الحرب، إضافة إلى خسائرها البشرية والمادية، انعكست سلباً على جميع القطاعات الاقتصادية، مع تسجيل القطاع السياحي أكبر قدر من الضرر. كما بيّن التقرير أنّ الاستهلاك الأسري أظهر ضعفاً واضحاً نتيجة الآثار الانكماشية المباشرة وغير المباشرة، فيما دخل الاستثمار في حالة ترقب شديدة، أدت إلى تأجيل أو إلغاء العديد من القرارات الاستثمارية.
وقدر التقرير الكلفة اليومية للحرب خلال شهر آذار بنحو 75 مليون دولار أميركي، موزعة بين 35 مليون دولار كلفة مباشرة و40 مليون دولار كلفة غير مباشرة. وتشمل الكلفة المباشرة الأضرار التي لحقت بالمساكن والمباني والبنية التحتية والقطاع الزراعي، بينما ترتبط الكلفة غير المباشرة بالفرص الضائعة والإيرادات الفائتة الناتجة عن الحرب، ولا سيما الانكماش في الاستثمار والضرر الكبير الذي لحق بالقطاع السياحي ككل.
وتراجعت حصة إجمالي الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما دون 10% بعد الحرب، مقارنة بنحو 20% في عام 2025، نتيجة تصاعد الحذر لدى المستثمرين بفعل المخاوف السياسية والأمنية. وفي السياق نفسه، انخفض عدد الركاب القادمين عبر المطار بنسبة 65% خلال شهر آذار 2026 مقارنة بآذار 2025، ومع افتراض إنفاق سياحي وسطي يبلغ 3000 دولار لكل سائح خلال الإقامة في لبنان، تُقدَّر الإيرادات السياحية الفائتة بنحو 10 ملايين دولار يومياً خلال فترة الحرب.
في المقابل، شهد الاقتصاد ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات التضخم نتيجة الزيادة الكبيرة في أسعار النفط عالمياً. فقد أشار التقرير إلى ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 15.3% في آذار 2026 مقارنة بالفترة عينها من عام 2025، فيما ارتفعت أسعار النقل بنسبة 20.7% على أساس سنوي. كما سجلت أسعار النفط العالمية ارتفاعاً بنسبة 49.4% بين نهاية آذار 2025 ونهاية آذار 2026، ما ساهم بشكل مباشر في الضغط على المستوى العام للأسعار.
ورغم صعوبة تقييم التأثير الكامل للحرب على الاقتصاد اللبناني خلال السنة المالية 2026، فإن التقرير يشير إلى أن التداعيات ستكون مزدوجة: انكماشية نتيجة حالة عدم اليقين الواسعة التي تحدّ من النشاط الاقتصادي، وتضخمية نتيجة صدمة العرض الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة، ما يضع الاقتصاد في إطار سيناريو "الركود التضخمي" في المدى القريب، بكل ما يحمله ذلك من انعكاسات اقتصادية واجتماعية، مع الأمل بانتهاء الظروف الاستثنائية في أقرب وقت.

أما على صعيد السيناريوهات المستقبلية، فهي ترتبط بمدة استمرار الصراع وتداعياته. ومع وضع اللمسات الأخيرة على التقرير، كان قد أُعلن عن وقف لإطلاق النار بوساطة أمريكية. وفي حال استمر هذا الاتفاق، يتوقع التقرير أن يشهد لبنان نمواً صفرياً في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال عام 2026، بدلاً من تسجيل نمو سلبي، مقارنة بنحو 5% نمو حقيقي في عام 2025. ويُعزى هذا الاستقرار النسبي إلى قصر مدة الحرب، ما يسمح للاقتصاد بالتكيف تدريجياً والاستفادة من مواسم السياحة والأعياد.
ووفق هذا السيناريو، يُتوقع أن تتراجع الواردات إلى 18 مليار دولار، فيما تصل الصادرات إلى 3.2 مليارات دولار، مع تسجيل توازن في ميزان المدفوعات خلال عام 2026. وعلى المستوى النقدي، يُتوقع أن يبلغ معدل التضخم نحو 20% على أساس سنوي، أي أكثر من ضعف مستوى 2025، نتيجة استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والنقل. كما يُتوقع أن تتراوح احتياطيات مصرف لبنان من العملات الأجنبية بين 11 و12 مليار دولار، بينما تستقر الودائع بالدولار "الفريش" عند نحو 4.5 مليارات دولار، وتبلغ سيولة المصارف بالعملات الأجنبية نحو 7 مليارات دولار.
اسباب استقرار الليرة؟
وفي ما يتعلق بسعر صرف العملة، يناقش التقرير مسألة استقراره من زاويتين: تقنية وأساسية. فمن الناحية التقنية، يتم احتواء الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية عند مستوى يعادل 740 مليون دولار، مقابل احتياطيات بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان تقارب 12 مليار دولار، ما يعكس قدرة المصرف المركزي على ضبط سوق الصرف. أما من الناحية الأساسية، فيستند الاستقرار إلى تحقيق فوائض في المالية العامة وميزان المدفوعات خلال عام 2025، حيث سجلت الموازنة فائضاً فعلياً قدره 1.5 مليار دولار، نتيجة زيادة الإيرادات العامة بنسبة 21% عن التقديرات، كما حقق ميزان المدفوعات فائضاً قدره 3.3 مليارات دولار، ما يعكس تدفقاً صافياً للعملات الأجنبية إلى البلاد.
في الأمد القصير، يرى التقرير أن استقرار العملة مرشح للاستمرار نظراً لغياب ضغوط نقدية كبيرة، وعدم وجود توسع حاد في الكتلة النقدية بالليرة، إضافة إلى عدم وجود توجه رسمي لتحسين سعر الصرف، في ظل التزام السلطات النقدية بسياسة سعر يمكن الدفاع عنه، وعدم توصية صندوق النقد الدولي بإجراء تحسين غير مستدام للعملة.
أما في المدى المتوسط والطويل، فقد يواجه الاستقرار النقدي تحديات أكبر، نتيجة احتمال عودة العجز في المالية العامة بسبب الإنفاق المرتبط بالحرب أو بالنزوح أو لاحقاً بإعادة الإعمار والبنية التحتية والرواتب العامة. كما قد تتراجع تدفقات العملات الأجنبية، ما يخلق ضغوطاً على سعر الصرف.
ويشدد التقرير على ضرورة ربط أي زيادة في الإنفاق العام بزيادة موازية في الإيرادات، ليس بالضرورة عبر رفع الضرائب، بل من خلال تحسين الجباية والحد من التهرب الضريبي. كما يؤكد على أهمية الحفاظ على فائض في ميزان المدفوعات عبر جذب التدفقات الخارجية، من خلال تحسين بيئة الأعمال، وخفض التكاليف التشغيلية، وتعزيز الاستقرار السياسي والأمني بما يشجع الاستثمار الأجنبي المباشر.
ويخلص التقرير إلى أن هذه الشروط تمثل ركائز أساسية للحفاظ على الاستقرار النقدي المستدام، وتقليل المخاطر الاقتصادية، وتمهيد الطريق للانتقال من مرحلة الركود التضخمي إلى مرحلة التعافي الاقتصادي التدريجي في لبنان.
نبض