امتحانات في ظلّ الخوف: هل طلاب لبنان مؤهّلون لخوضها؟
في الفصول الدراسية، لا يجلس الجميع على المسافة نفسها من الخوف. بعضهم يأتي من منازل ما زالت قائمة لكنها مثقلة بقلق الأخبار اليومية، وآخرون يحملون معهم ذاكرة نزوح أو فقدان أو دمار، فيما يحاول الجميع التكيّف مع واقع تعليمي يُفترض أنه طبيعي، في واقع غير طبيعي على الإطلاق.
بين طلاب يعيشون في مناطق آمنة نسبياً، وآخرين موزّعين بين مراكز نزوح أو بلدات خطرة أو آمنة نسبياً، يتضاعف هذا الضغط مع سؤال جديد يفرض نفسه على النقاش التربوي والوطني: هل الطلاب اليوم مؤهّلون فعلاً لخوض الامتحانات الرسمية في ظل هذا الكم من الاضطراب النفسي وعدم الاستقرار؟ أم أن العدالة التعليمية نفسها تحتاج إلى إعادة نظر، تأخذ بعين الاعتبار اختلاف الظروف بين الطلاب، لا فقط مستوى تحصيلهم الأكاديمي؟
في قلب هذا المشهد، يصبح البعد النفسي جزءاً أساسياً من فهم الواقع التعليمي، لا تفصيلاً ثانوياً. ترى كارولين قرداحي تابت، أخصائية نفسية للأطفال والمراهقين في مستشفى القديس جاورجيوس أن "النقاش لا يجب أن يقتصر على مسألة إجراء الامتحانات الرسمية من عدمه، بل يتعدّاه إلى سؤال أعمق يرتبط بتوافر شروط العدالة التربوية وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب".
ظروف غير متكافئة
وتوضح قرداحي أن فئات واسعة من الطلاب تأثرت بشكل مباشر بالنزوح، أو بانعدام الاستقرار الأمني، أو بتعطّل العملية التعليمية، أو بالإقامة في مراكز إيواء داخل مدارس رسمية. هذه المعطيات تطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى الجاهزية الفعلية لهؤلاء الطلاب لخوض امتحانات وطنية موحّدة في ظروف غير متكافئة.
وتشير إلى أن الاستعداد للامتحانات الرسمية يفترض بالأساس انتظاماً في التعلّم طوال العام، وبيئة تسمح بالمراجعة والتركيز، وإمكانية متكافئة للوصول إلى التعليم والمواد الدراسية، إضافة إلى حدٍّ أدنى من الاستقرار النفسي والمعيشي. وعند غياب هذه الشروط لدى شريحة من الطلاب، تصبح المساواة في الامتحان مساواة شكلية لا تعكس بالضرورة عدالة فعلية.

كيف يمكن مساعدة الطلاب؟
وبين هدنة هشة وواقع يفرض الاستحقاقات الامتحانية، يعيش الطلاب ضغوطاً نفسية متراكمة، ويخوضون معارك صامتة في داخلهم، في مرحلة عمرية لا تزال تُشكّل فيها الشخصية والأحلام والهوية قيد التكوّن. وفي هذا السياق، يُطرح السؤال: ما الذي يمكن أن يساعد الطلاب على تجاوز هذا الضغط؟
تقدّم قرداحي مجموعة من الإرشادات العملية، أبرزها التركيز على الأولويات في المواد، وتنظيم الدراسة على فترات قصيرة ومنتظمة، والاعتماد على حل النماذج والأسئلة السابقة، إلى جانب تشجيع التعاون بين الزملاء وتبادل الدعم الدراسي. كما تشدد على أهمية متابعة قرارات وزارة التربية من مصادرها الرسمية، وطلب الدعم من المعلمين عند مواجهة صعوبات أكاديمية أو نفسية.
أما على مستوى السياسات العامة، فتدعو قرداحي إلى ضرورة مقاربة هذا الواقع من زاوية استثنائية، تقوم على إعادة تقييم شكل الامتحانات وظروف إجرائها، في ظل التفاوت الكبير بين الطلاب.
إجراءات استثنائية
وتقترح اعتماد إجراءات مرنة واستثنائية، مثل تعديل بعض المضامين، أو إعادة النظر في المواعيد عند الضرورة، أو توفير تسهيلات خاصة للطلاب المتضررين، إلى جانب البحث في حلول بديلة تضمن التوازن بين الحفاظ على المستوى الأكاديمي وتحقيق العدالة.
كما تشدد على أهمية الانتقال من مبدأ المساواة الشكلية إلى مبدأ العدالة الفعلية، إذ لا يمكن التعامل بالطريقة نفسها مع طالب يعيش في بيئة مستقرة وآخر يواجه النزوح أو المخاطر الأمنية. وتلفت أيضاً إلى ضرورة إدماج البعد النفسي في القرار التربوي، نظراً لتأثير الضغوط الناتجة عن النزاعات على التركيز والذاكرة والأداء الامتحاني.
وتختم قرداحي بالقول إن القضية في السياق اللبناني لا تقتصر على إجراء الامتحانات من عدمه، بل تتمحور حول ضمان ألا تتحوّل هذه الامتحانات إلى أداة تعمّق الفجوات القائمة بين الطلاب، بدل أن تكون وسيلة لإنصافهم، ما يضع الجهات الرسمية أمام مسؤولية اتخاذ قرارات تراعي العدالة والواقع الإنساني وحق الطلاب في تقييم منصف.
نبض