بري يوسّع هامش المناورة وطهران تضبط الإيقاع
لم يكن الهجوم الذي أطلقه مستشار الرئيس الإيراني السابق حسام الدين آشنا على رئيس مجلس النواب نبيه بري تفصيلا عابراً، بل جاء في لحظة سياسية دقيقة يتقدّم فيها ملف التفاوض بين بيروت وتل أبيب إلى واجهة المشهد. فالمفردات العالية السقف، من "المسار الخطير" إلى التحذير من "انشقاق داخل الطائفة الشيعية"، تعكس قلقا يتجاوز حدود السجال، ليطال توازنات راسخة داخل البيئة الشيعية نفسها، ولا سيما بين حركة "أمل" و"حزب الله".
غير أن ما أعقب التصريح لا يقل دلالة عنه. فقد سارع رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى الاتصال ببري، في خطوة بدت كأنها احتواء مباشر لأي تداعيات. هذا التوازي بين التصعيد الإعلامي والتواصل السياسي يكشف بوضوح عن آلية إيرانية قائمة على "الضغط المضبوط": رفع السقف من جهة، ومنع الانفجار من جهة أخرى.
توازيا، كان بري يوسّع هامش حركته على أكثر من خط. فإيفاده الوزير السابق علي حسن خليل إلى السعودية لا يمكن فصله عن مشاورات أوسع تجرى إقليمياً ودوليا للبحث عن مخارج للحرب بين "حزب الله" وإسرائيل. هذه الخطوة تعكس محاولة واضحة لفتح قنوات موازية، وعدم حصر المقاربة اللبنانية ضمن محور واحد، بل إدخال عناصر توازن جديدة قد تساعد في إنتاج تسوية أو تهدئة.
في الداخل، يحرص بري على تثبيت موقعه بوصفه جزءا من الدولة لا في مواجهتها. فهو لم ينخرط في حملة اعتراض على الحكومة اللبنانية، بل على العكس، أظهر مرونة لافتة، سواء من خلال موافقة وزرائه على قرارات حساسة، من بينها ما يتصل بمسألة السلاح أو تنظيمه ضمن إطار الدولة، أو من خلال تجنّب أي خطاب تصعيدي داخلي قد يفاقم الانقسام. هذا السلوك يضعه في موقع مختلف عن خطاب أكثر تشدداً داخل المحور، ويعطيه في الوقت نفسه شرعية إضافية في أيّ مسار تفاوضي.
هنا تحديداً يتقاطع المساران:
طهران التي ترى في أيّ انفتاح لبناني على التفاوض خروجاً جزئياً عن إيقاعها، وبري الذي يحاول إدارة هذا الانفتاح من داخل مؤسسات الدولة، لا من خارجها.
القلق الإيراني لا يرتبط فقط بمبدأ التفاوض في ذاته، بل بمن يدير هذا المسار، وكيف؟ فنجاح بري في تثبيت دور للدولة اللبنانية في الملف قد يعني عملياً تقليص احتكار قرار الحرب والسلم، أو على الأقل إدخاله في معادلة أكثر تعقيداً. لذلك، يأتي التصعيد الكلامي رسالة استباقية: رسم خطوط حمر، والتذكير بسقف لا ينبغي تجاوزه.
في المقابل، لا يبدو أن بري في وارد كسر العلاقة مع طهران أو مع "حزب الله"، بل يسعى إلى إعادة تموضع هادئ داخلها. ويندرج ردّ حركة "أمل" الذي قلّل من أهمية التصريحات الإيرانية في هذا السياق، أي احتواء الخلاف ومنع تحوّله إلى مواجهة علنية، مع الحفاظ على هامش الحركة السياسية.
في المحصلة، المشهد يتجه نحو معادلة دقيقة: تصعيد إيراني محسوب لضبط المسار، في مقابل مناورة لبنانية يقودها بري لتوسيع الخيارات.
وبين اتصال محمد باقر قاليباف وتحرك علي حسن خليل نحو الرياض وصمت مدروس من عين التينة، تتبلور ملامح مرحلة جديدة: تمايز لا يصل إلى القطيعة، وتفاوض لا يزال يبحث عن سقفه النهائي.
أما السؤال المفتوح، فهو: هل هذا التوازن الهش قادر على الصمود، أو أنه مجرد مرحلة انتقالية نحو إعادة رسم أعمق لمعادلات الداخل والخارج في لبنان؟
نبض