مصلحة لبنان في إلغاء اتفاق الترسيم مع إسرائيل؟ العودة إلى الخط 29 ورقة ضغط مستقبلية

لبنان 05-04-2026 | 11:31

مصلحة لبنان في إلغاء اتفاق الترسيم مع إسرائيل؟ العودة إلى الخط 29 ورقة ضغط مستقبلية

الاستخدام السياسي للاتفاق ليس جديداً، فمنذ وصول بنيامين نتنياهو إلى السلطة، عاد التلويح بإلغائه إلى الواجهة...
مصلحة لبنان في إلغاء اتفاق الترسيم مع إسرائيل؟ العودة إلى الخط 29 ورقة ضغط مستقبلية
المياه الإقليمية اللبنانية (أرشيفية).
Smaller Bigger

أثار طلب وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين، إلغاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، موجة من التساؤلات حيال مصير وقدرة هذا الاتفاق على الاستمرار في ظل التوترات السياسية القائمة، إذ لم يكتف كوهين بالتلويح بإمكان إلغاء الاتفاق، بل وصفه بأنه "وثيقة استسلام" لبلاده.

 

أمام تعقيدات وحساسية هذا الملف، يحضر السؤال عمّن يحمي الاتفاق؟ ومن يضمن ديمومته؟ وأي قانون يغطي شرعيته؟ فيما يعاني الاتفاق ثغرات عدة، منها أنه لم يُعرض على المجلس النيابي، ويعتبره البعض مخالفاً للدستور، فيما يعتبر آخرون أنه أسقط حق لبنان بمساحات بحرية تعادل خُمس مساحة لبنان.

 

أمام تهديد كوهين، وما استجدّ على الساحتين المحلية والإقليمية، وفي ظل فقدان توازن القوى، و"الفوقية" الإسرائيلية في التعاطي مع الملف اللبناني، يعتقد كثر أن قوة القوانين وشرعيتها، والضمانات الدولية التي ترعاها، ستسقط حكماً أمام "قانون القوة" الذي اعتادت وتعتمد تطبيقه إسرائيل حالياً.

 

ولكن الخبيرة في شؤون الطاقة لوري هايتايان لها قراءة مختلفة، بتأكيدها لـ"النهار" أن الاتفاق "ليس في مصلحة لبنان، ويصبّ في مصلحة إسرائيل حتى الآن"، مشيرة إلى أن تل أبيب تستخدمه كأداة ابتزاز عبر التهديد بضرب البنى التحتية أو إلغائه كلما أرادت الضغط على الدولة اللبنانية، خصوصاً في ملفات سياسية وأمنية. هذا التوصيف يضع الاتفاق في إطار أوسع من كونه مجرد ترسيم حدود، ليصبح جزءاً من منظومة ضغط متكاملة.

 

والمعروف أن الاستخدام السياسي للاتفاق ليس جديداً، فمنذ وصول بنيامين نتنياهو إلى السلطة، عاد التلويح بإلغائه إلى الواجهة، رغم أنه سبق أن تعهد بذلك خلال حملته الانتخابية من دون أن ينفذ وعده. تكرار هذا السلوك، كما تشير هايتايان، يدل على أن الهدف ليس الإلغاء الفعلي، بل إبقاء الاتفاق في حالة هشّة تستخدم عند الحاجة.

 

اقتصادياً، يكتسب الاتفاق أهمية مضاعفة، برأي هايتايان، إذ يُعدّ أقرب إلى تفاهم اقتصادي منه إلى ترسيم حدود تقليدي. فالشركات الدولية العاملة في مجال الطاقة تحتاج إلى بيئة مستقرة قبل الانتقال من الاستكشاف إلى الإنتاج. بيد أن استمرار التهديدات ينعكس سلباً على هذه العملية، وهو ما يفسّر تريّث الشركات في الاستثمار الكامل في البلوكات البحرية اللبنانية.

 

إذا ذهبت إسرائيل فعلاً نحو إلغاء الاتفاق، تطرح هايتايان أسئلة حيال أي خط بحري ستعود؟ وهل ستعيد طرح الخط 1، أم ستوسّع نطاق النزاع ليشمل بلوكات إضافية؟ هذه السيناريوهات لا تؤثر فقط على لبنان، بل أيضاً على الشركات العاملة وعلى الاستقرار الإقليمي في قطاع الطاقة.

 

وتشير إلى البعد الاستراتيجي الأهم، إذ تمتلك إسرائيل حقول غاز منتجة، ما يجعلها أكثر عرضةً للخسائر في حال توسّع النزاع. فإدخال هذه الحقول ضمن نزاع قانوني أو أمني قد يهدّد إنتاجها وأمنها الطاقوي، وهو ما يفسّر، بحسب العديد من التحليلات، لماذا تفضّل تل أبيب استخدام التهديد دون الذهاب إلى التنفيذ.

 

على المستوى اللبناني، يطرح هذا الواقع خيارين أساسيين، أولهما التمسّك بالاتفاق الحالي والخط 23، وهو خيار يحافظ على الاستقرار النسبي لكنه لا يمنح لبنان مكاسب إضافية، وثانيهما يتمثل في العودة إلى الخط 29، الذي يستند إلى حجج قانونية أقوى، وقد يشكل ورقة ضغط فعالة في أي مفاوضات مستقبلية.

 

ماذا يقول اتفاق فيينا؟
قانونياً، تحسم أستاذة القانون الدولي جوديت التيني مسألة أساسية بقولها إن "الاتفاق الدولي متى دخل حيّز التنفيذ يلزم طرفيه ويجب تنفيذه بحسن نيّة"، مؤكدة أنه "لا يمكن إلغاؤه من جانب واحد، استناداً إلى المادة 54 من اتفاق فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، بالإضافة إلى أنّ الاتفاق ينص على دور للولايات المتحدة الأميركية في حلّ الخلافات التي قد تطرأ بسبب تفسير أو تطبيق الاتفاق".

 

رأي التيني يضع قيوداً واضحة على أيّ خطوة أحادية من إسرائيل، ويعزز فكرة أن الإلغاء ليس قراراً بسيطاً.

 

لكن التيني تشير في الوقت عينه إلى إشكالية داخلية لبنانية، إذ تعتبر أن "الاتفاق خالف الأصول الدستورية لجهة طريقة إبرامه، ما قد يفتح باب الطعن فيه من الجانب اللبناني". بيد أنها توضح أن هذا الخلل "لا يؤدّي إلى إلغائه تلقائياً، بل إلى إمكان المطالبة بإبطاله بشكل نسبي من لبنان فقط، وهو مسار معقد يحمل تداعيات سياسية وقانونية".

 

وتشرح التيني أن "هذا ليس سبب لإلغاء الاتفاق، بل لإبطاله بناءً على طلب الجانب اللبناني وحده لأن الانتهاك هو لقاعدة في الدستور اللبناني وهو ساطع ويتعلق بالاختصاص بعقد الاتفاق، على ما جاء في المادتين 27 و46 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

 

تحليل مسار التفاوض يكشف أيضاً عن أخطاء لبنانية سابقة أضعفت الموقف التفاوضي، برأي التيني "في تسجيل الخط 23 دولياً في الأمم المتحدة سنة 2010، وفي اعتماده بالمرسوم رقم 6433 تاريخ 1/10/2011 لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة، وعدم استشارة مجلس شورى الدولة اللازمة، وعدم تعديله لاحقاً بعد ظهور الخط 29، ما شكل نقطة ضعف أساسية في التفاوض. هذا يعني عدم استخدام أدوات ضغط قانونية واقتصادية في الوقت المناسب ما أسهم في تثبيت واقع أقل من الممكن".

 

اتفاق الترسيم لم يكن نهاية النزاع، بل محطة ضمن صراع مستمر على الموارد والنفوذ. التهديدات بإلغائه تعكس استمرار هذا الصراع بوسائل مختلفة، فيما تبقى النتيجة النهائية مرتبطة بقدرة كل طرف على إدارة أوراقه بفعالية. ورغم تعقيدات وضعه، لا يزال لبنان قادراً على تحسين موقعه، لكن ذلك يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين القانون والسياسة والاقتصاد في مقاربة واحدة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
"تبدو وكأنك تقول: يا إلهي، كنت في طائرة مقاتلة قبل دقيقتين أحلق بسرعة 800 كيلومتر في الساعة، وانفجر صاروخ للتو على بعد أربعة أمتار ونصف فقط من رأسي"
لبنان 4/4/2026 7:56:00 PM
مقتل جندي إسرائيلي في شبعا بنيران صديقة خلال عملية جنوب لبنان