هل التّفاوض اللبناني المنفرد مع العدوّ يُعتبر استسلاماً؟
الدكتورة فاديا كيوان
ليست المرة الأولى التي يحتل فيها العدو الإسرائيلي جنوب لبنان. كذلك ليست المرة الأولى التي يدمر فيها العدو الإسرائيلي البيوت والأحياء والقرى ومعظم البنى التحتية في الجنوب اللبناني. وفي كل مرة كانت القوات الإسرائيلية تنسحب من الأراضي اللبنانية المحتلة، في كل مرة في إطار ترتيبات أمنية أو اتفاقات وقف إطلاق النار أو رسم خطوط… تمنحها أماناً أقل لمستوطنيها في الشمال واستقراراً أقل لدولة إسرائيل والتي تزيد هشاشة بقدر ما تزيد عنصرية.
على الجانب اللبناني، وبعد صفقات سياسية - منها اتفاق القاهرة - وأشكال مختلفة من الإهمال وعدم الاكتراث أو التخلي، كانت نتيجتها تورط المواطنين جنوباً بالتعاون مع العدو لتحييد قراهم أو التعاون مع سوريا وإيران لتأمين التسليح والذخيرة والمال لمقاومة الاحتلال.
ليست المرة الأولى التي يواجه فيها الشباب اللبنانيون في قرى الجنوب وبلداته القصف ومحاولات التوغل الإسرائيلي بشجاعة وعناد استثناىيين. وهي ليست المرة الأولى التي ينزح أهالي الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية عن بيوتهم وقراهم وأرضهم، ويعودون بحركة جماهيرية حماسية إلى قراهم وبلداتهم المدمرة، وذلك في لحظة إعلان وقف إطلاق النار.
ليست المرة الآولى التي يُقتل فيها الأطفال بالقصف الإسرائيلي الحقود والأعمى فيما هم ذاهبون إلى مدارسهم أو عائدون من عشاء عند أقاربهم يوم العيد.
يتجدد هذه المرة المشهد في ظروف مختلفة. فالولايات المتحدة انخرطت مباشرة في القتال وكانت وجهته الأولى إيران، الجهة التي تسلّح وترسل الذخيرة والمال والاستشاريين العسكريين وربما بعض المقاتلين إلى لبنان.
ماذا عسانا نفعل هذه المرة؟
إذا رأت الدولة اللبنانية وجوب التفاوض المباشر والمنفرد مع العدو، بإشراف أممي أو بإشراف مجموعة دول صديقة، فما هي أوراق الضغط اللبنانية؟
المقاومة الشرسة لمحاولات الاجتياح هي أول ورقة ضغط. فاحتلال لبنان أو أجزاء منه، والجنوب عزيز ككل حبة تراب من الوطن الصغير بمساحته والكبير برسالة العيش المشترك بين كل مكوّنات شعبه، وهي مكوّنات متعددة، ليس نزهة ولن يكون.
كذلك هل يمكن للإسرائيلين أن يتخيلوا ما بعد الاجتياح؟ أي الاحتلال والبقاء في مناطق من لبنان؟ بالتأكيد ستستمر أعمال مقاومة الاحتلال وتقوى وتشتد. وستضطر الحكومات الإسرائيلية إلى إبقاء جنودها في حالة تأهب قصوى، والإصبع على الزناد، وإلى مواصلة سحب القتلى والجرحى منهم باستمرار. وبالطبع لن يعيش مستوطنوها بأمان في بيوتهم شمالاً إذا قرروا العودة إليها.
وزيادة على ذلك، سيضفي الاحتلال شرعية بل قدسية على أعمال مقاومة الاحتلال.
بكلام آخر، ستبقى حدود إسرائيل الشمالية في حال اضطراب دائم والدولة الإسرائيلية في حالة حرب واستنزاف.
هل لإسرائيل أوراق ضغط في المفاوضات المحتملة؟
ورقة الضغط الأولى هي الاجتياح بعد القصف المدمر، وقد بدأ بالفعل ومن ثم التهديد بالاحتلال الطويل الأمد.
ورقة الضغط الثانية هي انهيار جبهة الممانعة والتي كانت متمثلة بالنظام السوري السابق وبفك الارتباط مع إيران، مالاً وسلاحاً.
وإسرائيل تراهن اليوم على سقوط النظام الإيراني نفسه والذي كان سنداً عقائدياً وملاذاً لـ"حزب الله" ولجمهوره.
هل ينتظر اللبنانيون، ولا سيما أهل الجنوب، أن تنكسر إيران أو تنتصر في الحرب مع أميركا ومع إسرائيل، فيعود "حزب الله" إلى قوّته وجبروته إذا انتصر النظام الإيراني وينهزم اللبنانيون إذا خسرالنظام الإيراني؟ حينها ماذا سيفعل اللبنانيون المستندون إلى إيران؟
لماذا على اللبنانيين من أنصار النظام الإيراني أن يربطوا مصيرهم به حتى النهاية؟ أليس هناك مشروعية لبنانية في السعي لوقف الاحتلال لجنوب لبنان عوض التماهي مع النظام الإيراني والاندفاع إلى مواجهات عسكرية إلى ما لا نهاية؟
ما فاتني أن أقوله في سياق الفقرات الأولى هو أن دعم سائر المكوّنات اللبنانية لمشروع مقاومة العدو كان مرتفعاً في السابق بالنظر إلى الشعور الوطني العام بأن أهل الجنوب قد ظُلموا بسبب ميوعة الدولة في السابق وبسبب الصفقات. وكان هناك شعور عام بالمسؤولية عن كل ما عاناه أهل الجنوب من دمار ونزوح قسري وفقدان أحبة، أكانوا على الجبهات أو في طريقهم إلى المدرسة.
أما اليوم فالوضع يختلف. وقد حذر الجميع من التهور والاندفاع إلى المواجهة. ففي الماضي كان هناك احتلال بسبب اتفاق القاهرة المشؤوم وتداعياته. وفي الأمس كان هناك جبهة ممانعة للاستسلام والتضحية بمشروع الدولة الفلسطينية على حدود 1967. وفي الأمس القريب كان هناك موضوع مساندة غزة. واليوم هو موضوع مساندة إيران… وبعدين؟
إن مشروعية الانخراط في تحالفات خارجية تأتي بالويلات على لبنان قد تصدعت وحتى في أوساط البيئة المتضررة مباشرة من هذه المغامرة الأخيرة، هناك شك في صحة هذه الخيارات.
لا، لم تعد الساحة الوطنية كما كانت، مساندة لخيار المقاومة. فاليوم الخيار موجود أمام الجميع. إما تسعى الدولة اللبنانية إلى التفاوض لوقف هذه الحرب على لبنان وانسحاب إسرائيل الكامل من كل النقاط التي احتلها جيشها مقابل عودة الوضع إلى هدنة 1949 على الحدود الدولية بين لبنان وإسرائيل، وحماية الدولة بعد ذلك للمقاومين فلا تعود إسرائيل تصطادهم على الطرق وفي بيوتهم. وبالطبع يجب أن يقلع بعض المسؤولين الإسرائيلين عن التهديد باحتلال لبنان حتى الليطاني. وهذا التهديد بحد ذاته هو مشروع حرب متواصلة إلى ما لا نهاية.
إما نبقى في مراوحة قاتلة في القرار الوطني فتخلق الحرب واقعاً جديداً يأتي على لبنان الكببر برسالته وحلمه وينصرف كل فريق إلى مواجهة قدر يكون قد اختاره بنفسه ويتحمل تالياً كل تبعاته.
لماذا يجب أن يكون خيارنا الوطني العودة إلى هدنة 1949 وليس سواها من الحلول؟ لأن لبنان كان ولا يزال ويجب أن يبقى ملتزماً بالحل العادل والشامل للصراع العربي الإسرائيلي والذي يتضمن الإقرار بمشروعية إنشاء الدولة الوطنية الفلسطينية على حدود 1967، وأن تكون عاصمتها القدس الشرقية، كما نصت على ذلك القمة العربية في عام 2002. وممانعة التطبيع مع إسرائيل والانخراط في اتفاقيات أبراهام من جانب المملكة العربية السعودية يبقي هناك أمل بأن تعود سائر الدول العربية إلى الالتفاف حول هذا القرار من أجل بلوغ منطقة الشرق الأوسط شاطئ الاستقرار والأمن على أساس العدل مقابل السلام.
نبض