صدمة حادّة بانسحاب الجيش من البلدات المسيحية "هبّة" دولية وأوروبية تتخوّف على اليونيفيل
لعلّ مشاهد انسحاب الجيش اللبناني من بلدات حدودية مسيحية ظلّت صامدة بين فكيّ كماشة الاجتياح الإسرائيلي المتدرّج وصواريخ "حزب الله" ومجموعاته بدت كافية أمس، لاختصار أحدث التطورات الدراماتيكية التي تواكب هذه الحرب التي تطوي غداً شهرها الأول وتدخل في الشهر الثاني من دون أي أفق زمني، بل وسط معطيات ميدانية وديبلوماسية تنذر اللبنانيين بأنهم أمام حرب طويلة لن ترتبط نهايتها بنهاية محتملة لحرب إيران، بل ستتجاوزها بوقت غير محدد وظروف شديدة القسوة والتعقيد وتداعيات وأكلاف مخيفة. ولم تقتصر الصدمة الدراماتيكية على معاينة وضع البلدات المسيحية الحدودية وهي تعاند الظروف الحربية التي تتهددها بمصير مماثل لعشرات البلدات التي هُجّر اهلها وسكانها، بل إن الحرب في لبنان الناشبة منذ شهر دخلت للمرة الأولى إلى المنبرية الأممية مع انعقاد مجلس الأمن الدولي للنظر في وضع قوات اليونيفيل التي فقدت ثلاثة من جنودها في العمليات الحربية، الأمر الذي ضاعف الخشية على هذه القوات وما يمكن أن يستدرجه تعريض جنودها عمداً بعدما أعاد الجيش اللبناني انتشاره في مجمل المنطقة الحدودية، وبذلك يغدو الجنوب بلا غطاء القوات الشرعية اللبنانية والدولية تماماً.
وفي الوقائع، أخلى الجيش اللبناني أمس مراكزه في بلدتي رميش وعين إبل في قضاء بنت جبيل، وأفيد لاحقاً أنه أخلى مراكزه أيضاً في برعشيت والطيري وبيت ياحون.
وعلى الاثر، شدّد كاهن رعية رميش الأب نجيب العميل بعد قرار الدولة اللبنانية بسحب القوى الأمنية والجيش على رفض مغادرة الأهالي للبلدة، وقال "إننا يا منموت كلنا وبتروح ضيعتنا يا منعيش كلنا وبتحيا ضيعنا. ولن نغادر".
كما أن رئيس بلدية رميش حنا العميل، قال إن "الجيش انسحب فعلاً من البلدة وكنا نفضل بقاءه، لكننا كأبناء للبلدة سنبقى فيها رغم المخاطر".
وبدوره، أعلن رئيس بلدية عين إبل أيوب خريش: "نتفهم أسباب الجيش بالإخلاء لكن قرارنا البقاء في البلدة". وأثار هذا التطور مخاوف وردود فعل، فاعلنت بلديات البلدات الحدودية قلقها الشديد إزاء بدء انسحاب الجيش وأكدوا تمسك الأهالي بالبقاء في أرضهم وتمسكهم بالشرعية ومؤسسات الدولة. ووجّه النائب ملحم خلف نداءً عاجلاً إلى الحكومة وسائر المنظمات الدولية والإنسانية لفتح ممرات إنسانية آمنة تضمن استمرار التواصل لهذه القرى مع الداخل اللبناني.
ولعلّ الأخطر أن الجيش الإسرائيليّ تحدث عن "معلومات خطيرة عن قيام "حزب الله" بالاستيلاء على قرية القوزح في جنوب لبنان"، بما أثار الخوف من تعريض القرية لقصف إسرائيلي. وقال: "يقوم باستخدامها لإطلاق صواريخ وقذائف صاروخية وقذائف مضادة للدروع نحو قواتنا والأراضي الإسرائيلية".

تزامن ذلك مع تصاعد التهديدات الإسرائيلية للبنان، إذ أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو "أننا نعمل على إنشاء أحزمة أمنية واسعة وتطهير قرى الإرهاب في جنوب لبنان. كما نعمل على ضمان عدم فرض وقف إطلاق نار علينا في لبنان حال التوصل لوقف إطلاق نار مع إيران". واعتبر أن "وقف إطلاق النار في لبنان يجب أن يكون قراراً مستقلاً من إسرائيل. وأوعزت بتجنب إرسال جنودنا إلى منازل بجنوب لبنان واستخدام الذخائر وآليات هندسية لتقليل الخسائر المؤلمة".
أما وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، فأشار إلى "أننا سننشر قوات الجيش في المنطقة بأكملها حتى الليطاني". وقال كاتس: "لن يتمكن 600 ألف من سكان جنوبي لبنان الذين تم إجلاؤهم من العودة لمنطقة أمنية داخل لبنان بعد انتهاء العملية، وسنقيم منطقة عازلة في جنوب لبنان وسنبقي سيطرتنا حتى ضمان سلامة سكان شمالي إسرائيل، وسيتم هدم جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود في لبنان". وأضاف: "عازمون على فصل لبنان عن الساحة الإيرانية وعازمون على تغيير الوضع في لبنان تغييراً جذريا".
وتمكنت قوات" اليونيفيل" أمس من انتشال جثتي الجنديين الإندونيسيين اللذين سقطا أول من أمس على طريق مركبا- بني حيان في قضاء مرجعيون.
واللافت أن وكالة الصحافة الفرنسية نقلت عن مصدر في الأمم المتحدة أن نيراناً إسرائيلية هي التي قتلت جنديًّا من "اليونيفيل" جنوب لبنان الأحد الماضي.
وفي جلسة مجلس الأمن أعلنت الأمم المتحدة أن قوات اليونيفيل تطبّق قرارات مجلس الأمن في ظروف خطرة والقوات الإسرائيلية تواصل انتهاك القرار 1701. وأشارت إلى أن الصراع بين إسرائيل و"حزب الله" وصل إلى مستويات غير مسبوقة وتطبيق القرار 1701 في لبنان هو الذي سيحل النزاع.
وفي موقف بارز يترجم موقف الحكومة اللبنانية، أعلن مندوب لبنان لدى الأمم المتحدة، أن "حزب الله جر لبنان للحرب رغم أن الحكومة كانت منفتحة لحوار معه"، ودعا إيران إلى "ضرورة احترام سيادة لبنان ووقف تدخلها فيه".
وقال: "ندين تهديدات الحرس الثوري باستهداف الجامعات الأميركية وندين استهداف قوات اليونيفيل، وعلى مجلس الأمن تحديد المسؤول ونجدّد تمسكنا بها".
وقال ممثل فرنسا في مجلس الأمن، إن على إسرائيل عدم اجتياح لبنان براً وعلى إيران تنفيذ قرارات الحكومة اللبنانية بما في ذلك مغادرة سفيرها.
أما المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة، فشدد على أنه "يجب أن ندعم الحكومة والجيش اللبناني ببسط سيادتهم".
وصدر بيان مشترك عن وزراء خارجية بلجيكا وقبرص وكرواتيا وفرنسا واليونان وإيطاليا ومالطا وهولندا والبرتغال والمملكة المتحدة، والممثلة السامية للاتحاد الأوروبي، أعربوا فيه عن "دعمنا الكامل لحكومة لبنان وشعبه، الذين يعانون مرة أخرى من العواقب المأسوية لحرب لم يختاروها". وأكد البيان أن "حزب الله مسؤول عن هذا الوضع. ونحن ندين بشدة الهجمات التي شنها حزب الله ضد إسرائيل دعماً لإيران؛ ويجب أن تتوقف فوراً. الأولوية هي تجنّب تصعيد جديد للنزاع الإقليمي مع إيران".
وأعرب البيان "عن دعمنا الكامل للحكومة اللبنانية في نهجها إزاء هذا الوضع ونشجعها على المضي قدماً في تنفيذ إجراءات ملموسة ولا رجعة فيها، على جميع المستويات، من أجل استعادة سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، ولا سيما في ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة... وندعو إسرائيل إلى تجنّب أي تصعيد إضافي للنزاع، ولا سيما من خلال تنفيذ عملية بريّة على الأراضي اللبنانية".
وجدّد البيان "دعمنا الثابت لولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" وندعو إلى ضمان بقاء قنوات منع الاحتكاك مفتوحة. وندين بشدة جميع الهجمات الأخيرة على وحدات اليونيفيل، التي أسفرت عن خسائر بشرية غير مقبولة في صفوف أفراد حفظ السلام خلال الأيام الأخيرة".
في غضون ذلك، زارت الوزيرة المفوضة للجيوش الفرنسية أليس روفو لبنان لإظهار دعم فرنسا لسيادة لبنان، واستمرار التزام بلادها الراسخ تجاه لبنان، لا سيما في إطار (اليونيفيل) منذ عام 1978، وفق ما أعلنت السفارة الفرنسية.
ونقلت روفو إلى رئيس الجمهورية جوزف عون تحيات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون و"تأكيده دعم لبنان في الظروف الصعبة التي يمر بها، ووقوفه إلى جانب رئيس الجمهورية في المواقف التي يعلنها، ولا سيما المبادرة التفاوضية وقرارات الحكومة اللبنانية". كما نقلت رسالة مماثلة إلى رئيس الحكومة نواف سلام. وسلّمت الوزيرة المنتدبة رسميًا 39 مركبة للقوات المسلحة اللبنانية في مرفأ بيروت. وهي مركبات مدرعة متقدمة، تتسع كل منها لعشرة جنود تقريبًا وتوفّر هذه المركبات المدرّعة حماية أساسية للعمليات في المناطق الخطرة.
وسط هذه الاجواء، وفيما الغارات تتنقل بين القرى الجنوبية حيث تجدّد الانذار باخلاء منطقة جنوب الزهراني، وبعد تجديد الإنذار لسكان الضاحية الجنوبية، نفّذ الطيران الحربي الإسرائيلي بعد الظهر غارة على منطقة بئر العبد، ثم نفذ غارة عنيفة مدمرة على المبنى الواقع في الغبيري قرب دوار جندولين في اتجاه أوتوستراد المطار.
وفي تطور جديد في عمليات الإغارات استهدفت غارة اسرائيلية شقة في الطبقة الأرضية من احد المباني في منطقة مار روكز القريبة من المنصورية خلف غاليري استقبال.
نبض