رسالة مفتوحة إلى نقيب محامي بيروت وأعضاء مجلس النقابة
وجّه المحامي المتقاعد كميل قيصر داغر رسالة مفتوحة إلى نقيب المحامين في بيروت وأعضاء مجلس النقابة، جاء فيها:
إذا كان المفكرُ الفرنسي المشهور، فولتير، تعامَلَ مع موضوع المحاماة، من مواقع السخرية، على انها صفُّ كلام و"دفقُ أمورٍ لا جدوى منها"، فيما نظر الفيلسوف اليوناني، أفلاطون، إلى المحامي، على طريقة الفلاسفة السفسطائيين، على أنه مرتزقٌ يدافع ،اليوم، عن الشيء نفسه، بوصفه أبيض، فيما يراه أسود، في اليوم التالي، فغالباً ما لم تكن هذه هي الحقيقة.
فلقد تصوَّر المحامي والكاتب والسياسي الفرنسي المرموق، روبير بادنتر، المحاماة، كمعركة ضد الظلم المطلق، خاصة في كفاحه التاريخي لإلغاء عقوبة الإعدام. فبالنسبة له، المحامي هو صوت من لا صوت لهم، في مواجهة جبروت الدولة. فيما وصف المحامي الجنائي الفرنسي الراحل، هرفيه تيميم Hervé Témime، المهنة بأنها "استثنائية" ومشبّعة بالأمل، معتبراً أن "أفضلنا ليس على مستوى عظمتها"، فهي تتجاوز مجرد تطبيق القانون لتصبح تجربة إنسانية عميقة.
أما الفيلسوف الألماني الكبير، هيغل، فرأى في المحاماة تجسيداً لـ "العمل الديالكتيكي" الصبور، حيث تُبنى الحقيقة من خلال التناقض والحوار المستمر. واختصرها بعض المفكرين الآخرين، أخيراً، بكونها صيانةً للكرامة البشرية قبل كل شيء، وجسراً بين "القوة التي قد تسحق" و"الحق الذي يحمي"، ومهنةً تتطلب، بالأحرى، "صموداً نفسياً وجدلاً فكرياً دائماً". والأهم من ذلك أنهم لم يروا فيها مهنة، وحسب، بل دعوة une vocation. أكثر من ذلك، لقد اعتبروا أن المحامي شريك أساسيٌّ للعدالة، ومدافع عن ضعفاء المجتمع، لا بل "صانعٌ للتغيير!".
وهذه الرؤية بالذات لمهنة المحاماة هي التي شجعتني، قبل أكثر من نصف قرن، على اختيارها مبدأً للعمل، وشكلاً، في الوقت نفسه، للحياة. بمعنى الجمع بين الكسب الشريف والكافي للعيش، بكرامة، والارتباط معاً برؤيةٍ ساميةٍ للحياة.
السادة، النقيب، وأعضاء المجلس، المحترمين
لقد ترددتُ، كثيراً، حين فكرت بتوجيه هذه الرسالة إليكم، وبالضبط، في مثل الظروف المأساوية للحرب الإجرامية الحالية على كلٍّ من لبنان وإيران. ولكنني حسمت هذا التردد، أخيراً، لصالح كتابتها، وإرسالها، وذلك على أساس الأفكار والاعتبارات التالية:
- ثمة عديدون، في المهن الحرة، عبر العالم، ومن ضمنها مهنة المحاماة، يواصلون العمل حتى اللحظات الأخيرة من حياتهم، وبالتالي يصرفون النظر عن اللجوء إلى التقاعد، في الردح الاخير من العمر. وأنا أتذكر على هذا الصعيد العديد من الزملاء، وبين أشهرهم استاذي في القانون الدستوري، الدكتور إدمون رباط، والنقيبين، الأستاذين جان نفاع وفؤاد رزق (وقد تدرجتُ، لديهما، بالمناسبة، على التوالي، في أواخر ستينيات القرن الماضي)، وآخرين عديدين.
بيد أني، في العام 2018، وعلى عكسهم، بعد خمسين عاماً في المحاماة، فضلتُ التقاعد، والانصراف إلى الكتابة. وقد كان ذلك حلماً قديماً لدي، علماً أنه وإن لم يكن المعاش التقاعدي مجزياً، آنذاك (قرابة الألف دولار)، فلقد كان يساعد، ولو نسبياً، على التحول إلى اهتمامات أخرى أكثر حميمية، وارتباطاً بخلجات النفس، وبواطن الشغف فيها.
- ولكن سرعان ما تحول الحلم إلى ما يشبه كوابيس اليقظة، مع الانهيارات المتتالية للعملة الوطنية والوضعين الاقتصادي والمالي، في الدولة اللبنانية، وانتقال هذا الوضع إلى عقر دار المحامين المتقاعدين، وما باتوا يتقاضونه من النقابة الكريمة، وهو لم يعد يساوي حتى "فلس الأرملة"، في الأناجيل الأربعة (ثلاثمئة دولار، لا أكثر!).
- ومع هذا التحول المفرط في البؤس، وجدت نفسي أتوجه اليكم، أخيراً، بالسؤال: هل تشعرون بأن هذا الواقع يليق، ليس فقط بمئات من زملائكم الذين بلغوا من العمر عتياً، ومن يعيش معهم من أفراد عوائلهم، بل أيضاً بمهنة المحاماة، بالذات، التي قال عنها روجيسيو، رئيس القضاة الأعلى، في فرنسا، في عهد الملك لويس الخامس عشر، إنها "تجعل المرء نبيلاً بلا ولادة، وغنياً بلا مال، وسيداً بغير ما ثروة". وأضاف أنها "عريقة كالقضاء، مجيدة كالفضيلة، ضرورية كالعدالة. إنها مهنة يندمج فيها السعي إلى الكسب المادي مع أداء الواجب، الذي لا ينفصل عن الجدارة والجاه".
- ثم ألا يعتقدون أن البعض بينهم، والعديد من زملائهم الأقربين، على الأقل، قد يجدون أنفسهم يوماً، مضطرين للتقاعد، مع شعورٍ مسبق ببؤس المصير الذي ينتظرهم، مع معاشٍ كهذا الذي يدفعونه الآن لزملاء سبقوهم إلى وضعٍ بات يمكن وصفه بأنه "بلا أفق"!
- ثم أخيراً، ما عساها تكون الأفكار التي قد تراودهم إذا هم رجعوا بأذهانهم إلى الوراء، وتخيلوا، على سبيل المثال، أنهم يدفعونه لأمثال النقيبين جان نفاع، وفؤاد رزق، والأساتذة صبحي المحمصاني ووفيق طباره، وإدمون رباط، وإدمون نعيم، وغيرهم، وغيرهم، وهُم كثر!
السادة، نقيب المحامين الحالي، وباقي أعضاء مجلس النقابة
لا أظن أني بانتظار جوابكم، وحدي، بل ثمة عدد كبير من الزملاء المتقاعدين، في حالتي الترقب والانتظار عينهما!
نبض