سابقة ديبلوماسية: لبنان يستخدم أقصى أدوات الضغط ضد إيران
في خطوة غير مسبوقة في تاريخ علاقاته الديبلوماسية، أقدم لبنان على إجراء نادر تمثّل في سحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني، وإعلانه "شخصا غير مرغوب فيه"، مع تحديد مهلة لمغادرته البلاد. هذا القرار لا يندرج في إطار السجالات السياسية اليومية، بل يؤسس لتحوّل نوعي في كيفية إدارة بيروت علاقاتها الخارجية، وتحديدا مع إيران، بما يجعله سابقة فعلية لم تعرفها الديبلوماسية اللبنانية من قبل بهذه الحدّة.
لطالما اتسم السلوك الديبلوماسي اللبناني بالحذر الشديد، نتيجة تركيبته الداخلية المعقدة وتشابك علاقاته الإقليمية، ما دفعه تاريخيا إلى تفادي استخدام أدوات تصعيدية قصوى، مثل إعلان سفير معتمد "شخصا غير مرغوب فيه". حتى في أشد مراحل التوتر، كانت بيروت تميل إلى استدعاء السفراء أو توجيه الاحتجاجات، أو في أقصى الحالات، خفض مستوى التمثيل، من دون الذهاب إلى كسر القواعد الديبلوماسية مباشرة.
من هنا يكتسب القرار الحالي أهميته، إذ يكسر هذا النمط ويضع لبنان للمرة الأولى في موقع المبادِر إلى استخدام واحدة من أكثر الأدوات الديبلوماسية حدّة، من دون أن يصل إلى قطع العلاقات.
وللتوضيح، فإن إعلان سفير "شخصا غير مرغوب فيه" لا يعني بالضرورة قطع العلاقات الديبلوماسية بين الدولتين، بل يُعدّ من أقصى أدوات الضغط في العلاقة نفسها. فهو إجراء يستهدف ممثّلا ديبلوماسيا بعينه، مع إبقاء قنوات التواصل قائمة عبر بدائل ديبلوماسية أخرى، ما يضعه في خانة التصعيد المحسوب لا القطيعة الكاملة، أي أنها رسالة مزدوجة تفيد بأن قواعد الاشتباك السياسي تغيّرت، من دون إسقاط كامل لقنوات التواصل.
الاستثناء الأبرز سجّل عام 1994، مع اغتيال المعارض العراقي طالب السهيل في بيروت، في جريمة هزّت الداخل اللبناني وأحرجت الدولة على المستوى الدولي. يومها، اتخذت الحكومة خطوة نادرة تمثلت في توقيف ديبلوماسيين عراقيين واتهامهم بالضلوع في العملية، قبل أن تعلنهم أشخاصا غير مرغوب فيهم وتمهل البعثة العراقية أياما لمغادرة البلاد، وصولا إلى قطع العلاقات مع العراق. تلك الحادثة بقيت حتى اليوم المثال الأوضح على استخدام لبنان أقصى صلاحياته الديبلوماسية في مواجهة خرق أمني مباشر.
وفي سياق الأزمات الديبلوماسية الكبرى، لا يمكن إغفال القطيعة الطويلة مع ليبيا على خلفية اختفاء الإمام موسى الصدر عام 1978 خلال زيارته طرابلس الغرب. هذه القضية التي تحوّلت إلى جرح وطني مفتوح، دفعت لبنان إلى قطع العلاقات الديبلوماسية مع ليبيا وإقفال سفارتها في بيروت لسنوات طويلة، في واحدة من أطول الأزمات الديبلوماسية في تاريخ البلاد. مع ذلك، ورغم حدّتها، بقيت في إطار القطيعة بين الدول، لا في إطار طرد فردي لديبلوماسيين.
وفي السنوات الأخيرة، في أزمة 2021 مع السعودية ودول الخليج، حين سُحب السفراء من بيروت، طُلب من السفير اللبناني المغادرة، من دون أن يرد لبنان بالمثل.
في المقابل، شهدت العلاقة مع إيران سابقة مختلفة في عهد الرئيس أمين الجميل، حين قررت الدولة قطع العلاقات بالكامل في خضم الصراع المفتوح على الأرض اللبنانية، ما أدى إلى إقفال السفارة الإيرانية وخروج ديبلوماسييها.
غير أن أهمية القرار الحالي لا تنبع فقط من ندرته، بل من توقيته وسياقه. فلبنان يعيش منذ أسابيع على وقع انخراط "حزب الله" في مواجهة عسكرية خارج قرار الدولة، في تطور يعيد طرح مسألة احتكار الشرعية وقرار الحرب والسلم. في موازاة ذلك، يتزايد الحديث عن حضور كثيف لعناصر الحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي اللبنانية، سواء في أدوار استشارية أو عملياتية، ما يعمّق الانطباع أن القرار الإستراتيجي يتجاوز مؤسسات الدولة.
هذا الواقع لم يقتصر على البعد العسكري، بل انعكس أيضا في مشهد أمني مضطرب شهد عمليات اغتيال متفرقة في أكثر من منطقة، من بينها حادثة لافتة في فندق في الروشة، أعادت إلى الأذهان زمن تحوّل بيروت إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.
من هنا، يمكن قراءة قرار وزارة الخارجية على أنه إشارة سياسية تتجاوز مسألة سفير أو اعتماد، لتلامس جوهر الصراع على هوية الدولة ودورها. فهو من جهة، يعيد التذكير بأن لبنان يمتلك أدوات سيادية يمكن تفعيلها، ولو متأخرا، ومن جهة أخرى يطرح سؤالا أعمق عن قدرة هذه الأدوات على إحداث توازن فعلي في ظل واقع يفرضه تداخل النفوذ الخارجي مع الداخل.
هكذا، وبين سابقة 1994 مع العراق وقطيعة الثمانينيات مع إيران، مرورا بالأزمة المفتوحة مع ليبيا، يأتي قرار اليوم ليؤسس لمرحلة جديدة في السلوك الديبلوماسي اللبناني، ينتقل فيها، ولو جزئيا، من موقع المتلقي للأزمات إلى موقع المبادِر في إدارتها، في اختبار مفتوح على احتمالات تتجاوز الديبلوماسية إلى صلب معادلة السيادة في لبنان.
نبض