الجنوب: من "اليونيفيل" إلى منظومة ضبط أمني؟

لبنان 20-03-2026 | 16:47

الجنوب: من "اليونيفيل" إلى منظومة ضبط أمني؟

لا يدور النقاش اليوم حول مستقبل "اليونيفيل" بقدر ما يدور حول شكل الجنوب في المرحلة المقبلة. 
الجنوب: من "اليونيفيل" إلى منظومة ضبط أمني؟
قوات اليونيفيل جنوبي لبنان (أرشيفية).
Smaller Bigger

لم يعد ممكناً التعامل مع النقاش الدائر حول "اليونيفيل" بوصفه مجرّد بحث تقني في تعديل المهمات أو زيادة العديد. ما يتبلور في الكواليس الدولية، وخصوصاً بين واشنطن وباريس، يشير إلى مسار أعمق بكثير يتجاوز القوة الدولية بصيغتها الحالية نحو محاولة إعادة صياغة كاملة لمنظومة الأمن في جنوب لبنان.

 

في هذا السياق، لا تبدو المعطيات المتقاطعة، وآخرها ما نقل من واشنطن عن طلب إسرائيل آلية مراقبة أميركية - دولية مدعومة بتعاون استخباري، تفصيلاً عابراً، بل تعدّ مؤشراً واضحاً لانتقال الملف من إطار أممي تقليدي إلى مستوى إدارة أمنية دولية أكثر مباشرة.

 

منذ عام 2006، شكّلت "اليونيفيل" جزءاً من تسوية أنهت حرب تموز وأرست استقراراً هشاً على الحدود، لكنها لم تتحول يوماً إلى أداة ردع حقيقية. هذا التقييم الذي تبنّته إسرائيل منذ سنوات، يجد اليوم صدى أوسع في واشنطن، حيث يعاد النظر في مقاربة الجنوب من زاوية مختلفة، لا تكتفي باحتواء النزاع بل تسعى إلى ضبطه ومنع إعادة إنتاجه. هنا تحديداً يكمن التحول: لم يعد الهدف مراقبة وقف الأعمال العدائية، بل إنشاء منظومة تحقق قادرة على كشف أي خرق ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية لـ"حزب الله".

 

دبابتان إسرائيليتان من طراز
دبابتان إسرائيليتان من طراز

 

في المقابل، تبدو فرنسا التي لطالما قادت الملف عبر بوابة "اليونيفيل"، أمام لحظة مراجعة دقيقة. فهي تدرك أن الدفاع عن الصيغة القديمة لم يعد واقعياً في ظل التحولات الميدانية والسياسية، والقرار المتخذ بإنهاء مهمة "اليونيفيل" في شكلها الحالي، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى تجنب تهميش دورها. لذلك تميل باريس إلى الانخراط في صيغة معدّلة تحافظ لها على موقع داخل المعادلة الجديدة، من خلال الدفع نحو تعزيز دور الجيش اللبناني جنوب الليطاني وإعادة تعريف مهمة "اليونيفيل" ضمن إطار أوسع، مع قبول ضمني بدور أميركي تقني واستخباري يشكّل العمود الفقري لأيّ آلية مقبلة.

هذا التلاقي الأميركي-الفرنسي لا يعني بالضرورة سهولة التنفيذ، بل على العكس، يفتح الباب أمام تعقيدات لبنانية داخلية شديدة الحساسية. فإدخال عنصر استخباري أميركي مباشر في إدارة الحدود سيقرأ فوراً على أنه مسّ بالسيادة، فيما ربط أي آلية جديدة بمنع التسليح يعيد طرح مسألة سلاح "حزب الله" في قلب المعادلة، وهو ملف يتجاوز بكثير البعد الأمني إلى عمق التوازنات السياسية الداخلية. وبين هذين الحدين، يجد لبنان نفسه أمام معادلة دقيقة، حيث يتحوّل ما يطرح دولياً كترتيب أمني إلى مشروع سياسي كبير يصعب فصله عن سياق الصراع الإقليمي.

يبقى العامل الحاسم في تحديد مصير هذه الطروحات مرتبطاً بميدان الحرب نفسه. فإذا نجحت إسرائيل، بدعم أميركي، في فرض وقائع جديدة على الأرض، فإن تحويل هذه الأفكار إلى جزء من تسوية مفروضة يصبح احتمالاً واقعياً. أما إذا استمر التوازن القائم، فستبقى هذه الآليات في إطار الضغط التفاوضي، تُستخدم لتحسين الشروط أكثر مما تستخدم كخطة قابلة للتنفيذ الفوري.

في المحصلة، لا يدور النقاش اليوم حول مستقبل "اليونيفيل" بقدر ما يدور حول شكل الجنوب في المرحلة المقبلة. هل يبقى مساحة اشتباك مضبوط نسبيا وفق قواعد 2006، أو يتحوّل إلى منطقة خاضعة لنظام رقابة دولي أكثر صرامة؟ بين هذين الخيارين، تبرز حقيقة أساسية مفادها أن ما بعد هذه الحرب لن يشبه ما قبلها، وأن الجنوب يقف على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد رسم حدوده الأمنية، وربما السياسية أيضاً، تحت عنوان يبدو تقنياً في ظاهره، لكنه يخفي في عمقه محاولة لإعادة ضبط التوازنات بقواعد مختلفة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/18/2026 6:11:00 PM
الجمعة أول أيام عيد الفطر في دول عربية وإسلامية بعد تعذّر رؤية الهلال
العالم العربي 3/19/2026 6:55:00 PM
6 لبنانيين في لائحة "فوربس" لأثرياء العالم 2026… والثروات العالمية تقفز إلى 20.1 تريليون دولار
الخليج العربي 3/19/2026 11:58:00 AM
اجتماعان تناولا التطورات الإقليمية في ضوء التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة
المشرق-العربي 3/19/2026 3:11:00 PM
وضع استهداف إسرائيل لحقل بارس الإيراني العراق أمام خطر انقطاع واسع للتيار قد يصل إلى ما يشبه "الظلام الشامل" خلال الساعات المقبلة.