خلايا حزب الله في الخليج: من "العبدلي" إلى مخططات 2026
لم يعد ملف الخلايا المرتبطة بـ"حزب الله" في دول الخليج خبراً عابراً أو مادة للاستهلاك السياسي، بل بات مساراً أمنياً متراكماً يعود اليوم إلى الواجهة بقوة مع التطورات الأخيرة في الإمارات العربية المتحدة بعد الكويت، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية. الإعلانات المتتالية عن تفكيك خلايا واعتقال عناصر، مع ما رافقها من معطيات عن أسلحة متطورة وأجهزة اتصال مشفّرة وخطط لاستهداف منشآت حيوية، لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتجاوز حدود هذه الدول ليطال بنية الصراع في المنطقة وأدواته.
ما كشف في الكويت خلال الأيام الماضية، من ضبط أكثر من خلية تضم عشرات الأشخاص ومرتبطة بالحزب، يعيد إلى الأذهان مباشرة تجربة "خلية العبدلي" عام 2015، لكن مع فارق نوعي واضح. المعطيات الحالية تشير إلى انتقال هذه الشبكات من طور الدعم اللوجستي أو التخزين إلى مرحلة العمل العملياتي المباشر، بما يشمل التخطيط لهجمات واستخدام وسائل تكنولوجية متقدمة كالمسيّرات. هذا التحول يعكس تطوراً في طبيعة هذه الخلايا، بحيث لم تعد مجرد امتدادات سياسية أو أمنية محدودة، بل أصبحت أقرب إلى بنى جاهزة للتفعيل ضمن سيناريوهات إقليمية أوسع.
ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن سوابق مماثلة في البحرين، حيث أعلنت السلطات عام 2016 تفكيك مجموعة اتُّهمت بتأسيس ما سمي "حزب الله البحريني"، قبل أن تحيل بعد نحو عامين عشرات المتهمين إلى المحاكمة بتهم تتعلق بالتدريب على استخدام الأسلحة والمتفجرات وتلقي دعم من الحرس الثوري الإيراني. تلك الملفات شكلت آنذاك أحد أبرز الأسباب التي دفعت دول الخليج إلى تصنيف "حزب الله" منظمة إرهابية، في خطوة عكست حجم القلق من تمدد هذا النمط من النشاط داخل مجتمعاتها.
المشترك بين كل هذه الوقائع لا يقتصر على الاتهامات بحد ذاتها، بل يتعداه إلى نمط متكرر يكاد يكون ثابتاً: إعلان أمني خليجي عن خلية أو شبكة، يقابله نفي فوري وحاسم من "حزب الله" لأي علاقة بها. هذا التوازي المستمر بين الاتهام والنفي لم ينجح في إغلاق الملف، بل على العكس، كرّس حضوره كأحد أبرز عناوين التوتر بين الحزب ودول الخليج، وترك الباب مفتوحاً أمام تفسيرات متعددة تتراوح بين الصراع السياسي والأمن الوقائي.
في الخلفية، تتقاطع هذه التطورات مع مشهد إقليمي أكثر تعقيداً، حيث يتصاعد التوتر بين إيران ودول الخليج، وتتحول المواجهة تدريجياً من ساحات الحرب المفتوحة إلى أدوات أكثر خفاءً، من بينها الشبكات والخلايا العابرة للحدود. وفي هذا السياق، تبدو هذه الخلايا، سواء كانت نائمة أو ناشطة، جزءاً من منظومة ضغط ونفوذ تستخدم عند الحاجة، أو تُبنى على المدى الطويل كأوراق احتياط في صراع لا يبدو أنه يتجه إلى التهدئة.
غير أن الخاسر الأبرز في كل ما يجري يبقى لبنان. فكل إعلان عن خلية مرتبطة بـ"حزب الله" خارج حدوده ينعكس مباشرة على صورته وموقعه، ويعزز الانطباع بوجود كيان يعمل خارج إطار الدولة ويورّط البلاد في صراعات لا تملك قرارها.
ما يجري اليوم ليس تفصيلاً أمنياً عابراً، بل مؤشر إلى عودة هذا الملف بقوة، مع ما يحمله من تداعيات تتجاوز الدول التي تُكتشف فيها هذه الخلايا لتصيب قلب التوازنات الإقليمية. وبين الاتهام والنفي، تبقى حقيقة واحدة ثابتة: أن هذا المسار، المستمر منذ سنوات، يضع لبنان مرة جديدة في موقع المتلقي للنتائج، من دون أن يكون شريكاً فعلياً في القرار.
نبض