بعلبك الهرمل: "نازحو المنازل" خارج حسابات الإغاثة... وبلديات تصارع العجز بـ "اللحم الحي"

لبنان 17-03-2026 | 13:27

بعلبك الهرمل: "نازحو المنازل" خارج حسابات الإغاثة... وبلديات تصارع العجز بـ "اللحم الحي"

مأساة يتشابك فيها دوي القصف مع أنين الجوع والتهميش الإغاثي لآلاف العائلات التي هُجّرت من أرضها
بعلبك الهرمل: "نازحو المنازل" خارج حسابات الإغاثة... وبلديات تصارع العجز بـ "اللحم الحي"
مركز إيواء في محافظة بعلبك الهرمل (لينا إسماعيل).
Smaller Bigger

في ظل العدوان المستمر، تدور في محافظة بعلبك الهرمل مأساة صامتة خلف جدران المنازل التي تضيق بساكنيها؛ مأساة يتشابك فيها دوي القصف مع أنين الجوع والتهميش الإغاثي لآلاف العائلات التي هُجّرت من أرضها، لتجد نفسها خارج حسابات الدولة والمنظمات الدولية على حد سواء، في مواجهة مباشرة مع الحرمان.

 

واقع بالأرقام: 90% من النازحين في "مهب الريح"
يكشف أمين سر غرفة عمليات إدارة الكوارث في المحافظة، المهندس جهاد حيدر، لـ "النهار" عن فجوة إغاثية هائلة؛ فمن أصل 19 مركز إيواء رسمياً (استنفد 12 منها طاقته القصوى)، لا يتواجد سوى عشرة في المئة فقط من إجمالي النازحين، وهم نحو 2649 نازحاً (682 عائلة).

 

أما الكتلة الكبرى، والتي تقدر بما لا يقل عن 25 ألف نازح، فيقطنون في منازل خاصة خارج المظلة الرسمية للمانحين الذين يشترطون حصر المساعدات بالمراكز المعتمدة من وزارتي التربية والشؤون الاجتماعية. 

وأضاف أن هذا الواقع جعل "نازحي البيوت" موضوع مبادرات فردية، بدأت قدراتها بالنفاد، رغم محاولات غرفة العمليات المستمرة للتشبيك مع الجمعيات لتأمين مستلزمات الفئات الهشّة وكبار السنّ وذوي الاحتياجات الخاصة.

التحويلات المالية: 8% فقط شملتهم المساعدات!
وفي جردة حسابية لواقع المساعدات الرسمية، تبرز أرقام صادمة تعكس حجم التقصير؛ فمن أصل ما يقارب المليون نازح على مستوى الوطن، لم تشمل التحويلات المالية لوزارة الشؤون الاجتماعية سوى 65 ألف نازح فقط (عبر دفعتين: 50 ألفاً، ثم 15 ألفاً).

 

مركز إيواء في محافظة بعلبك الهرمل  (لينا إسماعيل).
مركز إيواء في محافظة بعلبك الهرمل (لينا إسماعيل).

 

 

هذا الرقم يعني أن 8% فقط من النازحين حصلوا على دعم مالي، بينما يواجه الـ 92% المتبقون المجهول. ويحذر المراقبون من أنه إذا استمرت الوزارة بهذه "الوتيرة السلحفاتية" في التنفيذ، فإن الوصول إلى كل النازحين قد يستغرق شهوراً، مما ينذر بـ كارثة اجتماعية محققة وانفجار معيشي لا يمكن احتواؤه، خاصة أن الحاجة الأولية خلال الأسابيع الأولى من الحرب تقدر بـ 325 مليون دولار، لم يتوفر منها فعلياً سوى القليل، وسط غياب آلية واضحة وشفافة للتوزيع.


بدنايل: البلديات "هيكل بلا روح"
من منطلق المسؤولية الإدارية، يقارب رئيس بلدية بدنايل، الأستاذ حسين الحج سليمان، المشهد برؤية تضع البلديات في موقع "خط الدفاع الأول" المكبّل. 

 

ويرى أن الإدارة المحلية باتت اليوم "هيكلاً بلا روح" نتيجة الشلل المالي وغياب الاعتمادات الرسمية، محذراً من تحول الصمود إلى كارثة اجتماعية وانفجار وشيك.

 

ويرفض الحج سليمان حصر دور البلديات في "الجانب الإحصائي" فقط، معتبراً ذلك هدراً للوقت، ومشدداً على ضرورة تمكين البلديات فوراً بأدوات تنفيذية لرفع الظلم عن النازحين الذين باتوا يطلبون أبسط مقومات الحياة، من حبة دواء أو حصة غذائية، دون مجيب رسمي، مؤكّداً أن البلديات هي المؤسسة الأقرب للناس والأدرى بوجعهم.

 

الكنيسة: صرخة عجز أمام "الأبواب الموصدة"
وعلى نفس الوتيرة، يعبر رئيس بلدية الكنيسة، خضر زعيتر، عن اليأس من وعود الدولة التي لم تفرج عن مستحقات البلديات، مما جعل مهامها تنحصر في الحد الأدنى من الخدمات، واصفاً الواقع بمرارة حين يطرق النازحون أبواب البلدية التي لا تملك حيلة ولا قدرة مادية على الاستجابة، في ظل ضغط هائل لا تستطيع المبادرات المحلية وحدها تحمله، ومع غياب الجمعيات التي تتحجج بالتركيز الكامل على مراكز الإيواء المكتظة.

 

غياب الآلية و"شبهات التوزيع"
ميدانياً، وخلال جولة لـ "النهار" على مراكز الإيواء، أكد معظم النازحين أن المساعدات لا تصلهم كما يجب، حتى إن الطعام المقدم "رديء"، وفي بعض الأحيان غير ناضج (نيء)، والكميات لا تكفي العائلات.

 

في هذا السياق، كشف مصدر مطلع لـ "النهار" عن خلل كبير في الرقابة، حيث أكد أن "بعض المراكز تأتيها المساعدات فتقدم منها 50% فقط، بينما يختفي الباقي بقدرة قادر". 

 

انطلاقاً من الواجب الإنساني، وفي ظل شحّ المساعدات أو عدم وصولها إلى مدينة بعلبك، ومع ازدياد أعداد النازحين داخل الأحياء السكنية، أطلق فريق من اللجنة الإدارية في غرفة إدارة الكوارث، المؤلف من الأستاذ جهاد حيدر، الدكتورة زينب يوسف، السيدة نجود الخطيب، السيدة هلا الرفاعي، والسيدة هنادي خزعل، بالتعاون مع المحامي عادل عواضة، مبادرة فردية إنسانية تهدف إلى تأمين الاحتياجات الأساسية للنازحين، قائمة على شبكة العلاقات والمعارف، حيث يعمل الفريق ميدانياً على زيارة العائلات وتسجيل احتياجاتها بشكل مباشر.

 

وأكد القائمون على المبادرة أن هذه الجهود تُنفذ بقدرات ذاتية، في ظل غياب أي دعم مالي من غرفة إدارة الكوارث، مشددين على الاستمرار في مساعدة الأهالي رغم محدودية الإمكانيات.


استراتيجية "اقتصاد الحرب"
أمام هذا الانسداد، يطرح المهندس حيدر استراتيجية "اقتصاد الحرب"، داعياً الأهالي للتمسك ببيوتهم، أو الانتقال إلى نقاط آمنة في داخل قراهم بدلاً من النزوح العشوائي، مع حثّ القرى على إنشاء مطابخ محلية تعتمد على الإنتاج الذاتي لمواجهة أيّ حصار محتمل، مستلهمين تجارب الأجداد في الصمود.

 

ويبقى الأمل معلقاً بالمساعي التي يقودها محافظ بعلبك الهرمل، بشير خضر، مع وزارة الشؤون الاجتماعية والجمعيات لتسريع صرف المساعدات المالية للعائلات التي سجلت بياناتها، بانتظار ترجمتها فعلياً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في منطقة ترفض الانكسار رغم ثقل الحصار والتهميش.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/15/2026 9:20:00 PM
الخليج وبريطانيا يدينان تهديدات إيران للملاحة ويؤكدان حماية مضيق هرمز وباب المندب
الخليج العربي 3/16/2026 8:49:00 AM
"طيران الإمارات" تتوقّع تشغيل رحلات دبي بجدول محدود اليوم
كتاب النهار 3/16/2026 3:32:00 PM
الرئيس السوري يدرك جيداً أن أيّ تحريك للمجموعات المقاتلة المرتزقة التي حاربت في سوريا تحت لواء "داعش" و"جبهة النصرة" و"هيئة تحرير الشام"، سيخرج المارد من القمقم
اقتصاد وأعمال 3/16/2026 11:19:00 AM
يكفي تعثر الملاحة فيها كي تتوقف مصانع، وتتأخر شحنات، وتُعاد حسابات القوى الكبرى.