تاريخ "الضاحية": من "ساحل المتن الجنوبي" إلى معقل "حزب الله"
عباس هدلا
في منتصف 5 آذار 2026، وبعد ثلاثة أيام على إدخال جماعة "حزب الله" لبنان، دولة وشعباً، في أتون حرب جديدة من "الإسناد"، صدرت التعليمات الإسرائيلية لسكان الضاحية الجنوبية لبيروت بالخروج من منازلهم وأرزاقهم جنوباً وشمالاً، فافترش النازحون الطرق والمدارس منضمين إلى من تشرّد جنوباً وبقاعاً مرسّخين نكبة ثانية للبنانيين الشيعة خلال سنتين، سبّبها لهم من اتخذ من "الضاحية الجنوبية" عاصمة له أعلن فيها ولادته وانطلاقته، التي كانت في حسينية الشياح في 16 شباط 1985 في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال "الشهيد السعيد" الشيخ راغب حرب، والتي أطلق فيها رسالته المفتوحة إلى المستضعفين في لبنان والعالم، والتي ذيِّلت بتوقيع "أمة حزب الله".
وإذا كان "حزب الله" قد اتخذ الضاحية الجنوبية عاصمة له، فإن هذه التسمية هي تسمية حديثة، أطلقت على المنطقة التي تحوي برج البراجنة، المريجة، الليلكة، الغبيري، حاركة حريك، وأجزاء من الشويفات والحدث والشياح مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية، فطغت هذه التسمية على التسمية الرسمية والقانونية لهذه المنطقة وهي "ساحل المتن الجنوبي" التي أطلقت رسمياً عليها مع التقسيمات الجغرافية للبنان عام 1921، وكان يطلق عليها في أيام المتصرفية ناحية "ساحل النصارا" وكانت تضم 13 قرية هي: الحدث، وادي شحرور، بطشيه، سبنيه، عين الرمانة، الشياح، تحويطة النهر، برج البراجنة، الليلكة، حارة حريك، تحويطة الغدير، كفرشيما مع دير القرقفه، على اعتبار أن الغالبية العظمى من مواطني تلك المنطقة من "النصارى".
عرفت هذه المنطقة بالمساحات الخضراء وبساتين الليمون ورائحة الزهور، وخلال بداية القرن الماضي غلب على تلك المنطقة الطابع القروي رغم قربها من العاصمة، بالتعايش بين أهاليها، حيث كانت هذه المنطقة ذات أغلبية مسيحية كبيرة، مع أقليات إسلامية، ولا سيما شيعية، ولا تزال لوائح شطب مناطق حارة حريك والمريجة والليلكة ذات أغلبية مسيحية، وخاصة في المريجة والليلكة حيث تتخطى تلك النسبة الـ 90%.
خلال تلك الفترة حصلت هجرة موسمية جنوبية وبقاعية إلى تلك المنطقة للعيش فيها، وعمل في حقول تلك القرى وبساتينها فلاحون موسميِّون، ويُقيمون فيها إقامةً عشوائيَّة موقتةً ما بين الخريف والربيع، ويعودون إلى قراهم في بدايات الصيف، شأنها شأن العديد من المناطق الأخرى المحيطة بالعاصمة.
في الثلاثينيّات تسارعَتْ موجاتُ النزوح مِن المحافظات، وانتقل العديد من العائلات من قراهم إلى المنطقة وساهم كل ذلك في تغيير دبموغرافي جزئي، فمنطقة الغبيري التي كان سُكَّانها في مطلع القرن التاسع عشر لا يتجاوزون الألفَين، غالبيتُهم من المسيحيِّين، أصبح عددُهم في تعداد عام 1932 حوالي سبعة آلاف شخص وكانت نسبة كبيرة ممن شملهم الإحصاء التاريخي من السُّكَّان ذوي الأصول الريفيَّة من الشَّمَال والجنوب والبقاع.
افتُتح مطار بيروت الدولي عام 1954 في خلدة، فازدات فرص العمل وتوافدَت العائلات لنَيل الوظائف فيه، بعضها كان من خارج المنطقة، وكان أكثر عُماله من الجنوبيين، كما نشأت حينذاك مصانع كثيرة، كمعمل النسيج التابع لآل العسيلي في الشيّاح والجديدة، ومعامل غندور، ما ساعد على استقبال الكثير من اليد العاملة، وبدأت تتحول المنطقة من الإطار الزراعي إلى الإطار الخدماتي والصناعي.
في الخمسينيّات نشأ حيّ السلّم مُحاذياً لبرج البراجنة، وكانت المنطقة تغلبُ عليها زراعة الزيتون، والخضر على أنواعها وأخد الحيّ تسميتَه مِن وجود مدرجاتٍ زراعيَّة في مداخلِه تُشبِهُ السلالم. جُذِبَ السُّكَّان إلى الحيّ بسبب طابعه الريفي ورُخص الأراضي وسهولة البناء فيها، وقد كان فيه أقل من سبعة منازل عام 1955 ثمَّ ما لبثَتِ المساكنُ أنْ انتشرَتْ في جميع الاتجاهات خلال الستينيّات، وخصوصاً في جوار المراكز الصناعيَّة التي أمسَتْ مجالَ عمل لقسمٍ كبير من قاطني الحيّ. وبلغَت الطفرةُ العمرانيَّة والاقتصاديَّة للضاحية الجنوبيَّة ذروتَها بداية السبعينيّات، بعدما أصبح الجنوب عُرضَة لقصفٍ إسرائيلي بوتيرةٍ متصاعدة حجماً وشراسة، مؤدية إلى تهجير الكثير من المواطنين الذين لجأوا إلى تلك المنطقة.
ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وبداية عمليات الخطف والقتل، تأثرت تلك المنطقة بهذه الأحداث، وتعرض أهالي تلك المنطقة، وخاصة المسيحيين في حارة حريك، للعديد من الانتهاكات الجسدية والمعنوية، ما اضطر كثيراً من الأهالي إلى اللجوء إلى مناطق أكثر أمناً، في مقابل موجة تهجير معاكسة من الضواحي الشرقية لبيروت غلب عليها الطابع الإسلامي، ولا سيما الشيعي، وبعد انتفاضة 6 شباط 1984 وانسحاب الجيش اللبناني من الضاحية الجنوبية، حصلت هجرة شاملة وكبيرة لأهالي تلك المنطقة المسيحيين، فرحلوا عن الأحياء التي كانوا فيها كـ"صفير" والرويس و"حي ماضي" و"بئر العبد" ومناطق المريجة والليلكة، وسكن مكانهم المهجرون الشيعة من المناطق الجنوبية والبقاعية، وحتى الشيوعيون من المسيحيين تعرضوا للتهجير نحو بيروت الغربية، خاصةً بعد اختطاف ميشال وأكد المربي الشيوعي وابن حارة حريك، والعثور على جثته لاحقاً عام 1986.
خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية، حصلت عملية شراء للعقارات ساهمت في تبديل الطبيعة الديموغرافيَّة للضاحية، ومنها حارة حريك، فابتاعَ تجارٌ شيعةٌ أراضي المسيحيين، بداية بأسعار مرتفعة ترغيباً، وفي ما بعد تحولت ترهيباً بوضع اليَدِ عليها وإرغام مالكيها على بيعها بمبالغَ مُخفَّضة. وتفاعلت عملية بيع الأراضي عام 1983، عندما تَهجَّر أبناء تلك المنطقة وخاصة في المريجة والليلكة وحارة حريك، وعندما طالَ أمدُ الحرب اضطر المسيحيون المهجرون لبيع أرضيهم لاستغلال المال في تحسين ظروف الحياة في الأماكن التي انتقلوا إليها، فتَغير الوجهُ الطائفي للمنطقة وتحولت بسرعة قياسية من مناطق مليئة بالمساحات الخضراء إلى مبانٍ مُكتظة بالمباني والسُّكّان الوافدين.
مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، وبفعل هيمنة "حزب الله" على أغلبية مناطق الضاحية برعاية سورية إيرانية، لم يستطع أحد من مالكي تلك المنطقة العودة واستعادة أملاكه بفعل وجود أمر واقع تمثل ببناء عقارات على هذه الأراضي، فجرت تسويات، ما حال دون استعادة الأملاك من قبل أصحابها، وأُجبر أصحاب الأرض الشرعيون على بيعها بأسعار زهيدة.
لا شك بأن النمطية الاجتماعية التي جسدها "حزب الله" في منطقة الضاحية الجنوبية بعد سيطرته على معظمها أواخر ثمانينيات القرن الماضي، والتي بدأت تظهر مع اللجان الاجتماعية التي كان يطلق عليها اسم "لجان إحياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" قد ساهمت في ترسيخ التغيير الديموغرافي في المنطقة بعدما تحولت إلى مناطق معزولة يمكن التعايش فيها.
لا شك بأن التحول الديموغرافي السريع الذي حصل في هذه المنطقة أثّر على تاريخ تلك المنطقة ووجدانها، وتحوّلت من مساحة للتعايش والتآلف بين اللبنانيين إلى مركز وعاصمة لمشروع استورد من الخارج وفرض نهجاً وتوجهاً ورؤية ومساراً ليس فقط على هذه المنطقة فحسب بل على اللبنانيين جميعاً، وعلى أمل أن تستطيع الدولة اللبنانية وقف هيمنة هذا المشروع وأن تعود "الضاحية الجنوبية" "ضاحية التعايش" ويعود أهلها إليها.
نبض