هل تُعرّض المجموعات المسلحة المدنيين للخطر؟
مع اتساع رقعة المواجهة بين إسرائيل و"حزب الله" في حربَي 2024 و2026، برز نمط متكرر في الضربات الإسرائيلية تمثّل في استهداف أبنية سكنية، شقق مفروشة، وفنادق مكتظة بالمدنيين والنازحين. هذا الواقع أعاد فتح ملف بالغ الحساسية يتعلّق بوجود قيادات عسكرية أو كوادر حزبية تابعة لـ"حزب الله"، وأحياناً عناصر مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني، داخل أماكن مدنية مأهولة، في مشهد يضع المدنيين في قلب المعركة ويحوّل الأحياء السكنية إلى أهداف محتملة.
عمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل خلال الحربين لم تستهدف مواقع عسكرية تقليدية في أحيان كثيرة، بل جاءت عبر ضربات دقيقة طالت منازل وأبنية سكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. وقد سقطت قيادات بارزة في الحزب داخل هذه الأبنية التي غالباً ما تكون مكتظة بالسكان، وفي أحياء مكتملة الحياة المدنية.
صحيح أن بعض هذه القيادات كانت تتحرك داخل بيئتها الاجتماعية أو ضمن مناطق نفوذ الحزب، إلا أن الإشكالية الكبرى التي ظهرت خلال الحربين الأخيرتين تمثّلت في انتقال بعض العسكريين أو المسؤولين الحزبيين إلى مناطق خارج نطاق السيطرة التقليدية للحزب، وبين تجمّعات النازحين الهاربين من القصف.
ففي حرب 2024 مثلاً شهدت بلدة برجا حادثتين منفصلتين استُهدفت فيهما أبنية تبيّن لاحقاً وجود أجهزة أو كوادر عسكرية داخلها، رغم أنها كانت تضمّ أعداداً كبيرة من النازحين. وتكرّر المشهد في بلدات أخرى كبعدران وبشامون والقماطية، وهي مناطق احتضنت آلاف المهجرين من الجنوب والضاحية.

وطالت ضربات أخرى مسؤولين ماليين أو إداريين للحزب أثناء تحركاتهم في مناطق مدنية في الشوف أو زغرتا أو في بيروت الإدارية، حيث قُصفت مبانٍ سكنية ليتبيّن لاحقاً وجود شخصيات مرتبطة بالحزب داخلها، ما أدّى إلى سقوط عشرات الضحايا من المدنيين.
وفي حالات أخرى، وقع الاستهداف على الطرقات العامة بعدما استخدمت بعض الأوتوسترادات الرئيسية كمسارات إمداد حربية، كما حدث على طريق ضهر البيدر أو على أوتوستراد جونية، الأمر الذي وضع آلاف المدنيين وعابري الطرقات في دائرة خطر مفاجئة من دون علمهم.
وفي الأيام القليلة الماضية اتّسع هذا النمط ليشمل استهداف فندقين في الحازمية والروشة، وهما مكانان يضمّان أعداداً كبيرة من المدنيين والنازحين. وقد تحدّثت معلومات عن احتمال وجود مسؤولين مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني بين النزلاء.
واستهدفت شقة في منطقة عائشة بكار قيل إنها كانت تؤوي مسؤولين عسكريين. وعلى الرغم من أن "حزب الله" لم يؤكد رسمياً هذه الروايات تؤكد الوقائع من الحرب الماضية الشكوك وخصوصاً عندما يُستهدف أحد المباني وينعى الشخصية المشار إليها اسرائيلياً لاحقاً.
لكن السؤال الأوسع الذي يطرح نفسه هنا لا يقتصر على الوقائع الميدانية، بل يتعلّق أيضاً بأسباب لجوء القيادات العسكرية إلى الاختباء بين المدنيين.
بحسب الخبراء العسكريين، إن أول هذه الأسباب يرتبط بطبيعة الحرب الحديثة نفسها. فإسرائيل تعتمد على تفوّق استخباراتي وتكنولوجي كبير، من الأقمار الصناعية إلى الطائرات المسيّرة والتنصّت الإلكتروني، ما يجعل أيّ موقع عسكري ثابت هدفاً مكشوفاً وسهل الاستهداف. لذلك تلجأ بعض القيادات إلى العمل من داخل بيئات مدنية لتوفير قدر من التمويه يصعّب عملية رصدها أو تعقبها.
أما السبب الثاني فيتعلق بطبيعة التنظيمات غير النظامية التي تعمل غالباً ضمن بنية شبكية موزعة داخل المجتمع، لا عبر قواعد عسكرية واضحة كما في الجيوش التقليدية. في هذه الحالة يصبح الانتشار داخل الأحياء السكنية أو العمل من داخل مبانٍ مدنية جزءاً من نمط التنظيم نفسه.
ويضاف إلى ذلك اعتقاد لدى بعض القيادات بأن وجودها في مناطق مكتظة قد يشكّل نوعاً من الردع، على أساس أن الطرف الآخر قد يتردّد في تنفيذ الضربات خشية سقوط ضحايا مدنيين. غير أن وقائع الحربين الأخيرتين أظهرت أن هذا الافتراض لا يصمد دائماً، إذ نفذت إسرائيل ضربات في تلك الأماكن رغم الكلفة البشرية المرتفعة.
وقد فرضت تطورات المعركة نفسها أحياناً انتقال كوادر وقيادات إلى أماكن غير تقليدية للاختباء أو العمل، مثل الشقق المفروشة أو الفنادق، خصوصاً مع اتساع رقعة القصف في الجنوب والبقاع والضاحية. وفي بعض الحالات اختلط وجودهم مع حركة النازحين الهاربين من الحرب، ما جعل خطوط الفصل بين العسكري والمدني أكثر ضبابية.
غير أن الكلفة الإنسانية لهذا الواقع تبقى باهظة. فحين تتحوّل الأبنية السكنية أو الفنادق أو حتى الطرق العامة إلى نقاط وجود محتملة لقيادات عسكرية، تصبح تلك الأماكن أهدافاً محتملة للضربات. والنتيجة أن المدنيين، ولا سيما النازحين الذين يبحثون عن ملاذ آمن، يجدون أنفسهم فجأة في قلب دائرة الخطر.
وقد انعكس ذلك أيضاً على المجتمعات المضيفة للنازحين، حيث بات وجود أي شخص مجهول أو تحركات غير واضحة داخل الأبنية السكنية مصدر قلق للسكان. وفي بعض الحالات أدّى هذا الخوف إلى تردّد الأهالي في استقبال مهجرين جدد خشية أن يتحوّل المبنى الذي يسكنونه إلى هدف عسكري.
وهكذا لم تعد الحرب محصورة بالجبهات أو الخطوط العسكرية. فحين يختلط المقاتل بالمدني، ويتحوّل البيت أو الفندق أو الطريق العام إلى موقع محتمل لقيادة ميدانية، تنتقل المعركة عملياً إلى قلب المجتمع نفسه.
وعندها يصبح المدنيون، مرة أخرى، الحلقة الأضعف في معادلة حرب تدور فوق رؤوسهم ومن حولهم، فيما يدفع الأبرياء الثمن الأكبر.
نبض