قرى الشريط الحدودي في جنوب لبنان حيث الصراع والتهجير والصمود على خطّ النار

لبنان 11-03-2026 | 16:50

قرى الشريط الحدودي في جنوب لبنان حيث الصراع والتهجير والصمود على خطّ النار

عاش الشريط الحدودي معارك استنزاف متواصلة بين احزاب انضوت تحت شعار المقاومة وتقدمها "حزب الله" من جهة، والجيش الاسرائيلي و "جيش لبناني الجنوبي" من جهة أخرى...
قرى الشريط الحدودي في جنوب لبنان حيث الصراع والتهجير والصمود على خطّ النار
غارة إسرائيلية على العباسية جنوبي لبنان (أ ف ب).
Smaller Bigger

ليست قرى الشريط الحدودي في جنوب لبنان مجرّد بلدات متاخمة للخط الأزرق، بل هي السيرة الحيّة لجغرافيا دفعت ثمن موقعها مراراً، و"حروب الآخرين" من أرضها. من الناقورة غرباً إلى شبعا شرقاً، عاشت هذه القرى منذ أواخر ستينيات القرن الماضي على إيقاع الحروب والاحتلال والنزوح، حتى تحوّلت إلى مرآة مكبّرة لأزمات لبنان كلها؛ مع غياب الدولة، سلاح غريب، إحتلال، سلاح غير شرعي، وتبدلات ديموغرافية قسرية.

 

هذه المنطقة الممتدّة عبر أقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا لم تكن يوماً هامشاً. هي الحافة الأمامية للبنان، حيث تتجاور القرى الشيعية والمسيحية والسنية والدرزية في نسيج اجتماعي دقيق، وحيث تصطدم يومياً الجغرافيا بالسياسة، والسيادة بالميدان. لذلك، لم يكن التنوّع فيها مجرّد سمة سكانية، بل تحوّل مع الزمن إلى عنصر شديد الحساسية في إدارة الصراع واستثماره.

 

ابتداءً من أواخر الستينيات، ومع تغلغل المنظمات الفلسطينية وإنشاء قواعد لها داخل القرى الحدودية، تراجعت سلطة الدولة اللبنانية تدريجياً وتزايدت المناوشات مع إسرائيل بعد اطلاق الفلسطينيين عمليات عسكريّة من الاراضي اللبنانية، ما جعل القرى الحدودية مناطق غير آمنة ودفع العديد من العائلات إلى الانتقال نحو ضواحي بيروت.

 

وفي هذا السياق، يمكن اعتبار أن الصراع المتداخل بين إسرائيل والمنظمات الفلسطينية والجيش اللبناني حوّل الجنوب إلى ميدان لحروب متسلسلة، وأطلق عملية اقتلاع اجتماعي واسعة للسكان، مهّدت لاحقاً لتحوّلات سياسية واجتماعية عميقة في مناطق النزوح.

 

مع اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، بدأ الجنوب يفقد تدريجياً مظلّة الدولة. توسّع حضور الفصائل الفلسطينية  في القرى الحدودية، وتكاثرت العمليات العسكريّة، فصار الأهالي عالقين بين نارين: "العمل الفدائي" من جهة، والردود الإسرائيلية القاسية من جهة أخرى. نتيجة تفكّك الجيش اللبناني والفراغ الأمني في الجنوب، تشكّلت عام 1976 قوّة محلية لحماية القرى الحدودية من الفصائل الفلسطينية، بدعمٍ إسرائيلي. في بداياتها عُرفت باسم "تجمعات الجنوب"، ثم "جيش لبنان الحر" قبل أن يستقرّ لاحقًا على اسم "جيش لبنان الجنوبي". ثم جاء الاجتياح الاسرائيلي تحت مسمّى "عملية الليطاني" عام 1978 ليؤسس لمرحلة جديدة حملت معها عناوين عديدة: "حزام أمني"، "قوّات دولية"، وواقع حدودي استثنائي.

 

وفي عام 1982، دخل الجنوب مرحلة أشد قسوة مع الاجتياح الإسرائيلي الشامل الذي بلغ بيروت والذي كان يهدف إلى ضرب منظمة التحرير الفلسطينية. بعدها، لم تعد المنطقة مجرّد ساحة حرب، بل دخلت إلى فضاء أمني مختلف. جيشٌ إسرائيلي، و ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي"...

 

بعد الاجتياح عاشت قرى الشريط الحدودي واقعاً استثنائياً نشأ مع قيام الحزام الأمني. تولّى "جيش لبنان الجنوبي" إدارة الأمن والحياة اليومية في القرى بالتنسيق مع إسرائيل، فيما استمرّت المدارس والزراعة والبلديات في بعض القرى تحت رقابة عسكريّة وخطر دائم. نظرة السكان إلى ميليشيا "الجيش الجنوبي" متباينة بين من رآه "حماية" لبعض القرى ومن اعتبره "عميلًا" مرتبطاً بإلاحتلال الاسرائيلي.

 

هذه المرحلة أدّت إلى عزل الجنوب اجتماعياً وسياسياً، كما ساهمت موجات النزوح الشيعي نحو الضاحية الجنوبية لبيروت في تشكيل القاعدة الاجتماعية التي بنى عليها "حزب الله" نفوذه ومؤسساته. وهكذا نشأ واقع منقسم مع قرى داخل الشريط تحت إدارة ما يسمى"جيش لبنان الجنوبي"، وأخرى في العمق اللبناني بدأت تتبلور فيها البنية الاساسية لحزب الله. 

 

عاش الشريط الحدودي معارك استنزاف متواصلة بين احزاب انضوت تحت شعار المقاومة وتقدمها "حزب الله" من جهة، والجيش الاسرائيلي و"جيش لبناني الجنوبي" من جهة أخرى... كمائن وعبوات ناسفة وقصف صاروخي واشتباكات متقطعة، قابلتها إسرائيل بقصف جويّ ومدفعي، إضافة إلى حربين عسكريتين كبيرتين هما "حرب الأيام السبعة" عام 1993 و "عناقيد الغضب" عام 1996 التي انتهت بتفاهم نيسان، وصولًا الى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000. 

 

في كتابه "دولة حزب الله" يرى وضاح شرارة أن دخول "حزب الله" إلى قرى الشريط الحدودي بعد انسحاب إسرائيل عام 2000 لم يكن مجرّد سيطرة عسكرية، بل كان جزءًا من مشروع لدمج هذه المناطق في منظومة اجتماعية وسياسية موازية للدولة، حيث ملأ الفراغ الأمني، واستبدل الزعامات التقليدية بنخب دينية موالية لإيران، وربط حياة السكان بمؤسساته الاجتماعية والعسكرية، محولاً القرى الموالية له إلى جزء من مجتمع عقائدي مرتبط بمشروعه الإقليمي. 

 

أدى إصرار "حزب الله" على مبدأ تحويل هذه القرى إلى ساحة مواجهة دائمة مع إسرائيل الى استنزاف مستمرّ ودمار متكرّر كما حدث في حرب تموز عام 2006 والتي انتهت بالقرار الدولي 1701 وبنشر القوّات الدولية والجيش اللبناني على الشريط الحدودي. وبعد حرب 2006، رسّخ "حزب الله" في قرى الجنوب مجتمعاً ومؤسساتٍ موازية للدولة، وربط المنطقة بالمشروع الإقليمي الإيراني، وعزّز انفصالها السياسي والاجتماعي عن الدولة اللبنانية.

 

عاد الدمار ليضرب القرى الحدوديّة بعنف، جولات التصعيد التي فتحتها حرب "اسناد غزة" الذي دخلها "حزب الله" عام 2023  وحرب "إسناد إيران" الأخيرة، جدّدت مشهد القرى الفارغة والبيوت المهدّمة والأراضي المحروقة. لم يعد النزوح حادثاً طارئاً، بل صار جزءاً من مصير الجنوبيين والأخطر أن ما جرى لم يكن مجرّد نتيجة جانبية للحرب. فسياسات "الساحة" وما رافقها من تدميرواسع، ونسف للأحياء، وحرق للغطاء الزراعي، واستهداف شروط العيش نفسها، كلها دفعت إلى طرح سؤال كبير: هل المطلوب إعادة تشكيل الشريط الحدودي وتحويله إلى منطقة صامتة وخالية من سكانها؟ 

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/11/2026 12:05:00 AM
أفيخاي أدرعي يرد على باسيل بعد تحميله إسرائيل مسؤولية الحرب
كتاب النهار 3/10/2026 5:10:00 AM
⭕ماذا نقل فنيش إلى بري تفاصيل عن مجريات الحرب وواقع الميدان؟⭕رسالة شفوية من الشيخ نعيم قاسم إلى رئيس المجلس... ما فحواها؟ وما علاقة نصرالله؟⭕هل عادت الأمور إلى مجاريها بين الحزب و"أمل"؟
اقتصاد وأعمال 3/9/2026 5:17:00 AM
يقدر شماس حاجة السوق اللبنانية اليومية بنحو 7.5 ملايين ليتر من البنزين و9 ملايين ليتر من المازوت، وهي كميات لا تزال متوافرة حتى الآن
لبنان 3/10/2026 9:10:00 AM
أسعار المحروقات تشهد ارتفاعاً كبيراً