الحرب بعيون ذوي الاحتياجات الخاصة: وجع مضاعف وصمت ثقيل

لبنان 13-03-2026 | 13:38

الحرب بعيون ذوي الاحتياجات الخاصة: وجع مضاعف وصمت ثقيل

معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة في النزوح تكشف صبرهم وإيمانهم، فهل يحصلون على الرعاية الكافية؟ وما هي التسهيلات التي تقدّم لهم؟
الحرب بعيون ذوي الاحتياجات الخاصة: وجع مضاعف وصمت ثقيل
كيف يعيش ذوي الاحتياجات الخاصة في الحرب؟
Smaller Bigger

في زمن الحرب، يركض الجميع بحثاً عن ملجأ، لكن ماذا عن الذين لا يستطيعون الركض؟

يجد آلاف من ذوي الاحتياجات الخاصة أنفسهم عالقين في قلب الخطر بين قصف لا ينتظر أحداً وطرق لا ترحم من لا يستطيع الحركة بسهولة. والحرب بالنسبة إليهم ليست فقط خوفاً من الموت، بل معركة يومية من أجل البقاء.

التنقل الذي يبدو أمراً بسيطاً للآخرين يتحول إلى تحدٍ قاسٍ: السلالم العالية، والطرق المدمرة، وغياب وسائل النقل المجهزة، ولا ملاجئ ولا حتى مراكز إيواء قادرة على استقبالهم؛ كل ذلك يتحوّل إلى حواجز حقيقية أمام أشخاص يحتاجون فقط إلى فرصة عادلة للنجاة، أو يحتاجون إلى حقهم في أبسط مقومات الحياة غير العادلة.

وفي كثير من الأحيان، يُترك بعضهم خلف الآخرين، لأن الهروب ليس خياراً سهلاً لهم؛ يترك من لا يملك المال، أو حتى من يعاني أمراضاً مزمنة، وصولاً إلى الكبار في السنّ الذين لا "حنون" عليهم إلا أولادهم، في وقت لا يمكن أن يتحملوا النوم على الأرض أو داخل خيمة يدخل منها هواء بارد يفتت العظام. 

وإلى جانب الخطر المباشر، تبرز معاناة أخرى أقل ظهوراً لكنها أكثر قسوة: فقدان الأدوية، وانقطاع الأجهزة المساعدة، وصعوبة الحصول على المستلزمات الطبية الأساسية، حتى إن الحمامات تحتاج إلى حمامات. 

 

مركز خاص لذوي الاحتياجات الخاصة في العديد من المناطق.
مركز خاص لذوي الاحتياجات الخاصة في العديد من المناطق.

 

"لم أتناول الدواء منذ 5 أيام"
تروي الحاجة فاطمة، نازحة من حي السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت، معاناتها اليومية قائلة إن ما يواجهونه "صعوبة مضاعفة، لأننا اضطررنا إلى ترك بيوتنا، وأخذنا معنا القليل من أغراضنا الأساسية، بالإضافة إلى تحديات وضعنا الصحي وعجزنا عن المشي".

وبعينيها الحزينتين، تضيف لـ"النهار": "وصلنا إلى الخيمة، والوضع صعب للغاية، حتى النزول إلى الحمام في الطابق الأرضي أصبح مهمة صعبة، ولا توجد مياه كافية للغسيل أو الاستحمام، وليس في وسعنا فعل شيء".

 

الحاجة فاطمة.
الحاجة فاطمة.

 

تشعر هذه الأم اللبنانية بمرارة عميقة أمام ما يحدث، فتقول: "لم يتيسّر لنا أي شيء. نحن في زمن حرب، ولا أحد يعمل حالياً، وقد المال نفد قبل أن نصل إلى هذا اليوم. كل شيء حصل فجأة وسريعاً، وهذا الوضع يثقل علينا جميعاً".

وبابتسامة متعبة، تحكي الحاجة فاطمة معاناتها الصحية المستمرة: "أعاني من السكري، شرايين مغلقة، مشكلات في الأعصاب، والتهابات في المفاصل، حتى أصابع قدمي قطعوها بسبب السكري".

 

الحاجة فاطمة.
الحاجة فاطمة.

 

وتختم: "أحاول الحصول على الرعاية قدر الإمكان. بعض الأدوية متوافرة، لكن أدوية أخرى، مثل دواء الشرايين، الذي يبلغ ثمنه 3 ملايين ليرة، غير متاح. منذ خمسة أيام توقفت عن تناوله لأنني لم أعد أستطيع شراءه".

 

أماكن مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة في الحرب.
أماكن مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة في الحرب.

 

"لا تدفئة ولا نظافة"
تشير أحدث أرقام البنك الدولي إلى أن الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة يشكلون نحو 15 في المئة من سكان لبنان، وهي نسبة تعكس حجم التحديات التي يواجهونها، خصوصاً في أوقات الأزمات.

وتوضح فرح الشيخ علي، استشارية دمج في الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً، بأن هناك نواقص عدة في المراكز المخصصة للنازحين: "نحتاج أدوية، وأدوات مساعدة مثل العكازات والكراسي المتحركة، وحفّاضات، ومستحضرات أخرى أساسية مثل التدفئة والكهرباء والمياه للنظافة، فيما الحمامات ضيّقة والطعام قليل"، مؤكدة حجم المعاناة اليومية التي تعيشها هذه الفئة من الناس.

 

فرح الشيخ علي.
فرح الشيخ علي.

 

وعلى الرغم من هذه الصعوبات، ترى الشيخ علي بصيص أمل: "تمكنا من تأمين مراكز لذوي الاحتياجات الخاصة، وهذا جيد لكنه لا يكفي. نحن بحاجة إلى خيم أكبر لتستوعب الأعداد المتزايدة، ونحاول قدر الإمكان تأمين الأسرّة الخاصة لبعض الحالات. وما زلنا حتى اليوم نحمل الأشخاص بأنفسنا لنقلهم من الطوابق العليا إلى الأسفل لاستخدام الحمامات"، في صورة تعكس صعوبة الظروف ووفاء القائمين على رعايتهم.

 

وضع صعب في الحمامات.
وضع صعب في الحمامات.

 

"أحتاج أصدقاء"
التقينا أحد النازحين من قضاء بنت جبيل، وهو رجل يعاني من تحدّيات صحية جسيمة، لكنه يحمل قلباً كبيراً وإرادة صامدة. 

أصابته جلطة في الماضي، فتركته مصاباً بالشلل النصفيّ، وبخرّاج في قدمه يزيد من معاناته اليومية، لكنه يرفض أن يثقل على الآخرين أو أن يشعرهم بأنّه عبء.

 

الأوضاع صعبة لذوي الاحتياجات الخاصة.
الأوضاع صعبة لذوي الاحتياجات الخاصة.

 

يصف حياته في مركز الإيواء بأنها مليئة بالصعوبات، ويواجه نقصاً في الأدوية والعلاج الضروريين، بالإضافة إلى قلق مستمر على صحته، لكنه رغم ذلك يبتسم ويحاول أن يخفف من وطأة معاناته على من حوله. 

ويقول لـ"النهار": "لا أريد أن أزعج أحداً. أحتاج أصدقاء قبل كل شيء، ووجود ناس حولي يشعرني بأنّي لست وحيداً".

 

الأوضاع صعبة لذوي الاحتياجات الخاصة.
الأوضاع صعبة لذوي الاحتياجات الخاصة.

 

بالنسبة إليه، لا شيء يضاهي رؤية الوطن يعمّه السلام. وهو يحرص على تذكيرنا بأننا جميعنا نحمل الهوية اللبنانية، وأن الخير موجود في كل إنسان، مهما كانت ظروفه.

يشدد عضو بلدية بيروت محمد بالوظة، الذي يتابع تفاصيل النازحين عن قرب، على أن لذوي الاحتياجات الخاصة معاملة استثنائية، من خلال "تأمين المستلزمات التي يحتاجون إليها، ونحن نساعدهم لتجاوز هذه المرحلة".

 

محمد بالوظة.
محمد بالوظة.

 

حياتنا صعبة"
لم يختلف رأي نازح آخر عن معاناة من سبقه، إلا أن غصته تبدو أكبر، خصوصاً أنه المسؤول عن إعالة أسرته. 

ويقول بحسرة: "الحياة صعبة جداً يا عمي. تترك أرضك ورزقك، وتعيش في قلق نفسي وعصبي لا يوصف".

 

صعوبة الحياة عند ذوي الاحتياجات الخاصة.
صعوبة الحياة عند ذوي الاحتياجات الخاصة.

 

ويتابع وهو يتحدث عن ثقل الحرب على العائلة: "عندما يكون لديك زوجة وأولاد وأحفاد تخسر الكثير. الحرب تضرّ الجميع، وتحوّل حياتك إلى سلسلة من الضغوط والتوتر المستمر. وها نحن هنا في مركز الإيواء، يحاولون تأمين كل ما يلزمنا، وكل ما أتمناه اليوم هو الاستقرار، والعودة إلى مناطقنا ومنازلنا بأمان وسلام".

 

صعوبة تأمين المستلزمات.
صعوبة تأمين المستلزمات.

 

معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة في النزوح ليست مجرد قصص عن الألم، وغياب للرعاية والتسهيلات، بل هي عنوان الصبر والأمل؛ أفليس من حق كل إنسان، مهما كانت قدراته، أن يعيش بكرامة وأمان، ويجد من يساعده في الشفاء والعودة إلى حياته الطبيعية؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

دوليات 3/12/2026 9:20:00 PM
نتنياهو: حققنا إنجازات كبيرة ضد إيران وحزب الله سيدفع ثمناً باهظاً
لبنان 3/11/2026 9:01:00 PM
تحذيرات ديبلوماسية من اجتياح بري إسرائيلي للمنطقة العازلة خلال ساعات وسط تهديدات بتوسيع العمليات إلى كل لبنان.
لبنان 3/12/2026 7:46:00 PM
تصعيد إسرائيلي يطاول قلب بيروت بغارات على الباشورة وزقاق البلاط والضاحية، وسلام يؤكد العمل لوقف الحرب وسط مخاوف من توسّع الاستهدافات في العاصمة.
لبنان 3/12/2026 8:24:00 PM
إنذار إسرائيلي بإخلاء مبنى في حي العمروسية بالضاحية… ونفي صحة إنذار مماثل في فردان