المحكمة العسكرية تحت المجهر… هل حان تغيير رأسها؟

لبنان 10-03-2026 | 15:00

المحكمة العسكرية تحت المجهر… هل حان تغيير رأسها؟

"جرائم الإرهاب والتجسس لا تُعد جرائم عادية، بل هي اعتداء مباشر على أمن الدولة وسيادتها"...
المحكمة العسكرية تحت المجهر… هل حان تغيير رأسها؟
المحكمة العسكرية (أرشيفية).
Smaller Bigger
عاد ملف المحكمة العسكرية إلى الواجهة مجددًا، ليس بوصفه نقاشًا قانونيًا صرفًا، بل كملف يتداخل فيه القضائي بالسياسي والأمني، في لحظة دقيقة يعيشها لبنان على وقع الحرب والتوترات الأمنية. فقد فتح قرار وزير العدل عادل نصار إحالة القاضي المدني المنتدب لدى المحكمة العسكرية القاضي عباس جحا على التحقيق القضائي الباب أمام أسئلة واسعة حول مستقبل هذه المؤسسة القضائية الحساسة ودورها في إدارة الملفات الأمنية.

وجاءت الإحالة على خلفية قرار تخلية ثلاثة عناصر من "حزب الله"، في خطوة قيل إنها جاءت بعد ضغوط سياسية مورست على القاضي، وهو ما استدعى فتح تحقيق لمعرفة ملابسات القرار. غير أن هذه الخطوة أعادت في الوقت نفسه إحياء النقاش القديم حول المحكمة العسكرية نفسها: صلاحياتها، وموقعها داخل النظام القضائي، وإمكان تعديل دورها أو حتى تغيير رأسها في هذه المرحلة.

والحديث عن المحكمة العسكرية ليس جديدًا في الحياة السياسية اللبنانية. فقد عرف لبنان محاولات متكررة لإلغائها أو تعديل صلاحياتها. ففي آذار 2012 دعت لجنة تحديث القوانين إلى إعادة النظر في دورها، كما تقدّم النائب إيلي كيروز في نيسان 2013 باقتراح لتعديل قانون القضاء العسكري وحصر اختصاصه بالقضايا العسكرية البحتة. كذلك شكّلت لجنة في عهد وزير العدل السابق شكيب قرطباوي لدرس هذا الملف، قبل أن تتوالى مشاريع قوانين واقتراحات تدور جميعها حول إعادة تعريف دور المحكمة العسكرية.

وتستند هذه الدعوات إلى مقاربة تعتبر أن تحقيق العدالة الكاملة لا يمكن أن يتم في ظل وجود محاكم استثنائية. وقد خلصت إلى هذا التوصيف تقارير صادرة عن منظمات دولية، بينها "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية، التي انتقدت مرارًا محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري ورأت أنه يتعارض مع معايير المحاكمة العادلة.

وفي السياق نفسه، كان النائب أشرف ريفي من أبرز الداعين إلى إلغاء المحكمة العسكرية أو تقليص صلاحياتها، واصفًا إياها بأنها "محكمة سياسية أكثر منها قضائية". ودعا إلى حصر اختصاصها بمحاكمة العسكريين فقط، مقترحًا إنشاء أجهزة قضائية متخصصة للنظر في قضايا الإرهاب والجرائم الكبرى، ومعتبرًا أن المحكمة العسكرية استُخدمت أحيانًا ذراعًا قضائية لمعاقبة خصوم سياسيين تحت عناوين مثل "الإرهاب" أو "التعامل مع إسرائيل"، الأمر الذي أدى، بحسب رأيه، إلى تقويض الثقة العامة بها.

غير أن هذا الطرح يقابله موقف آخر داخل الأوساط الأمنية والعسكرية يرى في تقليص صلاحيات المحكمة العسكرية خطوة خطيرة في ظل التهديدات التي تواجهها الدولة. فالعميد المتقاعد أنطوان شديد يلفت إلى أن "جرائم الإرهاب والتجسس لا تُعد جرائم عادية، بل هي اعتداء مباشر على أمن الدولة وسيادتها، وجرائم لا تطال أفرادًا فقط بل المجتمع بأسره".

ويشير إلى أن "التجسس ظاهرة قديمة رافقت نشوء المجتمعات، لكنها تطورت اليوم لتشمل مختلف المجالات الحيوية للدولة، فيما أصبح الإرهاب أكثر تنظيمًا وتعقيدًا مع استخدام التكنولوجيا الحديثة والتمويل الضخم والتخطيط الاستراتيجي. لذلك، فإن مواجهة هذه الجرائم تستدعي سياسة عقابية صارمة وأجهزة قضائية قادرة على التعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بسرعة وفاعلية، وهو الدور الذي تؤديه المحكمة العسكرية في لبنان".

ومن هذا المنطلق، يرى أن نقل كل هذه الملفات إلى القضاء العدلي قد يطرح إشكاليات عملية، خصوصًا لجهة حماية المعلومات الأمنية الحساسة المرتبطة بعمل الأجهزة العسكرية والاستخبارية.

في ضوء ذلك، يبدو أن النقاش الدائر اليوم حول المحكمة العسكرية يتجاوز مسألة قرار قضائي أو ملف محدد، ليطرح سؤالًا أوسع: هل يُجرى فعلاً التحضير لإعادة رسم موازين القوى داخل القضاء العسكري في هذه المرحلة الحساسة؟ أو أن ما يحصل هو مجرد محطة جديدة في السجال القديم حول دور هذه المحكمة وصلاحياتها؟ حتى الآن، لا مؤشرات رسمية لاتجاه حاسم في هذا الملف، لكن الواضح أن أي تغيير في بنية المحكمة العسكرية أو قيادتها لن يكون إجراءً إداريًا عادًا، بل خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية مباشرة، خصوصًا في بلد ما زالت فيه ملفات الإرهاب والتجسس والجرائم الأمنية تحتل موقعًا متقدمًا في جدول الأولويات الوطنية.

الأكثر قراءة

كتاب النهار 3/10/2026 5:10:00 AM
⭕ماذا نقل فنيش إلى بري تفاصيل عن مجريات الحرب وواقع الميدان؟⭕رسالة شفوية من الشيخ نعيم قاسم إلى رئيس المجلس... ما فحواها؟ وما علاقة نصرالله؟⭕هل عادت الأمور إلى مجاريها بين الحزب و"أمل"؟
اقتصاد وأعمال 3/9/2026 5:17:00 AM
يقدر شماس حاجة السوق اللبنانية اليومية بنحو 7.5 ملايين ليتر من البنزين و9 ملايين ليتر من المازوت، وهي كميات لا تزال متوافرة حتى الآن
لبنان 3/10/2026 9:10:00 AM
أسعار المحروقات تشهد ارتفاعاً كبيراً
لبنان 3/9/2026 1:43:00 AM
عند سؤاله إن كان ثمة مبادرة جدية مطروحة، قال سلام إنه لا يمكن الحديث عن مبادرة واضحة حتى الآن، لكن هناك أفكاراً مطروحة، خصوصاً من الجانب الفرنسي.