رون آراد… لغز الطيار الإسرائيلي المفقود في لبنان منذ أربعة عقود

لبنان 07-03-2026 | 10:02

رون آراد… لغز الطيار الإسرائيلي المفقود في لبنان منذ أربعة عقود

كل التحقيقات والمحاولات التي أُجريت حتى اليوم لم تنجح في تقديم إجابةٍ حاسمة، ليبقى اختفاؤه لغزاً مفتوحاً يطفو على السطح بين حين وآخر 
رون آراد… لغز الطيار الإسرائيلي المفقود في لبنان منذ أربعة عقود
أضرار جراء الغارات الإسرائيلية على النبي شيت (لينا إسماعيل).
Smaller Bigger

بين الملفات الأكثر غموضاً في تاريخ الصراع اللبناني– الإسرائيلي، تبقى قضية الطيار الإسرائيلي رون آراد واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وتشابكاً، إذ تحوّل اختفاؤه في لبنان عام 1986 إلى لغز استخباراتي مفتوح حتى اليوم، رغم مرور قرابة أربعة عقود على أسره، وتعاقب التحقيقات والعمليات السرية التي سعت إسرائيل من خلالها إلى كشف مصيره.

 

ولد رون آراد في الخامس من أيار عام 1958 في مدينة هود هشارون في إسرائيل لعائلة يهودية مكوّنة من ثلاثة أبناء، وكان الابن الأكبر بينهم. والده دوف آراد ووالدته بيثيا داسكال. تزوج من تامي وأنجبا إبنة اسمها يوفال، كانت لا تزال رضيعةً عندما اختفى والدها. أنهى دراسته في تل أبيب، والتحق بالجيش الإسرائيلي عام 1978، قبل أن يتخرج ملاحاً في سلاح الجو. وفي منتصف الثمانينات بدأ بدراسة الهندسة الكيميائية، لكنه لم يتمكن من إكمالها بعدما تحوّلت مهمته العسكرية الأخيرة إلى نقطة تحوّل في حياته.

 

في السادس عشر من تشرين الأول 1986، شارك في مهمة عسكرية فوق لبنان على متن طائرة مقاتلة من طراز McDonnell Douglas F-4 Phantom  II  برفقة الطيار Yishai Aviram، من ضمن تشكيل من الطائرات استهدف مواقع في مدينة صيدا. وخلال تنفيذ المهمة، وبحسب التحقيق الذي أجراه سلاح الجو الإسرائيلي لاحقاً، وقع خلل تقني أدى إلى انفجار قذيفة قرب الطائرة، ما تسبب بإصابتها وإجبار الطاقم على القفز بالمظلة.

 

تمكن الطيار أفيرام من الفرار قبل أن تنقذه مروحية إسرائيلية، لكن أثر رون آراد فُقد بعد هبوطه في منطقة خاضعة لنفوذ حركة "أمل" قبل أن تؤكد الاستخبارات الإسرائيلية لاحقاً أنه وقع أسيراً لدى عناصرها.

 

بحسب الرواية الإسرائيلية، نُقل آراد لاحقاً إلى مسؤول أمني في الحركة هو مصطفى الديراني الذي تولّى احتجازه في أحد المواقع في لبنان. وخلال الأشهر الأولى من أسره، وصلت إلى إسرائيل رسائل عدة بخطه، كما تسلمت صورة له وهو محتجز، ما أكد أنه كان على قيد الحياة في ذلك الحين.

 

حاولت حركة "أمل" في تلك المرحلة التوصل إلى صفقة تبادل مع إسرائيل للإفراج عن أسرى لبنانيين في مقابل إطلاقه، لكن المفاوضات لم تفض إلى نتيجة. ومع مرور الوقت، ازدادت القضية تعقيداً، خصوصاً بعد عام 1988 ودخول لبنان في نفق الحرب الاهلية حين اختفى أثره بالكامل.

 

وتعددت الروايات حول ما حدث في تلك السنة. فبحسب تصريحات أدلى بها لاحقاً الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله عام 2000، فإن مجموعة مسلحة قامت بخطف آراد من منزل مصطفى ديراني عام 1988 واقتادته إلى مكان مجهول، ما أدى إلى فقدان أثره نهائياً منذ ذلك الحين.

 

في المقابل، ظهرت روايات إسرائيلية مختلفة عن مصيره. إحدى هذه الروايات تقول إن الخاطفين نقلوه إلى قرية صغيرة في سهل البقاع حيث تولت إحدى العشائر حراسته، لكن سلاح الجو الإسرائيلي قصف المنطقة في الخامس من أيار من العام نفسه، ما أدى إلى فرار الحراس وتركه في موقع احتجازه. وعندما عادوا في اليوم التالي لم يجدوه، ولم يُعرف ما إذا كان قد قُتل أو تمكن من الفرار أو نُقل إلى جهة أخرى.

 

وتشير رواية أخرى تداولتها جهات إسرائيلية، إلى احتمال أن يكون قد سُلّم إلى عناصر من"حزب الله" ونُقل إلى إيران، إلا أن هذه الفرضية لم تثبت بدليل قاطع، كما نفتها طهران مراراً.

 

أمام الغموض الذي لفّ القضية، نفذت إسرائيل سلسلة عملياتٍ استخباراتيةٍ في محاولةٍ لكشف مصيره. ففي عام 1994 نفذت وحدة كوماندوس إسرائيلية عمليةً داخل لبنان خطفت في خلالها مصطفى ديراني ونقلته إلى إسرائيل للتحقيق معه بشأن قضية آراد، لكن التحقيقات لم تقدم معلوماتٍ حاسمةٍ عن مصيره.

 

وبقي الملف حاضراً في مفاوضات تبادل الأسرى بين إسرائيل و"حزب الله". ففي صفقة عام 2004 التي شملت إطلاق مئات الأسرى الفلسطينيين واللبنانيين والديراني نفسه  في مقابل العقيد الإسرائيلي إلهنان تاننباوم وجثامين ثلاثة جنود إسرائيليين، لم يتم الكشف عن مصير رون آراد. وبعد حرب 2006، أصرّ الإسرائيليون مجدداً على الحصول على معلومات عنه، فشكّل "حزب الله" لجنة تحقيقٍ داخلية وقدّم لاحقاً تقريراً عبر الوسيط الألماني أكد فيه أنه لم يتوصل إلى أي معلومات جديدة تحدّد مصيره.

 

وفي عام 2007 سلّم الحزب رسالةً مكتوبةً بخط آراد إلى إسرائيل عبر الوسيط نفسه، أكدت زوجته صحتها. كما بثت قناة "أل بي سي" عام 2008 مقطع فيديو قديماً صُوّر عام 1988 يظهره خلال فترة احتجازه، ما أعاد إحياء القضية بعد عقدين من اختفائه.

 

ومع مرور السنوات، توصل معظم التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية، سواء في جهاز الموساد أو في شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، إلى استنتاجٍ متشابهٍ مفاده أن آراد توفي على الأرجح عام 1988، وإن بقيت ظروف وفاته ومكان دفنه مجهولة.

 

رغم ذلك، لم تتوقف إسرائيل عن محاولة كشف مصيره. فقد أعلنت مراراً عن مكافآت مالية ضخمة وصلت إلى عشرة ملايين دولار في مقابل معلومات موثوقة تقود إلى تحديد مكانه أو مكان رفاته، كما نفذت عمليات بحثٍ سريةٍ في لبنان خلال السنوات الماضية.

 

وفي تشرين الأول 2021 أعلن السياسي الاسرائيلي نفتالي بينت  أن الموساد نفذ عملية استخباراتية معقدة في إطار البحث عن معلومات تتعلق بمصير آراد، لكن رئيس الموساد دافيد رانيا أقرّ لاحقاً أن العملية كانت جريئة ومعقدة لكنها لم تحقق النتائج المرجوة.

 

كما عاد اسم رون آراد إلى الواجهة في أكثر من مناسبة خلال السنوات الأخيرة. ففي نيسان 2024 ذكّر الناطق باسم كتائب القسام  "أبو عبيدة" الإسرائيليين بقضية الطيار المفقود، ملوّحاً بمصير مشابه لأسرى إسرائيليين لدى الحركة إذا لم تتحرك عائلاتهم ضد حكومة بنيامين نتنياهو.

 

وفي أواخر عام 2025، برزت القضية مجدداً في لبنان بعدما كشفت مصادر قضائية عن عملية استدراجٍ استخباراتي مرتبطةٍ بملف رون آراد، على خلفية التحقيق في اختفاء  النقيب أحمد شكر النقيب المتقاعد في الأمن العام الذي يُعتقد أن لديه معلوماتٍ تتصل بالقضية.

 

وليل الجمعة- السبت كشفت إسرائيل عن تنفيذ إنزالٍ في النبي الشيت في البقاع كان هدفه استعادة رفات رون آراد.

 

وهكذا، وبعد قرابة أربعين عاماً على سقوط طائرته وأسره في لبنان، يبقى مصير رون آراد واحداً من أكثر الملفات غموضاً في تاريخ الصراع بين لبنان وإسرائيل. فكل التحقيقات والمحاولات التي أُجريت حتى اليوم لم تنجح في تقديم إجابةٍ حاسمة، ليبقى اختفاؤه لغزاً مفتوحاً يطفو على السطح بين حين وآخر كلما عادت المنطقة إلى توترٍ جديد.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/6/2026 8:11:00 AM
تعمل الحكومات على ترتيب رحلات مستأجرة وتوفير مقاعد على عدد محدود من الرحلات التجارية لإجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص.
الخليج العربي 3/6/2026 2:35:00 PM
أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن شكرها "لروسيا وأوكرانيا على تعاونهما مع جهود الوساطة الإماراتية–الأميركية".
المشرق-العربي 3/6/2026 6:00:00 AM
إلى أي مدى تمتلك إيران القدرة العسكرية على إصابة هذا الموقع الحساس، وما التداعيات المحتملة إذا تعرّض المفاعل فعلاً لهجوم مباشر؟
المشرق-العربي 3/6/2026 11:36:00 AM
منذ بدء الحرب بهجوم أميركي-إسرائيلي مشترك على إيران يوم السبت، حضت الحكومات الأجنبية مواطنيها على مغادرة دول الشرق الأوسط