بين خطابَي نصر الله وقاسم... "حزب الله" من فائض القوّة إلى إدارة التراجع
جاء الخطاب الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم محمّلاً بمفردات الاستماتة والثبات ورفض الاستسلام، أكثر مما حمل تهديدات هجومية كاسحة. الإقرار بـ"عدم التكافؤ في الإمكانات" والتركيز على "مواصلة الدفاع مهما بلغت التضحيات" يعكسان تحولاً واضحاً في النبرة والوظيفة السياسية للكلام. وبالمقارنة مع خطابات الأمين العام السابق حسن نصر الله، يتبدّى أن التحول يتجاوز الأسلوب إلى تبدل عميق في الموقع الاستراتيجي.
في ذروة مرحلة ما بعد 2006 وحتى ما قبل معركة 2024، اتسم خطاب نصر الله بسقف هجومي مرتفع، يقوم على تثبيت "توازن الرعب". كانت العبارات تدور حول قصف تل أبيب وما بعدها، وضرب منشآت استراتيجية، واستهداف عمق إسرائيل في حال اندلاع حرب شاملة. لم يكن الخطاب دفاعياً بل مبادِراً، يَعِد بتوسيع المعركة إذا فُرضت، ويستند إلى بيئة إقليمية داعمة: حضور إيراني متماسك، وعمق سوري مفتوح، وقدرات عسكرية تراكمت بلا استنزاف شامل.
هذا الفارق لم يقتصر على الخطاب، بل انعكس أيضاً في البيانات العسكرية. في أوائل معركة 2024، كانت بيانات "حزب الله" تتحدث عن "ضربات استراتيجية"، و"عمليات مركّبة"، و"صواريخ نوعية" استهدفت مواقع حساسة ومنشآت عسكرية متقدمة وصلت إلى حدود غرفة نوم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. اللغة يومها أوحت بقدرة على المبادرة والتصعيد المنهجي، وبامتلاك بنك أهداف واسع يتجاوز الخط الحدودي. أما في المرحلة الراهنة، فتبدو البيانات أكثر تواضعاً في سقفها العملياتي: استهداف دبابة هنا، قصف تجمع عسكري هناك، أو الإعلان عن "منع تقدم" في محور محدد. الفارق بين خطاب "الضربة الاستراتيجية" وخبر "تدمير آلية" ليس تفصيلاً بل مؤشر على تبدل في طبيعة الاشتباك وأولوياته.
هذا التحول يرتبط مباشرة بما أعقب معركة 2024 من استنزاف عسكري وأمني، ثم بسقوط النظام السوري الذي شكل لعقود عمقاً جغرافياً واستراتيجياً للحزب. خسارة هذا العمق حدّت من هامش الحركة اللوجستية وقلّصت مساحة المناورة الإقليمية. ومع تزايد الضغوط الإسرائيلية، لم يعد الهدف توسيع رقعة النار بقدر ما أصبح منع الاختراق والحفاظ على ما تبقى.
في هذا السياق، يبدو خطاب نعيم قاسم أقرب إلى خطاب تعبوي دفاعي، يركز على الصمود وعدم الانكسار، ويستحضر رمزية الشهداء وعلى رأسهم حسن نصر الله كمرجعية معنوية. لم تعد مفردات "تدمير إسرائيل" أو "قلب الطاولة" تتصدّر المشهد، بل حلّت مكانها لغة التحمل والثبات وإفشال "مشاريع العدو". إنها محاولة لإعادة تعريف النصر: من نصر هجومي يغيّر المعادلات، إلى نصر يُقاس بمجرد البقاء ومنع السقوط.
يرد الخبير العسكري مارون جاسر تراجع كثافة الصواريخ المطلَقة مقارنة بالمراحل الأولى من معركة 2024 بأنه يعكس الاستنزاف في المخزون النوعي.
ويعتبر أن هذا التحوّل انتقالاً من مرحلة السعي إلى تثبيت ردع هجومي واسع إلى مرحلة إدارة الاستنزاف ومنع الاختراق. كما أن الضربات التي طاولت بنية القيادة والقدرات الصاروخية البعيدة المدى، إضافة إلى خسارة العمق السوري بعد سقوط النظام، حدّت من هامش المناورة الاستراتيجية. وبذلك، لم يعد الحزب يقاتل بذهنية "تغيير قواعد اللعبة" كما في بدايات معركة 2024، بل بذهنية تثبيت الخطوط ومنع الانهيار.
وبحسب التقرير التحليلي المنشور على موقع GIS Reports، فإن القدرات العسكرية لـ"حزب الله" شهدت تراجعاً ملموساً منذ حرب 2023–2024، سواء على مستوى العتاد أو البنية القيادية أو هامش الحركة العملياتي. التقرير يستند إلى تقديرات أمنية وعسكرية تشير إلى أن الحزب فقد نسبة كبيرة من ترسانته الصاروخية، ولا سيما الصواريخ البعيدة المدى التي كانت تشكل عماد قدرته الردعية الاستراتيجية، إضافة إلى تدمير واسع للبنى التحتية العسكرية جنوب الليطاني ومراكز القيادة والتحكم.
كما يتحدث التقرير عن خسائر بشرية وازنة في صفوف المقاتلين والكوادر الميدانية، بمن فيهم قادة وحدات أساسية، ما أثّر على الجهوزية القتالية وسلاسة القيادة والسيطرة. ويرى أن الضربات المركزة التي استهدفت منظومات دقيقة ومخازن أسلحة نوعية حدّت من قدرة الحزب على تنفيذ عمليات عميقة أو إطلاق كثافات صاروخية مماثلة لما كان يعلن عنه في مراحل سابقة.
إلى جانب ذلك، يشير التقرير إلى أن سقوط النظام السوري شكّل ضربة استراتيجية للحزب، إذ خسر عمقه اللوجستي الأساسي وخطوط الإمداد البرية التي كانت تتيح نقل السلاح النوعي من إيران إلى لبنان. هذا التطور جعل عملية إعادة بناء الترسانة أكثر تعقيداً وكلفة، وأبطأ وتيرتها، رغم محاولات التعويض عبر تصنيع محلي لبعض الصواريخ والطائرات المسيّرة.
الخلاصة التي يقدّمها التقرير أن "حزب الله" لا يزال يحتفظ بقدرة قتالية مؤثرة، لكنه لم يعد في الموقع نفسه الذي كان عليه قبل الحرب الأخيرة؛ إذ تراجعت قدرته على المبادرة الاستراتيجية الواسعة، وانتقل إلى نمط أكثر حذراً يركّز على الحفاظ على ما تبقى من عناصر القوة ومنع استنزاف إضافي قد يصعب تعويضه في المدى المنظور.
في المحصلة، المقارنة بين خطابات نصر الله في مرحلة فائض القوة، وخطاب نعيم قاسم في لحظة الضغط، وبين بيانات 2024 ذات السقف الاستراتيجي والبيانات الحالية ذات الطابع التكتيكي، تكشف انتقال "حزب الله" من موقع المبادرة إلى موقع الدفاع. إنه تحوّل استراتيجي فرضته الوقائع الميدانية والإقليمية، وجعل من "الصمود" عنوان المرحلة، بعدما كان "التهديد بالتدمير" هو العنوان الأبرز في سنوات سابقة.
نبض