تعيين بهية الحريري نائبة رئيس "المستقبل"... خطوة تنظيمية أم إعادة تموضع للحريرية ؟
في لحظة سياسية دقيقة يعيشها الشارع السني في لبنان، جاء تعيين بهية الحريري نائباً لرئيس "تيار المستقبل" ليطرح سؤالاً جوهرياً: هل يشكّل هذا التعيين مخرجاً لعودة "الحريرية السياسية" إلى الحياة العامة من بوابة تنظيمية، ومن دون عودة مباشرة للرئيس سعد الحريري إلى الواجهة؟
منذ إعلان الحريري تعليق عمله السياسي عام 2022، دخل التيار في مرحلة خفوت غير مسبوقة. غاب "المستقبل" تنظيمياً وانتخابياً، وترك فراغاً واسعاً في البيئة السنية، انعكس تشتتاً في التمثيل، وأدى إلى تقدم قوى متفرقة، بعضها تقليدي وبعضها احتجاجي (تغييري). لكن التحولات الإقليمية، وإعادة خلط الأوراق داخلياً، إضافة إلى اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، أعادت طرح سؤال العودة: هل يبقى التيار خارج اللعبة أم يعيد تموضعه؟
تعيين بهية الحريري لا تمكن قراءته كإجراء إداري عابر. فهو أول تعديل بارز في هرم القيادة منذ قرار التعليق. وبهية ليست اسماً عادياً داخل "المستقبل"؛ فهي تمثل الامتداد التاريخي للعائلة سياسياً وتربوياً واجتماعياً، وارتبط حضورها بمدينة صيدا وبالقاعدة التنظيمية الصلبة للتيار.
غير أن التعيين لا يعني نقل الزعامة من سعد إلى بهية. فالأول لا يزال رئيس التيار ومرجعيته السياسية، حتى وإن لم يمارس العمل التنفيذي اليومي. لكن الخطوة توحي بوجود قرار بإعادة تفعيل الهيكلية الداخلية تمهيداً لمرحلة مختلفة، ربما لا يكون عنوانها عودة سعد شخصياً إلى رئاسة الحكومة، بل عودة التيار إلى المشاركة بأشكال متعددة.
على المستوى الداخلي، يشكّل تعيين بهية عنصر طمأنة للكوادر والماكينة التنظيمية التي عاشت مرحلة ضبابية. فالتيار، خلال السنوات الماضية، شهد حالات تململ، وتوجه بعض كوادره إلى خيارات مستقلة أو تحالفات موضعية. وجود شخصية من الصف الأول في موقع نائب الرئيس يعيد ترميم البنية التنظيمية ويمنع مزيداً من التفلّت.
كما أن بهية الحريري تُعد شخصية توافقية داخل التيار، غير صدامية، وقادرة على لعب دور "الجسر" بين القيادة التاريخية والجيل الجديد، وهو أمر يحتاجه "المستقبل" إذا قرر خوض أي استحقاق مقبل.
سياسياً، تحمل الخطوة أكثر من رسالة. أولًا، إلى الشارع السني، بأن التيار لم يحل ولم ينتهِ، وأن خيار التعليق لم يكن انسحاباً نهائياً من الحياة العامة. ثانياً، إلى الخصوم والحلفاء، بأن "الحريرية" ما زالت لاعباً في المعادلة، ولو بوجه تنظيمي مختلف.
إقليميا، قد تقرأ الخطوة كإعادة ترتيب بيت داخلي بانتظار اتضاح صورة أوسع في المنطقة. فالحريرية السياسية لطالما ارتبطت بتوازنات إقليمية، وأي عودة كاملة تحتاج إلى بيئة مؤاتية خارجية، وهو ما لم يتبلور بالكامل بعد.
قد يكون التعيين، خطوة أولى نحو توزيع الأدوار داخل القيادة، بحيث يبقى سعد المرجعية السياسية العليا، فيما تتولى شخصيات أخرى إدارة الشأن التنظيمي واليومي.
في المحصلة، لا يشكّل تعيين بهية الحريري انقلابًا داخل"المستقبل"، ولا إعلانا عن عودة كاملة للحريرية السياسية، لكنه بالتأكيد ليس تفصيلا إداريا. إنه إعادة تموضع مدروسة، تعكس إدراكا بأن الفراغ لا يمكن أن يستمر، وأن التيار أمام خيارين: إما الذوبان التدريجي، أو إعادة تنظيم صفوفه تمهيدًا للعودة.
حتى اللحظة، يبدو أن الخيار الثاني هو الذي بدأ يُرسم بهدوء. ويبقى السؤال: هل تتحول هذه الخطوة إلى مشاركة انتخابية فعلية، أم تبقى في إطار إعادة ترتيب البيت الداخلي؟ الإجابة ستتضح مع اقتراب الاستحقاقات، ومع القرار النهائي لسعد الحريري: عودة كاملة، أم قيادة من الخلف؟.
نبض