الحريرية السياسية في الذكرى الـ21: جمهور قلِق على الحلم والمشروع

كتاب النهار 13-02-2026 | 05:42

الحريرية السياسية في الذكرى الـ21: جمهور قلِق على الحلم والمشروع

نشأت الحريرية مع صعود نجم رفيق الحريري من عالم الأعمال والثروة إلى السلطة التنفيذية، في لحظة إقليمية شجعت على إعادة تركيب النظام اللبناني تحت مظلة اتفاق الطائف.
الحريرية السياسية في الذكرى الـ21: جمهور قلِق على الحلم والمشروع
الرئيس سعد الحريري (أرشيف النهار).
Smaller Bigger


منذ أن دخل رفيق الحريري معترك الحياة السياسية مطلع التسعينيات، وسيطاً سعودياً ومهندساً للنظام السياسي الجديد للبنان في مدينة الطائف، بدأت ظاهرة الحريرية تتنامى، بعدما أدخلت مفهوماً أو نهجاً مختلفاً للعمل السياسي، وكانت أحد أبرز التيارات التي أعادت رسم الحياة السياسية في لبنان بعد الحرب الأهلية، وتفكك بنية غالبية الأحزاب والقوى التي عرفت في تلك الحقبة بـ"أمراء الحرب".

نشأت الحريرية مع صعود نجم رفيق الحريري من عالم الأعمال والثروة إلى السلطة التنفيذية، في لحظة إقليمية شجعت على إعادة تركيب النظام اللبناني تحت مظلة اتفاق الطائف.

هكذا، دخل الحريري الأب المعترك السياسي من خلال تقاطع عربي - فرنسي - أميركي، من بوابة إعادة الإعمار، مدخلا للشرعية السياسية، عبر دعم سعودي واضح وتفاهمات داخلية فرضتها موازين القوى السورية في تلك الحقبة، شكلت مشروعا يقوم على الاقتصاد الحر والانفتاح العربي والدولي وترميم مؤسسات الدولة. لم تكن مشروع مواجهة، بل مشروع إدارة توازنات، ما جعلها عرضة لانتقادات واسعة تتصل بالديون العامة وبنية الاقتصاد مقابل تثبيت الاستقرار.

تكرّست الحريرية مع تولّي الحريري رئاسة أولى الحكومات عام 1992، حيث تحوّل الرجل إلى محور توازن داخلي، مستندا إلى دعم عربي، ولا سيما سعودي، وشبكة علاقات دولية واسعة نسجها مدى أعوام من العمل الخارجي، فاتحا أمام البلاد المنهكة والخارجة من حرب أهلية مدمرة أفق العالم. في تلك المرحلة، شكّلت الحريرية حالة سياسية - اقتصادية أكثر منها حزبا تقليديا، جمعت بين النفوذ المالي، والإدارة التنفيذية، والتمثيل الواسع داخل الطائفة السنية التي منحها دستور الطائف صلاحيات واسعة على حساب الرئاسة المارونية وأبناء الطائفة.

وقد شهد لبنان مدى عقدين من تولّي الحريري السلطة التنفيذية، فورة نمو وإعمار لم تخلُ من الكلفة الباهظة، بعدما ربط اسمه بمشروع الإعمار واستقرار النقد.

شكّل اغتياله في 14 شباط 2005 زلزالاً سياسياً ونقطة تحوّل مفصلية في مسار الحريرية السياسية. فالاغتيال لم يُنهِ مشروعا فحسب، بل أطلق مرحلة سياسية جديدة في لبنان، تحولت من مشروع حكم إلى حركة احتجاج سيادي تمثّل في انسحاب الجيش السوري وصعود قوى "14 آذار" التي بلغت في تلك اللحظة من تاريخ لبنان ذروة رمزية بعدما تحوّلت من مشروع دولة إلى قضية سياسية وسيادية. ولقد اقترن اسم الحريري الشهيد بنهاية زمن الوصاية السورية على لبنان وخروج جنودها منه، لكنها في المقابل، دخلت مسار استنزاف طويل أنهك القاعدة السياسية والشعبية وفككها.

مع تسلّم سعد الحريري الزعامة، دخل التيار مرحلة مختلفة. ورث سعد الإرث السياسي والرمزي لوالده، ولكن في سياق داخلي وإقليمي أكثر تعقيدا. قاد "تيار المستقبل" الحكومة أكثر من مرة، وواجه تحديات كبرى أبرزها الانقسام السياسي الحاد، والصراع مع "حزب الله" والتسويات الرئاسية التي أوصلت ميشال عون إلى سدة الرئاسة وأنهكت الحريري الابن، خصوصاً بعد انفجار الأزمات الاقتصادية المتراكمة في وجهه، وصولاً إلى انهيار 2019 الذي كان أول انعكاساته اندلاع الانتفاضة الشعبية. 

بدأت الحريرية تفقد جزءًا من حضورها الشعبي والسياسي، وبدأ التيار يواجه واقعاً مختلفاً جذرياً، وانقساما عموديا داخليا، وصعود "حزب الله" لاعبا إقليميا، وتراجع قدرة التسويات التقليدية. وقد شكلت محطات مثل احداث السابع من أيار 2008، وزيارة الحريري لسوريا ومصافحته الأسد والتسوية الرئاسية عام 2016، ثم استقالة 2017 المفاجئة نقاطاً مفصلية أظهرت حدود القوة السياسية للحريرية الجديدة، مقارنة بإرث الوالد المؤسس. وكان لتدهور العلاقة بالمملكة العربية السعودية التأثير السلبي الأكبر على استمرارية الحريرية وقوتها، حتى على مستوى الشارع السني. فتلك العلاقة انتقلت بداية من رعاية الحريري الأب إلى فتور تدريجي مع الحريري الابن، ما عكس تغير المقاربة السعودية للملف اللبناني ككل. والواقع أن المملكة التي كانت ترى في الحريرية ركيزة نفوذ سنّي معتدل، باتت أكثر تشددا حيال أي تسوية داخلية لا تُحدث تغييرا في ميزان القوى مع "حزب الله".

وفي هذا السياق، برزت في السنوات الأخيرة مؤشرات لقيود سياسية وشخصية طالت سعد الحريري، تُقرأ ضمن إعادة تموضع سعودي أوسع في لبنان، لا كإجراء فردي فحسب.

إعلان سعد الحريري تعليق العمل السياسي عام 2022 لم يكن قرارا شخصيا فقط، بل خلاصة انسداد سياسي إقليمي ومحلي، لا تزال تداعياته تجرجر حتى اليوم، وعلى أبواب انتخابات نيابية لا يبدو أنه سيكون لـ"تيار المستقبل" فيها أي مشاركة، مع استمرار الحريري بقرار تعليق العمل السياسي، في ظل استمرار القرار السعودي رفع الغطاء عنه.

اليوم، في الذكري الحادية والعشرين لغياب الحريري الأب، تبدو الحريرية السياسية أمام مفترق حاسم، وسؤال صعب يعجز الحريري عن الإجابة عنه، إمّا إعادة تعريف نفسها خارج منطق التسويات، وإما تحوّلها إلى مرحلة تاريخية ارتبطت برجل، وزمن، ورعاية إقليمية لم تعد قائمة، ويرى رعاتها أن الحاجة إليها انتفت، على الرغم من أن أيّ فريق أو شخصية لم يستطيعا أن يملأا الفراغ الذي تركته على مستوى الشارع والجمهوري، كما على مستوى المشروع السياسي وموقع الطائفة السنية في معادلة الحكم.

أما السؤال عن مستقبل الحريريين، فيبقى مفتوحاً على كل الخيارات، في بلد لم يُغلق بعد صفحة رفيق الحريري ولا ما بعده.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/12/2026 3:23:00 AM
أشار التقرير إلى أن هذه المحاولات تشكّل دليلاً إضافياً على أن التنظيم لا يزال مصمّماً على تقويض الحكومة السورية الجديدة
شمال إفريقيا 2/10/2026 11:07:00 PM
يقول رئيس الهيئة العامة السورية للاجئين في مصر تيسير النجار، في حديث لـ"النهار": "أفادت التقارير التي بلغتنا بأن عمليات الترحيل تحدث بالفعل، ونسمع من إخوة لنا عمّا يحصل".
صحة وعلوم 2/11/2026 6:16:00 PM
تتكرر في لبنان والعالم الحوادث التي يتوقف فيها القلب فجأة ومن دون علامات سابقة، سواء بين المراهقين والشباب أو حتى بين الأطفال، فيما كانت هذه الفئات العمرية تُعدّ  محميّة من هذا النوع من المشكلات باعتبارها تتمتع بصحة أفضل.
دوليات 2/12/2026 11:14:00 PM
امرأة خمسينية تعترف بوضع رضيعين في مجمّد منزلها شرقي فرنسا… والسلطات تفتح تحقيقاً بتهمة قتل قاصرين.