إخلاء مبنى آخر في طرابلس والأهالي يفترشون الشوارع... عون: المدينة ليست متروكة (صور - فيديو)
تشهد طرابلس كل مساء تحرّكات احتجاجية غاضبة، سببها "تحوّل بيوت المدينة إلى مقابر تؤوي سكّاناً ينامون في داخلها ولا يعلمون متى تنهار عليهم، سواء في منتصف الليل أم قبل صياح الديك أو ما بين ساعات النوم الأولى والاستيقاظ صباحاً، الذي قد يكون تحت الرّكام أو تحت أشعة الشمس".
أبنية تنهار، وأخرى آيلة إلى السقوط، عددها فوق المئة؛ وبين هذه وتلك أبنية تتصدّع وتتشقق، والأهالي يسكنون فيها لأنه لا مكان لهم يلجأون إليه، وليس بمقدورهم دفع بدل إيجار أغلى، لأن المدخول "على قدّ الحال"، وأغلب هذه العائلات مصنّفة ضمن الأكثر فقراً في المدينة، والتي لا حول لها ولا قوّة.
أمس واليوم، طُلِب إلى الأهالي إخلاء مبانٍ في أكثر من شارع أو حيّ في القبة والأسواق وصولاً إلى القلمون، من دون تأمين أماكن إيواء لهم، فعاد بعضهم إلى بيته رغم الخطر، ولجأ قليلٌ منهم إلى الأقارب بانتظار الجديد اليوم على صعيد تنفيذ قرارات السرايا الحكومية، فيما نام آخرون في خيمة على الرصيف في منطقة القبة أو في العراء على رصيف آخر في شارع السنترال في طرابلس.
وكان آخر طلبات الإخلاء لسكان مبنى في شارع الجديد في منطقة القبة، بعدما سبقته طلبات إخلاء في منطقة باب التبانة – حرز الجبنة.

"كيف لا يحتجّ ولا يثور ولا ينتفض هؤلاء المتروكون لقدرهم وحدهم؟"، قال أحدهم، فيما أشار آخر إلى أنه لو جرت مصادرة سيارات المواكب التي قصدت التبانة بعد انهيار المبنى الأخير وبيعت بالمزاد، لكان ثمنها يُرمّم كل مبنى متصدّع أو آيل للسقوط في طرابلس والجوار.
لكن المفارقة أن معظم "راكبي الموتسيكلات" والمحتجّين ليسوا من المعنيين مباشرة بالانهيارات، لكنهم يشكّلون بتحركهم حالة ضغط لمساعدة أهالي المنطقة ورفع الحرمان عن طرابلس. لكن البعض حمّل حراكهم فوق ما يجب، من ناحية الإخلال والعبث بالأمن، للتنصّل من واجب المساعدة. ويبقى سهر الجيش وعينه الراصدة لكل تحرّك صمّام الأمان والسلم والسلام في المدينة.
في أعقاب الكارثة الإنسانية، التي شهدتها مدينة طرابلس بسقوط مبنى سكني ثانٍ خلال أسبوعين، وما خلّفه من ضحايا، تصاعدت الأصوات، اليوم الثلاثاء، مُحمّلةً الدولة مسؤولية "الإهمال المتعمد" وداعيةً إلى تحرّك عاجل لوضع حدٍ لسلسلة المآسي المتكررة.
مطالبات بالمساءلة وخطة إنقاذ
أظهرت ردود الفعل تركيزاً على ضرورة تحمّل الدولة مسؤولياتها. فالنائب أشرف ريفي شدّد على أنه "سَيُتابع هذا الملف حتى النهاية... إلى حين تأمين سلامة أهلنا، ومحاسبة المقصّرين، ومنع تكرار المأساة". وإذ شكر ريفي رئيس الجمهورية ووزارة الداخلية على خطواتها، فإنه أطلق تحذيراً واضحاً حول ضرورة "تحويل الوعود إلى أفعال ميدانية سريعة".
من جهته، أشار وفد من مدينة طرابلس، بعد لقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون، إلى أنه "لَمس اهتماماً وألماً كبيرين لدى الرئيس "حيال ما تعانيه المدينة"، مؤكداً أن "طرابلس تعاني تهميشاً مزمناً يتطلّب معالجة جدية". ووجّه الوفد نداءً إلى "جميع أصحاب الإرادة الصالحة للمبادرة إلى المساعدة".

وأشار عون إلى أن الوضع في طرابلس "يتطلّب تضافر جهود مختلف المعنيين والمؤسسات"، رافضاً ما يُقال حول كونها "منطقة منسية أو متروكة من قبل الدولة"، مؤكّداً "إننا نعمل جاهدين لإيجاد السبل الآيلة لحل موضوع المباني المتصدّعة والآيلة للسقوط، والتي تشكل خطراً على الأهالي وتهديداً للسلامة العامة، إلا أن إنجاز هذا الأمر يتطلّب وقتاً وجهداً وأموالاً ".
رفع الصوت ومطالب عملية
انضمّ مفتي الجمهورية السابق محمد قباني إلى الأصوات الداعية للمساءلة، معتبراً أن الفاجعة "لم تكن قدراً محتوماً، بل نتيجة سنوات من الإهمال وغياب الرقابة". وأكّد في بيانه أن ما حدث هو "جرس إنذار وطني" يوضح غياب خطة طوارئ شاملة، منتقداً "حسّ المسؤولية لدى السلطة التنفيذية السابقة والحالية". وأشار إلى معاناة المدينة من "تهميش مزمن" وبنى تحتية مهترئة، داعياً إلى "إرادة سياسية حقيقية لإعادة الحق لطرابلس" ومؤكّداً أن "الحق لا يُعطى وإنما يُؤخذ".
وأصدر "لقاء الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية اللبنانية" بياناً مفصلاً، وصف الحادث بأنه "فاجعة إنسانية وجريمة ناتجة عن التقاعس والإهمال المتعمّد من الدولة". وطالب اللقاء بإجراءات عملية عاجلة تشمل: إعلان حال طوارئ سكنية في طرابلس، وتأمين سكن بديل فوري للعائلات في الأبنية المهددة، وفتح تحقيق قضائي شفاف لمحاسبة المقصّرين، وإنشاء صندوق وطني لترميم الأبنية المتصدعة.
بدوره، اعتبر الوزير والنائب السابق طلال المرعبي أن "الحرمان المتمادي وعدم الاكتراث بمطالب الناس" هما جزءٌ من المشكلة، مطالباً الحكومة بعقد جلسة في طرابلس وتخصيص الاعتمادات المطلوبة، داعياً النواب إلى التحرّك لعرض الأمر على السفارات المانحة مثل المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات والكويت.

نبض