"هيئة شؤون المعوقين" غائبة منذ 2018: شكاوى مزمنة وخدمات متوقفة وموت بطيء!
"نحن نعاني يومياً حالات تحتاج إلى استشفاء ولا يُغطى العلاج. حتى جرحى انفجار المرفأ يموتون ببطء(...)".
في بلدٍ يغرق في قاع أزماته المتراكمة، يحاول اللبنانيون النجاة بما يتيسّر من مقومات الحياة، غير أنّ العبء الأكبر يقع على الفئات الأكثر تهميشاً في المجتمع. إنهم ذوو الإعاقة، أولئك الذين واجهوا ولا يزالون تداعيات الحرب والانهيار المالي وفشل مؤسسات الدولة. هم أصحاب الإرادة الصلبة، الذين يُفترض أن يحميهم القانون الرقم 220 المتعلّق بحقوق المعوقين، وأن يكفل لهم حقوقهم الأساسية في الصحة، والعمل، والتعليم، وتكريس حقهم في التمتع بالحياة. إلا أنّ هذا القانون، بعد مرور أكثر من ربع قرن على إقراره، بقي في معظم بنوده حبراً على ورق، فيما تتفاقم يومياً شكاوى الحرمان وانقطاع الخدمات.
في هذا الإطار، يفرض القانون نفسه إنشاء "الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين" لتكون المرجعية المعنية بتنسيق السياسات العامة ومتابعة تطبيق الحقوق، بالتعاون بين الإدارات العامة والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية. غير أنّ الهيئة غابت عن المشهد منذ انتهاء ولايتها عام 2018، قبل أن تُجرى انتخابات أعضائها مجدداً يوم الأحد 11 كانون الثاني/يناير 2026، ما يثير جملة تساؤلات عن قدرتها على تنسيق عمل جمعيات الإعاقة وتمثيلها الفعلي وتحقيق الحقوق.
توضح رئيسة مصلحة شؤون المعوقين هيام صقر في حديثها إلى "النهار"، أن القانون ينص على أن يترأس وزير الشؤون الاجتماعية هذه الهيئة، وأن تُنتخب من جمعيات المعوقين والمعوقين أنفسهم ممن تجاوزوا سن الحادية والعشرين. وتتألف الهيئة من 18 عضواً، يشارك 4 بحكم وظائفهم في الوزارة، ويعيّن الوزير عضوين، ويُنتخب 12 منهم، بحيث يمثل كل عضو من جمعيات الأشخاص المعوقين وجمعيات الخدمات، فئة من الإعاقات الحركية والبصرية والسمعية والعقلية، إضافة إلى ممثلين للأشخاص المعوقين بصفتهم الفردية عن كل نوع من أنواع الإعاقة.
في ما يخص عمل الهيئة وتنسيقها، تشير صقر إلى أن "الروح الفردية تطغى أحياناً"، وهناك جمعيات وأشخاص غير مقتنعين بدور الهيئة، ما يضعف التضامن، مشيرةً إلى غياب الحماسة والإقبال المحدود على المشاركة في الانتخابات، رغم بذل الجهود الكبيرة في التحضير.
من جهتها، ترى رئيسة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً سيلفانا اللقيس أن "تركيبة الهيئة لا تسمح لها بأداء الدور المنوط بها، علما أنه يفترض أن تلاحق جميع الوزارات المعنية بتطبيق الأجزاء الخاصة بالإعاقة في القانون، لكن هذا الدور لا يمكن أن يُمارس قانوناً، لأن وزارة لا تستطيع أن تملي على وزارة أخرى، كما يُفترض أن تقوم الهيئة دوريا بإعداد تقرير يوضح ما أنجزته، وتدعو جميع الجمعيات إلى مؤتمر لمناقشته، إلا أن هذا الأمر غائب منذ أكثر من عشر سنوات".
في هذا السياق، تعتبر اللقيس أن "الهيئة يجب أن تكون مستقلة، على غرار هيئات وطنية أخرى، بما يتيح لها المراقبة والمساءلة، ومرور 26 عاماً على إقرار القانون من دون تطبيق معظم أحكامه هو دليل على عجز الهيئة عن القيام بدورها الأساسي". وتضيف: "إن الجمعيات واتحادات الإعاقة في العالم تؤدي دوراً سياسياً وتنظيمياً شبيهاً بالنقابات، بوصفها الناطق الرسمي باسم حركة الإعاقة. أما في لبنان، فتعتمد الهيئة أيضاً على تمثيل الأفراد"، وهو ما تعتبره غير منطقي لأن "الفرد لا يعكس رأي الناس بل رأيه الشخصي، ما يضعف العمل الجماعي ويضرب الدور التنظيمي للجمعيات".
هذه الأسباب، دفعت الاتحاد منذ البداية إلى عدم الترشح أو المشاركة في الانتخابات، مع تأكيد اللقيس أن ذلك "ليس مقاطعة للهيئة، بل محاولة لدعمها خارج إطار تركيبتها الضعيفة".
في المقابل، تقول عضو الهيئة ورئيسة جمعية "سيزوبيل" فاديا صافي: "رغم أنّ الحرب والأزمات حالت دون تشكيل الهيئة لفترة، أعادت الوزيرة حنين السيد تفعيلها، وأُجريت الانتخابات بطريقة حضارية وجميلة جداً. وأعتقد أن الكرسي الفارغ لن يعطي نتيجة. رغم أن الوضع صعب، وسهولة التصرف محدودة، ولكن على الأقل يمكننا إيصال صوتنا. ويجب الاستمرار في قرع الأبواب حتى نُحقّق قضيتنا".
في ظل تضارب آراء الجمعيات، تؤكّد صقر أنّ "البعض يفضّل أن تكون الهيئة تحت سلطة مجلس الوزراء، لأن الوزير لا يملك سلطة على سائر الوزارات"، مشيرةً إلى أنّ أولويات الهيئة الجديدة تشمل تعديل القانون رقم 220، مضيفةً أنّه "يمكن أن تطلب الهيئة بعد ذلك تعديل صيغتها وتركيبتها، أو أن تكون تحت سلطة مجلس الوزراء، ولكن هذا يُبحث وفق المعطيات الجديدة".
رغم توقف الخدمات الأساسية منذ عام 2019، لا تنفي الوزارة تقصير الدولة بحجة "الأزمة المالية"، إذ يبدو أن انعكاس هذه الأزمة على مجتمع الأشخاص المعوقين أشد من قدرة الدولة على مواجهة التحديات، مما يُسلّط الضوء على جوهر المشكلة اللبنانية: الاعتماد المزمن على المساعدات الخارجية، غياب الخطط الطارئة، وتمسّك "حليمة" بعاداتها القديمة، في حين يصبح المواطن، وخصوصاً الأكثر ضعفاً، ضحية هذا التقصير المستمر.
نبض