بالصور- الطبيعة تُحيي نبع البياضة... مرجة رأس العين تعود إلى بعلبك بعد غياب 9 أشهر
بعد تسعة أشهر من الجفاف القاسي الذي حوّل صخور بعلبك الكلسية أطلالاً التهمها الغبار، تنفّست المدينة الصعداء. قبل خمسة أيام فقط، عادت مياه نبع البياضة تتدفّق في عروق محلة رأس العين، معلنةً انتهاء واحدة من أصعب دورات الجفاف في العقد الأخير، التي بدأت منتصف عام 2025 واستمرت حتى مطلع 2026.
ذاكرة الجفاف: ثلاث صفعات في عقد
لم يكن هذا الجفاف الأول في تاريخ المدينة، بل الثالث في الذاكرة الحديثة. فبحسب الأرشيف المناخي لبعلبك، سجّلت "البياضة" ثلاث سكتات كبرى خلال السنوات الماضية:
-عام 2016: جفاف أطلق أجراس الخطر للمرة الأولى.
-عام 2018: تراجع حاد في مستوى المياه الجوفية قبل أن تتعافى لاحقاً.
- حزيران/يونيو 2025: الجفاف الأطول والأكثر قسوة، إذ تحولت البركة "صحراء قاحلة" طوال تسعة أشهر، قبل أن تعيد الأمطار والثلوج الغزيرة في مطلع 2026 الحياة إلى مجاريها.

بلغة الأرقام... لماذا تجف البياضة؟
تشير الأرقام إلى فجوة متنامية بين العرض والطلب المائي. فبينما كان النبع يضخ تاريخياً ما بين 400 و600 ليتر في الثانية، انخفض هذا الرقم في ذروة جفاف 2025 إلى الصفر.
يعزو خبراء البيئة هذا الانهيار إلى التغير المناخي وتذبذب المتساقطات وتأخر موسم الثلوج، إلى جانب الاستنزاف البشري الناتج من مئات الآبار الارتوازية في الحوض المغذي للنبع، ما أدى إلى هبوط مستوى المياه الجوفية بأكثر من 15 متراً.
يقول محمد الجمال (55 عاماً) لـ"النهار" وهو يراقب مستوى المياه من خلال "اللبّادة" (القاعدة الحجرية) وسط البركة بانتظار أن تتدفق في مجرى رأس العين كعادتها، لتعيد الحياة الى المرجة والمدينة بأكملها: "منذ صيف 2025 وأنا أتجنب المرور من هنا. رؤية قاع البياضة "متشققاً" كانت كأنها رؤية وجه عزيز غطاه الشحوب. البياضة ليست مجرد مياه، هي بركة بعلبك. حين سمعت خرير المياه قبل أيام، جئت فجراً لأتأكد أنني لست في حلم".
أما عمر، بائع الفول والذرة قرب المتنزهات فيصف عودة المياه بأنها "إنقاذ": "منذ منتصف 2025 تعطلت أعمالنا. السياحة الداخلية في رأس العين تعتمد كلياً على وجود المياه، وعودته اليوم تعني عودة الخبز الى مئات العائلات".
وترى ميرا رعد أن "ما حدث في 2025 يجب ألا يمرّ مرور الكرام، الجفاف لتسعة أشهر متواصلة رسالة تحذير لنا جميعاً. استعادت الطبيعة عافيتها بفضل الأمطار الأخيرة، لكن ماذا لو لم تمطر العام المقبل؟ علينا كشباب أن نتحرك فوراً لمنع حفر الآبار العشوائية".

البياضة... تاريخ يُكرّر نفسه
رغم تسجيل جفاف أعوام 2016 و2018 و2025، فإن الأرشيف يشير إلى أن النبع جفّ أيضاً في ثلاثينات القرن الماضي، غير أن الفارق اليوم هو "التدخل البشري الجائر" الذي يسرّع دورات الجفاف ويضاعف قسوتها.
معبد نبتون في قلب البياضة
يختزن قاع البياضة شواهد من زمن "هيليوبوليس" تؤكد أنها كانت مزاراً مائياً مقدساً، إذ كشفت أعمال التنظيف عن تمثال وبقايا مداميك لمعبد مخصص للإله "نبتون". وتعتبر القاعدة الحجرية وسط البركة الدليل الأبرز على وجود هيكل روماني قديم لتنظيم طقوس المياه، قبل أن تبتلعها القرون الطويلة ولا تترك من المعبد إلا شواهد مبعثرة تقول إن البياضة ليست متنزهاً حديثاً فحسب، بل معبد مياه قديم أعاد تشكيل وجه بعلبك.

اليوم، تفيض البياضة بمياهها النقية، وتستعيد بعلبك جزءاً من هويتها البصرية والروحية. لكن "قيامة البياضة" في مطلع 2026 يجب أن تكون صفّارة إنذار وليست مناسبة للاحتفال فقط، فالمياه التي عادت بفعل "السماء" قد تختفي مجدداً بفعل "الأرض" إذا استمر استنزاف الحوض الجوفي.
لقد بيّضتها البياضة مجدداً، فهل نحافظ على بياضها؟
نبض