في خطوة تشريعية لافتة، برز ملف إجازة الأبوة بعدما تقدّم النائب ميشال الدويهي في 16 كانون الأول/ديسمبر 2025 باقتراح قانون لإضافة مادة جديدة إلى قانون العمل، تُكرّس حق العامل في إجازة لمدة خمسة أيام عند ولادة طفله. هذا الطرح لقي اهتماماً واسعاً لدى عدد كبير من اللبنانيين، لا سيّما الجمعيات الحقوقية والجهات المعنية بقضايا المساواة والعدالة الاجتماعية، باعتباره يعكس تطوراً في مقاربة الأدوار الأسرية داخل مجتمع لطالما حمّل المرأة العبء الأكبر، وحتى شبه الكامل في مرحلة ما بعد الولادة، متناسياً الدور الجوهري للأب في حياة الطفل منذ أيامه الأولى.
استند الدويهي في طرحه إلى التزامات لبنان الدولية في مجال حقوق الإنسان، وخصوصا اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، التي تشجّع على تقاسم المسؤوليات العائلية. وركز الاقتراح الضوء على ثغرة تشريعية قائمة، إذ إن قانون العمل اللبناني كفل إجازة أمومة مدفوعة الأجر، من دون أن يقابلها أي تنظيم قانوني مماثل لإجازة الأبوة، ما يترك الأم وحيدة في هذه المرحلة الدقيقة، ويحدّ من مشاركة الأب الفعلية في الرعاية الأسرية.
غير أنّ اقتراح النائب "التغييري" لم يكن المبادرة الوحيدة في هذا الخصوص، إذ كشف رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر في حديث إلى "النهار"، أن الاتحاد كان قد تقدم بالشراكة مع النائب فادي علامة، باقتراح ينصّ على إجازة أبوة لمدة أسبوعين. ويشرح أن "هذا الاقتراح خضع للنقاش في اللجان النيابية، وأُحيل على الحكومة التي وافقت عليه، وهو الآن في أدراج مجلس النواب".
النائب ميشال الدويهي.
ولكن، بين إجازة الخمسة أيام وعطلة الأسبوعين، يبقى السؤال الأساسي: هل الشركات في لبنان مستعدة أصلاً لالتزام "إجازة الأبوة" في حال إقرارها؟
يقول الأسمر إن التّوصل إلى تثبيت مبدأ إجازة الأبوة ضمن إطار قانوني واضح هو الأهم في المرحلة الأولى، مضيفاً أن "الاتحاد العمالي العام طرح في البداية إجازة أبوة لمدة 15 يوماً، إلا أن الصيغة التي قرّ عليها الرأي لاحقاً اقتصرت على ثلاثة أيام، على أن تضاف إلى قانون العمل، أسوةً بإجازة الوفاة المنصوص عليها".
ويؤكّد أن الاتحاد منفتح على أي صيغة توافقية لعدد أيام إجازة الأبوة، ولو اقتصر الأمر على ثلاثة أيام بداية، نظراً إلى أهمية حضور الأب إلى جانب زوجته ومولوده، متسائلاً في الوقت نفسه عن موقف الهيئات الاقتصادية ومدى استعدادها لقبول إضافة هذه الأيام إلى رصيد الإجازات المعمول به في الشركات.
من جهته، يعبّر نائب رئيس الهيئات الاقتصادية نبيل فهد عبر "النهار" عن تأييده مبدأ إجازة الأبوة، مشدّداً على أنها "حقّ مشروع لا يقل أهمية عن إجازة الأمومة". ويشير إلى أنه "لا يمكنه التحدث باسم جميع الشركات، إذ من الطبيعي أن تتباين الآراء، خصوصا أنه لم يتم البحث في هذا الاقتراح رسمياً"، لافتاً إلى أن "وزارة العمل كانت قد أعدّت مشروع قانون عمل جديد وأبدت الهيئات الاقتصادية رأيها فيه، من دون أن يتضمن نصّاً حول إجازة الأبوة".
مع ذلك، يتوقع فهد ألا يواجه طرح إجازة الأبوة لمدة خمسة أيام، مع اعتماد التنسيق مع الإدارات والمرونة في التطبيق، أيّ اعتراض، "بل قد يحظى بدعم واسع، إلا أن الموقف النهائي يبقى رهنا بالصيغة التي ستُطرح بها المادة عند مناقشتها". ويشدّد على أن المرونة في الطرح تُسهّل تقبّل الفكرة، "كأن تُعطى الإجازة على مراحل أو في فترات متباعدة مع أخذ الإجازات السنوية في الاعتبار، بما يفرض إيجاد توازن دقيق بين متطلبات العمل داخل المؤسسة من جهة، والضرورات العائلية من جهة أخرى".
من الزاوية الحقوقية، تعتبر المحامية نور درويش أن وجود الأب في حياة الطفل منذ اللحظة الأولى لا يقلّ أهمية عن وجود الأم. وترى أن خمسة أيام لا تكفي لتحقيق الغاية المرجوة من إجازة الأبوة، مشيرةً إلى أن "الثقافة السائدة داخل عدد من الشركات لا تزال غير مهيّأة للاعتراف بدور الأب شريكا فعليا في الرعاية". وتلفت إلى أن بعض المؤسسات تتحفّظ أساساً عن توظيف النساء بسبب الحمل وإجازة الأمومة، ما يطرح علامات استفهام حول مدى استعدادها لتقبّل إجازة إضافية للأب.