بيانات رئاسية امتصت اندفاعة المرحلة الثانية... الفرزلي: لإجماع وطني على حصر السلاح
انتقل مجلس الوزراء في جلسة الأخيرة من مرحلة حصر السلاح الأولى إلى الثانية، بأقل قدر ممكن من الترددات السلبية، وأمسك العصا من الوسط مع إبقائه ربط النزاع جنوب الليطاني باستمرار الاحتلال والاعتداءات. فكيف تم التوصل إلى ذلك المخرج الذي استعاد في بعض ثناياه ما رافق جلسة 5 أيلول/ سبتمبر الفائت؟
قبل بدء جلسة الحكومة بنحو ساعة، أصدرت قيادة الجيش بياناً وافياً عما أنجزته جنوب الليطاني التزاماً لقرار الحكومة في 5 آب/ أغسطس الفائت.
ذلك البيان مثّل المدماك الأول لسلسلة بيانات رئاسية تحصن توجهات الجيش وتتبنى من دون مواربة خطته العملانية، لكونه الأدرى بالشأن الميداني وتعقيداته، بغض النظر عن توجهات قوى سياسية كانت تستعجل تحديد موعد نهائي لحصر السلاح في لبنان، وهو الأمر الذي لم يكتمه وزراء "القوات اللبنانية" والكتائب. وقد وزّع الوزير "القواتي" جو عيسى الخوري الاقتراح المكتوب على الصحافيين في قصر بعبدا بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء، وتضمن تحديد مهلة تنتهي في 31 آذار/ مارس لإنجاز حصر السلاح كاملاً.
استبقت الاتصالات جلسة الحكومة، وتكثفت للتوصل إلى مخرج وسطي لا يلزم الجيش مهلا زمنية، وفي الوقت عينه لا يدير الظهر للمراحل المتبقية من خطته. وكان لافتاً استخدام عبارة في المقررات تؤكد أن مجلس الوزراء "شدد على مواصلة تنفيذ الخطة (حصر السلاح) بمراحلها كافة وبالسرعة الممكنة".
فالحديث عن "السرعة الممكنة" سيخضع للظروف الميدانية، وبالتالي يحرر الجيش من أي مهلة. وفي السياق، كان تأكيد من رئيس الجمهورية لأحد الوزراء أن المهلة يحددها الجيش وفق الميدان، علماً أنه تردد أن عون شرح الأمر لأحد الوزراء مؤكداً صعوبة التزام مهلة الشهرين التي كان فريق سياسي يريد إضافتها إلى مقررات الحكومة.
وكان واضحاً أن الاتصالات والمشاورات امتدت أياما قبل الجلسة لإيجاد المخرج لمعضلة المرحلة الثانية، فصدر بيان الجيش قبل الجلسة بما تضمنه من شرح واف لما قام به، وإن يكن هناك تحفظ لقوى مؤثرة في عملية حصر السلاح عن استخدام عبارة "الجماعات المسلحة" التي فيها تجاوز لكل ما أنجز من تحرير للجنوب خلال السنوات الماضية ودُفع من أجله ثمن باهظ لمواجهة الاحتلال.
حصر السلاح وحصر السيادة
المواقف التي سبقت جلسة الحكومة وتزامنت معها، تتقاطع مع مندرجات القرار الدولي 1701. ويلفت النائب السابق لرئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي إلى أن بيان رئيس الجمهورية تضمن بوضوح ما نص عليه القرار الدولي لجهة وقف الأعمال العدائية. ويوضح لـ"النهار" أن "إمساك الجيش بالسلاح جنوب الليطاني يجب أن يتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية وإطلاق الأسرى ووقف الاعتداءات، تماماً كما أشار الرئيس عون في بيانه، والانتقال إلى المرحلة الثانية يكون بعد إتمام المرحلة الأولى باستكمال مهمة الجيش وانتشاره على طول الحدود إثر الانسحاب الكامل لجيش الاحتلال".
لكن الفرزلي يشير إلى أن "مرحلة احتواء السلاح من خلال وضعه تحت إمرة الدولة تعني عملية بدء تطبيق استراتيجية الأمن الوطني، وهذا هو الطريق السليم لحصر السلاح وحصر السيادة، ولا بد من إجماع وطني على تلك الخطوات وبالتحديد في شأن حصر السلاح وحصر السيادة".
وبحسب معطيات متقاطعة، فإن التوجه الرئاسي سواء لجهة عدم القرار الواضح بالانتقال إلى المرحلة الثانية أو ربط المرحلة الأولى بالانسحاب الإسرائيلي، كان حاضرا في المشاورات للتوصل إلى صيغة مقبولة وتنزل الجميع عن شجرة الأوهام إلى الواقع، وفق ما أعلنه الجيش في أكثر من تقرير سابق.
ولم يكن بيان الجيش بعيداً من اجواء المشاورات، وقد أطلعت قيادته الرؤساء على المحددات الحاكمة لجنوب النهر وشماله، وبعدها كان توجه نحو موقف رئاسي مشترك يواكب بيان الجيش ويبني عليه ويقدم الدعم الكامل للقيادة العسكرية، ولكن قرّ الرأي على إصدار بيانات منفصلة تزامنت مع انعقاد الجلسة، افتتحها رئيس الجمهورية في التوقيت الذي كان فيه قائد الجيش العماد رودولف هيكل يواصل عرض ما أنجزه الجيش داخل الجلسة.
أما المآخذ، فكانت على القبول بحصر السلاح جنوب الليطاني مع استمرار سلاح الاحتلال ظاهراً وموجهاً ضد اللبنانيين في النقاط السبع المحتلة.
لكن ما نُظر إليه إيجاباً في البيانات أنها لم تذكر شمال الليطاني، وبالتالي كان توافق بين الأطراف المعنية على إسقاط المهل الزمنية، وتأكيد رسمي أن الجيش لا يمكن أن يتصدى لحصر السلاح شمال الليطاني كما كانت الحال في جنوبه.
في المحصلة، التفاهمات السياسية انتصرت على الضغوط الخارجية، وإن مرحلياً، في انتظار ما سيحمله الموفدون العرب والأجانب الأسبوع المقبل، وأسقطت التفاهمات الرهانات التي سبقت الجلسة وكانت تستسهل تحديد مهلة زمنية لإنهاء المرحلة الثانية.
نبض