مسار الأرمن في لبنان... أقلية ثابتة في زمن التحولات

لبنان 06-01-2026 | 17:07

مسار الأرمن في لبنان... أقلية ثابتة في زمن التحولات

 يشكّل الأرمن في لبنان نموذجاً لجماعة حافظت على هويتها الخاصة من دون أن تنفصل عن وطنها
مسار الأرمن في لبنان... أقلية ثابتة في زمن التحولات
ساحة الشهداء (حسام شبارو)
Smaller Bigger

في السادس من كانون الثاني/يناير من كل عام، يحتفل الأرمن الأرثوذكس بعيد ميلاد السيد المسيح، على خلاف معظم الطوائف المسيحية التي تعتمد الخامس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر. هذا التاريخ ليس تفصيلاً طقسياً فحسب، بل يحمل في طياته دلالة عميقة على تمسّك الأرمن بتقاليدهم الدينية والتاريخية، إذ تعود جذوره إلى القرون الأولى للمسيحية، حين كان السادس من كانون الثاني يوم الميلاد والغطاس معاً.

 

 ومن أرمينيا التي لم تغيّر هذا التقليد، إلى لبنان الذي احتضن الأرمن منذ قرون، تتقاطع قصة الإيمان مع حكاية اللجوء والانتماء في مسارٍ تاريخي طويل جعل من لبنان محطة أساسية في حياة هذا الشعب منذ ما قبل الإبادة الأرمنية في 1915-1916

 

 

لمحة عن تاريخ الأرمن في لبنان
منذ قرون، استقر بعض الأرمن في مناطق مثل غزير، زغرتا، بشري، طرابلس، زوق مكايل ودير القمر. وشكّل دير بزمّار، المشيّد عام 1749، أحد أبرز المعالم الأرمنية الكاثوليكية، إذ لا يزال حتى اليوم مركزاً دينياً وثقافياً مهماً ويعتبر المركز الإداري لكل الأرمن الكاثوليك حول العالم .

 

عام 1832، دخلت الى جبل لبنان موجة من المهاجرين الأرمن. وعندما أقرت المتصرفية كنظام إداري، تولى منهم الحكم متصرفان أرمنيا الأصل، هما غارابيت أرتين باشا دافيديان المعروف بداوود باشا وهو المتصرف الأول، (1861 – 1868 (والمتصرف الأخير أوهانس قيومدجيان باشا المعروف بأوهنس باشا (1912 – 1915).

 

إلا أن التحوّل الأكبر في التعداد الأرمني حصل خلال الحرب العالمية الأولى، إذ لجأ ما بين عامي 1915 و1916 نحو أربعين ألف أرمني إلى لبنان هرباً من الإبادة التي ارتكبتها السلطات العثمانية. كما وصلت عام 1939 موجة ثانية قدرت بنحو عشرين ألفاً، وذلك من لواء إسكندرون وهي منطقة بأقصى شمال غرب سوريا ضمتها تركيا اليها آنذاك. ومنذ ذلك الحين، ترسّخ الوجود الأرمني ضمن النسيج اللبناني.
رغم غياب إحصاءات رسمية، يُقدَّر عدد الأرمن اليوم بنحو 160 ألف نسمة، أي نحو 4 في المئة من سكان لبنان، بعدما كان العدد يتراوح بين 250 و300 ألف قبل الحرب الأهلية، بحسب موقع السفارة الأرمينية في لبنان. ينقسم الأرمن بين الأرمن الأرثوذكس الذين يشكلون الأغلبية، ثم الأرمن الكاثوليك فالإنجيليين، وينتشرون بشكل أساسي في بيروت وضواحيها، ولا سيما في برج حمود المعروفة بعاصمة الأرمن، إضافة إلى عنجر في البقاع. وقد مُنح الأرمن الجنسية اللبنانية عام 1924، ما عزّز اندماجهم القانوني والاجتماعي في الدولة.

 

الحضور السياسي والاجتماعي
للأرمن حضور سياسي بارز، حتى قبل ان ينال لبنان استقلاله، إذ حصلت الطائفة الأرمنية الأرثوذكسية للمرة الأولى على مقعد في البرلمان اللبناني عام 1934، مثّله وهرام ليليكيان. وفي سنة 1960 عُيّن أول وزير أرمني في الحكومة اللبنانية وهو خاتشيك بابيكيان عام 1998، تم تشييد مبنى سفارة جمهورية أرمينيا في لبنان وذلك بفضل دعم الجمعية الخيرية الأرمنية العامة.

 

حالياً، يبلغ عدد الناخبين الأرمن نحو 104,000 ناخب، أي نحو 2.6 في المئة من مجموع الناخبين. ويمثلهم في البرلمان اللبناني ستة نواب موزعين على بيروت الأولى، المتن الشمالي وزحلة. ويُعدّ حزب "الطاشناق" القوة السياسية الأساسية في صفوفهم، وهو حزب تأسس عام 1890 في جورجيا بهدف النضال ضد ما يسميه الأرمن "الطغيان العثماني التركي".

 

اجتماعياً، نجح الأرمن في بناء مجتمع نابض بالحياة، قائم على شبكة واسعة من الكنائس، الأديرة، المدارس، النوادي الثقافية والرياضية، والمؤسسات الخيرية. ويضم لبنان اليوم 25 مدرسة أرمنية تعتمد المنهج الرسمي اللبناني مع الحفاظ على تعليم اللغة والثقافة الأرمنيتين. كما تُعد جامعة هايغازيان، التي تأسست عام 1955، الجامعة الأرمنية الوحيدة في الشرق الأوسط،وتشكل صرحاً أكاديمياً بارزاً.

 

أما على صعيد العمل، فللأرمن دور فاعل في التجارة والصناعات اليدوية، لا سيما في المجوهرات، الأحذية والحقائب، إضافة إلى الزراعة والفنون، ما جعل مساهمتهم ملموسة في الاقتصاد اللبناني.

 

القضايا التي يطالب بها الأرمن
رغم موجات الهجرة المتتالية للأرمن الى أرمينيا، أوروبا وأميركا، لا سيما خلال الحرب الأهلية، حافظ آلاف الأرمن على جنسيتهم اللبنانية وقيودهم الانتخابية. وتبقى القضية المركزية لهؤلاء في لبنان، كما في العالم، هي الاعتراف بـ"الإبادة الجماعية" وبالأحداث التي تعرض لها أجدادهم، اذ يستذكرونها سنوياً يوم 24 نيسان/أبريل الذي يعرف "بيوم الشهيد الأرمني".

 

في المحصلة، يشكّل الأرمن في لبنان نموذجاً لجماعة حافظت على هويتها الخاصة من دون أن تنفصل عن وطنها. وبين عيد الميلاد في السادس من كانون الثاني/يناير، وذاكرة الإبادة والشتات، يستمر الأرمن في كتابة فصلٍ ثابت من تاريخ لبنان المتعدد.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/7/2026 4:53:00 PM
المسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع.
كتاب النهار 1/6/2026 4:13:00 AM
منذ أكثر من عام تتعرّض دولة الإمارات لحملة إعلامية ممنهجة، بدأت بهمسٍ خافت، ثم تصاعدت تدريجاً عبر منصات متفرقة، قبل أن تصل اليوم إلى مرحلة الصراخ العلني. وهذا ليس مصادفة...
لبنان 1/7/2026 2:04:00 PM
فضل الله: رجي لا يميز بين انتمائه إلى المجلس الحربي، وكونه موظفاً في مجلس الوزراء