300 ألف لبناني يعيشون في فنزويلا وحقبة الهجرة قديمة... حضور لبناني متميّز بات جزءاً من النسيج المجتمعي
ربما ليس دقيقاً اعتماد توصيف "لبنانيون مغتربون في فنزويلا"، لكون الهجرة اللبنانية إلى هذا البلد قديمة، لا بل تعود إلى ما قبل انشاء لبنان الكبير.
من هنا، يصعب التدقيق بالأرقام لصعوبة التدقيق في جذور اللبنانيين المتواجدين في فنزويلا.
هكذا، يصبح رقم الـ300 ألف لبناني يعيش في فنزويلا، رقماً ضخماً، إلا أنه يرتبط بحقبة زمنية طويلة تعود إلى ما قبل الاستقلال.
حتى إن معلومات رسمية تفيد أن "هناك 340 ألف فنزويلي – لبناني، ومعظمهم يعيشون في كاراكاس العاصمة".
بدأت الهجرة اللبنانية إلى فنزويلا أواخر القرن التاسع عشر إثر قرار المتصرّف تسهيل هجرة اللبنانيين. وكان للبنانيين تأثير على الثقافة الفنزويلية، لاسيما في مجالي الطعام والموسيقى، حتى إن عدداً كبيراً من الشخصيات اللبنانية الفنزويلية وصلت إلى مناصب سياسية، ديبلوماسية واقتصادية بارزة.
يكشف الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين أن "عدد الـ300 الف لبناني في فنزويلا ينبغي أن يربط بالفترة الزمنية التي هاجر فيها هؤلاء إلى فنزويلا، إذ في الإحصاء والتدقيق، هم لبنانيون وسوريون، لكون الأمر بدأ قبل إنشاء لبنان الكبير، وبات لهؤلاء اندماج اجتماعي بارز، كما انهم تبوؤوا مراكز مهمة وساهموا في الكثير من المجالات في فنزويلا".
لذلك، وفق شمس الدين، "ليس دقيقاً إحصاء عدد اللبنانيين الذين يمكن اعتبارهم مهاجرين إلى فنزويلا، فالهجرة إلى هناك لم تكن على غرار البلدان الأخرى، حتى إنه في فترات لاحقة، لم تشهد موجات هجرة كما يحصل عادة".
وكانت الأواصر العائلية العامل الأساسي الذي يزيد من أعداد اللبنانيين هناك، ومن بينهم كثر يعتبرون أن فنزويلا هي "بلدهم الأصلي".
الحضور اللبناني
الحديث عن الحضور اللبناني في فنزويلا يرتبط بالحقبة التي تواجد فيها اللبنانيون هناك، ولاسيما في العاصمة كراكاس. واللافت أن ثمة جالية لبنانية كبيرة ومؤثرة، ويقدّر عددها، في كاراكاس، بمئات الآلاف. فهم هاجروا منذ أواخر القرن التاسع عشر ولعبوا دوراً مهماً في الاقتصاد والثقافة، وشكلّوا جزءاً من نسيج المجتمع الفنزويلي.
مجالات كثيرة برع فيها اللبنانيون هناك، وأكثرهم نجح في بناء مؤسسات خاصة بهم، فيما عملوا، تحديداً، في قطاع المطاعم ومجالات التجارة والمال، السياسة، حيث برزوا كوزراء ورجال أعمال، بالإضافة إلى قطاعات متنوعة كالنفط، صناعة الاغذية، المنسوجات، الخدمات، وأصبح لهم حضور قوي في مختلف القطاعات الحيوية في فنزويلا.
وقد نقلت "فايننشال تايمز" أن " تاريخاً طويلاً من الهجرة عرفه لبنان إلى أميركا اللاتينية. وجزء من هذا الشتات الضخم بدأ منذ القرن التاسع عشر وهم رجال أعمال لبنانيون يبحثون عن تعزيز ثرواتهم في الخارج، لاسيما أن فنزويلا كانت تعرف بغناها بالنفط".
وتشير إلى أن "الحضور اللبناني في فنزويلا بارز، اذ إن اللبنانيين تغلغلوا في الحياة الاقتصادية على نحو جعلهم يمثلّون عصب الاقتصاد هناك".
إلا أن الأزمات السياسية – الاقتصادية التي عرفتها فنزويلا بدءاً من العام 2018، اثرّت سلباً على الوضع المعيشي هناك وارتفاع التضخم وتآكل القدرة الشرائية وانهيار العملة الوطنية، في مشهد يشبه تماماً ما عرفه لبنان لاحقاً.
هذه الأزمة دفعت بلبنانيين كانوا قد ترّبوا في فنزويلا وعاشوا فيها أعواماً طويلة، إلى العودة إلى بلدهم لبنان.
وبحسب أرقام السفارة الفنزويلية أن " نحو 12 ألفاً من مواطنيها مسجلون في لبنان، قد غادروا بالفعل نتيجة الأزمة المالية التي مرت بها فنزويلا سابقاً، لكن لا توجد إحصائيات حول عدد اللبنانيين أو عدد غير المسجلين".
ولعلّها مفارقة أن هؤلاء عادوا وعاشوا أزمة مماثلة في بلدهم لبنان، بعدما خسروا مصالحهم في فنزويلا. وكأن "القدر اللبناني" رافقهم مرتين!
نبض