40 عاماً وخطاب السادة واحد... هل يفصل "حزب الله" السياسة عن "الجهاد"؟
كثرت الرهانات بشأن استراتيجية "حزب الله" في مرحلة ما بعد الهدنة جنوبي لبنان، علّ نتيجة حرب الإسناد تشكل مدخلاً لنقد ذاتي وبداية لإعادة قراءة دوره في الإقليم اثر سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد وفي الداخل اللبناني. فأي "حزب الله" ينتظر اللبنانيين؟ والأهم، هل يمكن لـ"حزب الله" أن ينخرط في العمل السياسي بعيداً عن "الجهاد"؟
في كتابه "حزب الله المنهج، التجربة، المستقبل"، يشرح الشيخ نعيم قاسم معنى الجهاد في الإسلام، والذي بُني على أسس معينة، منها الجهاد في سبيل الله، وفي مصلحة الإنسان، وبالتالي هو سلوك أساسي في حياة المسلم، وصولاً إلى الجهاد الدفاعي، الذي يقرره الولي الفقيه، بناء على الحالة التي ينطبق عليها عنوان الجهاد الدفاعي، فيحدد قواعد المواجهة وضوابطها، ورأيه ملزِم.
ويقول قاسم في كتابه، "قد يؤدي قرار الجهاد إلى صدّ العدوان والتحرير، وقد لا يؤدي إلى هذه النتيجة في المدى المنظور، فهل يتوقف الأمر بالجهاد على الانتصار الحتمي والمضمون؟ وهل يرتبط بحدود معينة للتضحيات؟
هنا، يدخل قاسم في المفهوم الواسع للجهاد، ليخلص إلى أن أفق النتائج السريعة والمباشرة يعود التقدير فيه للولي الفقيه. ويضيف: "فقد يكون الجهاد مطلوباً للتأكيد على الحق والتأسيس له من دون توخي النتائج العملية المباشرة... وقد يكون عملاً طويل المدى تتفاوت فيه التضحيات وتتراكم من مرحلة إلى أخرى ليصل إلى النصر"، مؤكداً أنّ "نتائج الجهاد لا تتحقق إلا بعطاءات الشهداء والأسرى والجرحى".
في الموازاة، وفي إطار حديثه عن "المقاومة والعمل السياسي"، ينتقل قاسم من مرحلة ساد فيها الخوف من "ضياع المقاومة عند الاهتمام بالعمل السياسي" إلى مرحلة أخرى قَويَ فيها عود هذه المقاومة، لتتركز صياغة تعريف "حزب الله" بما يقطع الجدل ويحسم العلاقة بين الجهادي والسياسي، فـ"حركة "حزب الله" حركة جهادية هدفها بالدرجة الأولى جهاد العدو الصهيوني، وأن الجهد السياسي الذكي والحكيم يستطيع و"يجب" ان يكون السند والدعم لهذه الحركة الجهادية".
انطلاقاً مما تقدم، يحسم الشيخ نعيم قاسم أي جدل في هذا السياق. فالحزب الذي تأسس على الجهاد، لا يفصل بين السياسي والجهادي، بل حوّل السياسة إلى وسيلة لتطبيق مشروعه الجهادي بطرق مختلفة. وهذا يؤكد بالعمق أن لا فرق بين الجناح العسكري والجناح السياسي للحزب.
معلوم، أن "الحزب" قرر بدء الانخراط في العمل السياسي في بداية التسعينيات، لتخرج فتاوى تعتبر العمل السياسي كجزء من خدمة المشروع الذي يسعى إليه. لكن السؤال الأهم، هل تيقن "الحزب" يوماً لإمكانية أن يكون فقط حزباً سياسياً من دون سلاح؟
يستبعد رئيس تحرير موقع "جنوبية" علي الأمين خروج "حزب الله" من الحيز والإطار العقائدي، فالحزب ليس بوارد التخلي عن العمل المقاوم لأنه يتنافى مع جوهر ومعنى وجوده".
واذ يذكر الأمين في حديث لـ"النهار"، بأن "الحزب لم يقدم نفسه لو لمرة واحدة كحزب سياسي بقدر ما قدّم نفسه كمنظمة جهادية، مقاوِمة، هدفها تحرير القدس، وترتبط بولاية الفقيه، ولديه مشروع متكامل من مؤسسات ومراكز ذات طابع توجيهي عقائدي".
في المقابل، ينطلق استاذ العلوم السياسية والقانون الدولي علي فضل الله من التعديات والخروقات الإسرائيلية المتكررة للسيادة اللبنانية لتبرير استمرار "حزب الله" في العمل المقاوِم.
ويجزم بأن "لا تراجع ولا تغيير في النهج القائم"، مستبعداً تخلي الحزب عن مشروعه المقاوم، لا بل سيتم بلورته وتطويره أكثر، والاستفادة من العبر وتقييم ما حصل خلال الحرب، خصوصاً أن الحزب لا يقرأ انسحابه الى شمال الليطاني بأنه قرار تراجع".
ويؤكد فضل الله لـ "النهار" أن المقاومة لن تتوقف، وحجم الخبرة العسكرية المحققة مما جرى بات هائلاً جداً". وبرأي فضل الله، "سيتم استقطاب قادة جدد أكثر شباباً وأكثر حماسة، وأكثر رغبة في التعلم والانتقام مما حصل، لأن التهديد الإسرائيلي قائم ومستمر، الأمر الذي يستدعي مزيداً من التجهيز والتخطيط للسنوات المقبلة".
ويعتبر أن "الجانب الجهادي وفق وجهة نظر "حزب الله" قائم على الضرورة، بسبب وجود عدو متاخم للحدود. وقد تم إجبار أهل الجنوب على المقاومة والدفاع عن أنفسهم بسبب تقصير الدولة، والشعور بفقدان الحماية".
تداعيات الـ1701 ووظيفة السلاح... إلى الداخل
هذه المعطيات، بحسب الأمين، لابد من ان تطرح سؤالاً مهماً بشأن كيفية تطبيق القرار 1701 وآلية تنفيذه، واتفاقية وقف إطلاق النار التي تشرف عليها لجنة ترأسها أميركا "الشيطان الأكبر" في قاموس "الحزب"، والتي هي تقرر كيف سينفذ هذا القرار.
ويبدي الأمين خشيته من تداعيات الاتفاق وانتقال الحزب أمنياً الى الداخل، وهنا يكمن الخطر الموضوعي، المتمثل بوظيفة السلاح وأسباب وجوده، علماً أن السلاح الاستراتيجي لمحاربة اسرائيل سيتم نزعه، ليس في منطقة جنوب الليطاني فقط بل في أي نقطة تبلغها اسرائيل انطلاقاً مما تمتلك من حرية العمل كما هو معلوم داخل لبنان، والقدرة في الرصد الجوي، فيما الاتفاق سيطبقه الاميركي".
وباعتقاد الأمين، لا جدوى من بقاء السلاح، إذ بمجرد قبول حزب الله بخطوة الابتعاد عن الحدود والأراضي المحتلة، فهذا إلغاء لوظيفة سلاحه".
فضل الله لا يبدو متماهياً مع الأمين، إذ يدعو الى "عدم الابتعاد عن الواقع، فالحرب كانت حرب 10 أيام من الإنجازات الاسرائيلية، و 60 يوماً انجازات للمقاومة على المستوى الثبات البري"، مذكّراً بأن "الاسرائيلي في اجتياح 1982 تمكن من الوصول الى بيروت خلال 5 أيام، أما حالياً، فبعد مرور شهرين على الحرب، لم يتمكن من أن يسيطر على قرية واحدة بشكل فعلي، هو ينفذ غارات ونقاط تسلل فقط".
السياسة في خدمة "المشروع المقاوم"
بالموازاة، لا شك ان "حزب الله" مستمر في عمله السياسي، ولكن، يتحدث الأمين عن الخطر الأكبر، وهو "تسلط الحزب على الداخل، إذ إن كلام أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم عن اتفاق الطائف لم يكن واضحاً، فهو قال إنه سيبقى على مواقفه الداخلية ولن يغيرها وتمسك بالمعادلة الثلاثية "شعب جيش مقاومة"، أي أنه يرفض التغيير في الوضع الداخلي، ولم يتحدث عن بناء البلد، حتى أنه يرفض تحمل ولو جزء صغير من مسؤولية ما حصل في لبنان، وهو ليس راغباً أيضاً في إجراء قراءة ذاتية أو إعادة للحسابات".
ولا يلمس الأمين أي مؤشرات صلبة من "حزب الله" بأنه في وارد التغيير في سياسته، هو لا يتوعد إسرائيل بل يتوعد الداخل، فيتنازل لأميركا وإسرائيل ولا يتنازل للداخل".
المستقبل
هذا المعطى، يطرح سؤالاً عن كيفية سيكون خطاب "الحزب" في المستقبل، وكيف سيبرر وجود سلاحه، فالإيراني بحسب قول الأمين، "اضطر لبيع "حزب الله" بعد خيارات صعبة وضعته بين الدخول في حرب مباشرة أو التخلي عنه، في وقت لن يقبل "حزب الله" بالتخلي عن سلاحه الداخلي من أجل مشروع الدولة. وهو عاجز عن الدخول في مشروع الدولة، وربما سيعود الى مقولة "المظلومية الشيعية"، خدمة لسلاحه ومشروعه".
ويعود الأمين إلى مراحل تأسيس "حزب الله" ووظيفته الإيرانية التي أرادته في وجه اسرائيل وكقوة أمنية تستخدمه في عدة دول، لذلك هو لم يحضّر نفسه سياسياً، وهو دائماً يقول للبنانيين "دورنا مقاومة"، فقط لا غير". حتى في موضوع الفساد، كان "الحزب" يميز نفسه وقائده السيد حسن نصرالله الذي هو "غيرهم".
ويتمنى الأمين خروج "الحزب" من الوضعية الأمنية المقيدة له، ولكن لا يراه مهيأً لذلك بتربيته وايديولوجيته وبتعبئته وكوادره ومؤسساته وفي كل تفاصيل عمله، فـ"هو يذهب في كل شيء لتوظيفه في مشروع المقاومة، والحزب حتى الساعة ليس لديه رؤية سياسية لبناء الدولة، ولا رؤية بالاقتصاد وكيف يتم بناء الدولة وهو يطالب بالحوار بلا رؤية."
فضل الله بدوره، ذهب بعيداً رافضاً ما يحكى عن "اتفاق أميركي - إيراني حول تحويل "حزب الله" إلى حزب سياسي، فالإيراني لا يتدخل في هذه الجوانب وبهذه الطريقة المباشرة".
ويضيف: "اتفاق الطائف لا يلغي المنظمات المسلحة، وهو أكد موضوع التحرير والمقاومة، والبيانات الوزارية أكدت ذلك، والحل يكون لمن يرغب، بالدعوة إلى تسليح الجيش اللبناني بأسلحة نوعية تمكنه من المواجهة".
تحديات كبيرة تنتظر "حزب الله"، على ضوء نتائج الحرب الأخيرة السلبية على بنيته العسكرية والأمنية، وقد تكون على بنيته الشعبية، وبالتالي، نحن أمام واقع جديد يفترض الانتقال من معادلة إلى أخرى، معادلة يكون فيها منطق الدولة هو الأولوية.
نبض