خريف العمر خلف جدران "الكرامة" في سوريا: حين يصبح البيت ذكرى

تحقيقات 04-11-2026 | 14:45

خريف العمر خلف جدران "الكرامة" في سوريا: حين يصبح البيت ذكرى

قد تكون الدار بالنسبة إلى بعض المقيمين ملاذاً لم يختاروه في البداية، لكنها أصبحت مع الوقت مكاناً وجدوا فيه الصحبة والرعاية. في المقابل، تظل قصصهم تذكيراً بأن وجود العائلة لا يعني دائماً وجود من يحتضن، وأن البيت لا يُقاس بجدرانه وحدها، بل بمن يفتح بابه حين تضيق الحياة.
خريف العمر خلف جدران "الكرامة" في سوريا: حين يصبح البيت ذكرى
ضحكات مقيمين في دار الكرامة (النهار- مروة البرغش).
Smaller Bigger

مروة البرغش – دمشق

"لما كنت ببيتي" عبارة تتكرر على ألسنة مقيمين في "دار الكرامة لرعاية المسنين" في دمشق، كلما عادوا بذاكرتهم إلى حياتهم السابقة. لا يحتاجون إلى شرح طويل ليرسموا المسافة التي تفصل بين ما كانوا عليه وما صاروا إليه؛ يكفي أن يستعيدوا البيت، والأهل، والأيام التي ظنوا أنها ستبقى لهم.

 

زيارة واحدة إلى دار للمسنين قد تدفع الزائر إلى إعادة التفكير في معنى البيت والعائلة والأمان. فليس كل من دخل هذه الدور تخلى عن منزله باختياره، وليس كل من وجد فيها مأوى وصل إليه بعد أن استنفد سنوات عمره. بعضهم خسر بيته في الحرب، وبعضهم فقد شريك حياته، وآخرون وجدوا أنفسهم وحيدين بعدما ابتعد عنهم أقرب الناس إليهم.

 

في سوريا، زادت الحرب والدمار والفقر وفقدان المعيل من قسوة هذه الحكايات. وبين جدران "دار الكرامة"، تتقاطع تجارب نساء ورجال حمل كل منهم ماضيه معه، وحاول أن يجد في المكان الجديد ما يعوّضه، ولو جزئياً، ما خسره.

 

بيتٌ وزوجٌ لم يبقَ منهما شيء

تعيش مريم ميمونة في "دار الكرامة" بعدما فقدت زوجها ودمّر منزلها في مخيم فلسطين، فيما سافرت ابنتها إلى مصر مع زوجها. تتذكر المدة التي سبقت وصولها إلى الدار بوصفها مرحلة قاسية فقدت خلالها الرغبة في الحياة.

 

تقول لـ"النهار": "لما قدمت لهون، فقدت زوجي ودمّر بيتي بمخيم فلسطين، وحياتي أصبحت عدم. كرهت الدنيا، كرهت الحياة، ما عدت أعرف النهار من الليل. بس شو عايشة؟ أكلي شقفة خبزة، وكنت جلدة وعظمة".

 

لم يكن انتقالها إلى الدار سهلاً. كانت لا تزال متعلقة ببيتها وأغراضها وذكرياتها مع زوجها، ولم تكن مستعدة لفكرة أن تقضي ما تبقى من عمرها بعيداً عن المكان الذي عرفته منزلاً لها.

 

تروي أن شقيقها أخبرها أن زوجته لا ترغب في وجودها في المنزل، وأنها قد تزعج أهل البيت. وحين احتجّت بأن بيتها وزوجها قد رحلا، جاءها الرد، بحسب روايتها: (ماحدا راح غير بيتك وزوجك). 

 

أخبروها أنهم سيأخذونها إلى مكان تتوافر فيه احتياجاتها الأساسية، من الطعام والشراب إلى النوم والراحة، وأنها تستطيع العودة إذا لم يعجبها المكان.

 

تقول مريم إنها حزنت في البداية، لكنها بدأت تتأقلم تدريجاً، وشاركت في النشاطات، ووجدت ما يشغل وقتها ويساعدها على استعادة جزء من توازنها النفسي.

 

 

وتضيف: "جيت لهون وعلقت، وقعدت هون، ولحالي صرت منيحة واندَمَجت، وحياتي سعيدة جداً داخل الدار".
ولم تنقطع صلتها بالماضي تماماً؛ فما زالت الأغاني تفتح لها نافذة على أيامها السابقة، ولاسيما منها أغاني عبد الحليم حافظ.

 

تقول: "بحب أتصبّح بعبد الحليم. من وقت ما كنت ببيتي كنت حب أتصبّح فيه، بنبسط وقت أسمع صوته".

 

بين بيت دمّره القصف وزوج غيّبه الموت وعائلة لم تجد لها مكاناً لديها، تحاول مريم أن تصنع لنفسها حياة جديدة. لا تقول إنها نسيت ما حدث، لكنها وجدت في الدار مساحة استطاعت فيها أن تستعيد شيئاً من رغبتها في العيش.

 

مقيمون داخل دار الكرامة (النهار- مروة البرغش)
مقيمون داخل دار الكرامة (النهار- مروة البرغش)

 

حنينٌ إلى بيروت وفيروز وصباحات "النهار"

تحمل تمام زايد حكاية مختلفة. فهي فلسطينية أردنية حصلت على الجنسية السورية، وعاشت سنوات في لبنان قبل أن تنتهي إقامتها هناك من دون أن تتمكن من تجديدها، بحسب روايتها.

 

تستعيد أيامها في بيروت بحنين واضح، وتقول إنها كانت تقرأ جريدة "النهار" يومياً، إلى جانب مجلتي "الموعد" و"الشبكة". وتتذكر مرة ظهرت فيها في "الشبكة" إلى جانب امرأة سعودية، وترك للجمهور تخمين ما إذا كانتا توأمين أم لا؟

 

لكن أكثر ما تشتاق إليه هو بيروت والأشخاص الذين عاشت بينهم، وفي مقدمهم السيدة فيروز، التي تقول إنها كانت تعمل لديها وتزورها ثلاث مرات أسبوعياً.

 

تستعيد تلك الزيارات بمحبة: "كنت روح لفيروز بالأسبوع ثلاث مرات. ولا أطيب من هيك، بتلاقيها هادية ورايقة، ما أحلاها. لو بتسمعني فيروز، بقلا: مشتاقة إلك كتير"، مضيفة أنها تعزّيها بوفاة زياد الرحباني.

 

أما جريدة "النهار"، فلها مكانة خاصة في ذاكرتها، إذ كانت تنتظرها كل صباح لمتابعة آخر الأخبار. وتختصر أيامها اللبنانية بقولها: "أيامي أحلى أيام ببيروت".

 

في "دار الكرامة"، وجدت تمام صديقات تشاركهن يومياتها، وتقول إن إقامتها مريحة، وإنها تحرص على عدم التدخل في شؤون الآخرين. وتستعيد المثل الذي تتبعه في تعاملها مع من حولها: "إلعب وحدك تجي راضي".

 

وتضيف أن العاملين في الدار أصبحوا عائلتها، بعدما غابت عنها العائلة التي عرفتها في مراحل سابقة من حياتها: "الممرضة والعاملة والمشرفون هم عيلتي، لأني مالي حدا، والعاملة هي أم إلنا، والحمد لله على كل شي".

 

كانت تمام متزوجة لمدة 17 عاماً، لكنها لم تُرزق بأطفال. واليوم، تحاول أن تجد في الصداقات التي بنتها داخل الدار ما يخفف وطأة الوحدة، من دون أن تتخلى عن حنينها إلى مدينة لا تزال حاضرة في تفاصيل ذاكرتها.

 

مسنون داخل دار الكرامة (النهار- مروة البرغش)
مسنون داخل دار الكرامة (النهار- مروة البرغش)

 

من الشعور بالحبس إلى صداقة تنقذ اليوم

تروي نورا جمعة قصتها بعبارات تختلط فيها الحسرة بالامتنان. توفي والدها، وجاءت إلى الدار وحدها، من دون أن تكون قد تزوجت أو أسست عائلة خاصة بها.

 

تقول: "قصتي بتبكي الواحد، يبكي عليّ. أبي مات، الله يرحمه، وأنا جيت لحالي، وبعدني بنت، لا تجوزت ولا شي. وقت جيت لهون لا آكل ولا أشرب، حسيت حالي محبوسة".

 

كان المكان في البداية غريباً عنها، ولم تكن قادرة على تقبّل انتقالها إليه. لكن الأيام تغيّرت مع نشوء علاقة صداقة بينها وبين تمام زايد، التي أصبحت جارتها ورفيقتها الأقرب.

 

وتقول نورا: "أما هلأ فصارت عندي رفيقتي وجارتي تمام زايد، وهي أغلى شي عندي. والعاملين هون متل ولادي، وأغلى من ولادي".

 

لم يمحُ وجودها في الدار شعورها بفقدان والدها أو وحدتها، لكنه منحها أشخاصاً تتشارك معهم تفاصيل يومها. وفي مكان لم تتوقع أن تجد فيه ما يشبه العائلة، وجدت صداقة باتت تعني لها الكثير.

 

 
حين يصبح المكان الآمن أقرب من البيت

منذ 12 عاماً، تقيم مها زهرة في "دار الكرامة". فقدت منزلها خلال الحرب، وانتقلت إلى الدار، حيث وجدت حياة مختلفة عما عاشته بعد خسارة بيتها.

 

تعرّف مها عن نفسها ببساطة: "مرحبا، أنا مها زهرة من دار الكرامة. أنا صار لي بدار الكرامة 12 سنة، مبسوطة والحمد لله".

 

لا تتحدث عن إقامتها بوصفها خسارة فقط؛ فهي تجد في النشاطات والدروس الدينية والأخلاقية ما يمنح أيامها معنى. وتقول إنها كانت تحب الدين منذ وجودها في منزلها، وإنها عملت على نفسها لتتحلى بالأخلاق الحميدة، وتتابع اليوم دروساً تتناول القيم والعبادات والسلوك.

 

وتوضح أن الأجواء داخل الدار ساعدتها على الاندماج، وأنها تشعر بالراحة بين المقيمات والعاملات، اللواتي تصفهن بأنهن مثل بناتها.

 

وتعبّر عن قناعتها بقولها: "الإنسان الله فاطره على الأخلاق العالية. لما بيكون مع فطرته بيصير سعيد ومبسوط، وإذا خالف فطرة رب العالمين فمعناها ما رح يعيش سعيد".

 

ثم تقارن بين حياتها الحالية وما كانت عليه حين عاشت وحدها، قائلة: "أنا أحسن لي هون، بتونّس بالعالم، أنا مبسوطة هون أكتر من بيتي، كنت لحالي. هون الصبايا متل بناتي والعاملات متل بناتي".

 

وعن التغيير الذي تشعر به في حياتها بعد سقوط النظام السابق، تقول إنها باتت تشعر بقدر أكبر من الراحة النفسية والقدرة على ممارسة العبادة والتعلم، مستذكرة الخوف الذي كان يحيط بحياتها سابقاً، وفق وصفها.

 

حكاية مها لا تنفصل عن الحرب التي سلبتها منزلها، لكنها تكشف أيضاً أن معنى البيت لا يتوقف دائماً عند الجدران؛ فقد تجد الإنسانة نفسها، بعد سنوات من الوحدة، أكثر راحة في مكان لم تختره بدايةً، لكنه منحها الصحبة والاهتمام.

 

لقاء النهار مع مسنة تعيش في دار الكرامة (مروة البرغش)
لقاء النهار مع مسنة تعيش في دار الكرامة (مروة البرغش)

 
 
أمنية صغيرة تحولت إلى حلم عمر

في "دار الكرامة"، لا تتوقف الحكايات عند الفقد والوحدة. فبعض المقيمات ما زالن يحتفظن بأمنيات ينتظرن تحقيقها، مهما تقدمت بهن السنوات.

 

غادة عكو من هؤلاء. خلال زيارة لمحافظ دمشق إلى الدار، سأل المقيمين عن أحلامهم، فطلبت منه أن تتمكن من أداء العمرة. وبعد موافقته، وجدت نفسها أمام فرصة لتحقيق أمنية طال انتظارها.
تقول إنها سعيدة جداً بهذه الخطوة، وتتوجه بالشكر إلى القائمين على الدار وإلى محافظ دمشق، الذي استجاب طلبها.

 

بالنسبة إلى غادة، لا تبدو العمرة مجرد رحلة، بل فرصة لتحقيق حلم شخصي ظل حاضراً في بالها. وفي مكان يعيش فيه كثيرون مع ذكريات الخسارة، تمنحها هذه الأمنية سبباً إضافياً للفرح وانتظار الأيام المقبلة.

 

"عندي أم وعندي أخ، بس ما بيحطوني عندهم"

تقيم رحاب الحموي، وهي من ذوي الإعاقة الحركية، في "دار الكرامة" منذ ست سنوات. وتقول إن حياتها داخل الدار تتضمن الرحلات والطعام والشراب والنشاطات والدروس الدينية التي تساعدها على فهم أمور دينها.

 

وتصف علاقتها بالمقيمات بأنها علاقة أخوات، حتى إن الخلافات العابرة بينهن لا تلبث أن تنتهي بالمصالحة.
لكن أكثر ما يوجعها ليس ما فقدته من قدرة على الحركة، بل شعورها بأن أقرب الناس إليها لم يحتضنوها.

 

تقول لـ"النهار": "رفقاتي أخواتي، نتخانق ونتصالح لأننا أخوة". ثم تتوقف عند العبارة التي تختصر وجعها: "عندي أم وعندي أخ، بس ما بيحطوني عندهم. هون أحسن لي، أهلي وناسي وأخواتي".

 

لا تحتاج رحاب إلى كلمات كثيرة لتشرح التناقض الذي تعيشه؛ فأفراد عائلتها موجودون، لكن وجودهم لم يمنحها المكان الذي تحتاج إليه. وفي المقابل، وجدت في الدار أشخاصاً باتت تراهم أهلها، وبيئة تشعر فيها أنها ليست وحدها.

 

احد المقيمين في الدار (النهار- مروة البرغش)
احد المقيمين في الدار (النهار- مروة البرغش)

 

 

إصابة قديمة ومحاولة لاستعادة الحركة

يحمل جورج طعمة حكاية أخرى من حكايات الألم والوحدة. يقول إن سلطات النظام السابق اتهمته بمساعدة مقاتلين على الهرب إلى تركيا، وإنه تعرض لإطلاق النار وأصيب في صدره، كما تعرض حوضه للكسر، وفق روايته.

 

ويضيف أن عائلته حاولت نقله إلى مشفى المهايني، لكنها توجهت به إلى مشفى المواساة بعدما قيل لها إن في المشفى الأول سجناً. ويتهم جورج الجهات التي احتجزته بتكبيله، ويقول إن ذلك ترك لديه عجزاً كبيراً.

 

ويستعيد سنوات ابتعاده عن زوجته، التي يقول إنه مطلقها منذ 34 عاماً، ويصف وضعه العائلي بالقول: "مالي حدا، مالي حدا غير الله". أما المقيمون في الدار والعاملون فيها، فيصفهم بأنهم أهله وأبناؤه.

 

ويقول إن إصابته أثرت في قدرته على الحركة، وإنه يعاني عجزاً يقدّره بنحو 65 في المئة من جسمه.

 

من جهته، يشرح أحمد عساكر، رئيس شعبة العلاج الفيزيائي في الدار أن جورج يعاني كسراً في عنق الفخذ وتآكلاً في مفصل الورك، إلى جانب ضمور عضلي ارتبط بمدة طويلة من قلة الحركة وعدم تلقي العلاج، بحسب تقييمه.

 

ويضيف أن الفريق عمل على إعادة تأهيله، وأن تحسناً كبيراً وملموساً بدأ يظهر بعد ثلاثة أشهر من وجوده في الدار.

 

وبين رواية جورج عن سنواته السابقة والتقييم العلاجي لحالته، تبدو إعادة التأهيل خطوة أساسية في محاولة تحسين قدرته على الحركة، فيما يشكل وجوده بين المقيمين والعاملين جزءاً من شبكة الدعم التي يقول إنه افتقدها طويلاً.

 

مدخل دار الكرامة (النهار- مروة البرغش)
مدخل دار الكرامة (النهار- مروة البرغش)

 

دار الكرامة: من الإهمال إلى محاولة تحسين الرعاية

لا تتوقف حكايات "دار الكرامة" عند تجارب المقيمين؛ فالمكان نفسه يواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية والخدمات والرعاية اليومية. ويقول المدير العام لمديرية الدار رضوان السواق، إن المبنى كان يعاني إهمالاً في بنيته الإنشائية والتحتية، وإنه لم يكن مجهزاً للتعامل مع حالات الطوارئ بالشكل المطلوب.

 

ويشرح أن شبكتي الكهرباء والصرف الصحي كانتا بحاجة إلى معالجة، وأن تجهيزات السلامة، بما فيها طفايات الحريق، لم تكن كافية. ويضيف: "عندما قرأت السجلات، وجدت حالة وفاة مرتبطة بحفرة للصرف الصحي قبل نحو خمس أو ست سنوات".

 

ويقول إن العمل بدأ على تحسين البنية التحتية ورفع مستوى الأمان، إلى جانب تجهيز إجراءات للتعامل مع الطوارئ، بما فيها الحرائق والحوادث الكهربائية والسقوط. كما جرى تنظيم دخول الموظفين والزوار وخروجهم، وضبط الزيارات، انطلاقاً من مسؤولية حماية المقيمين.

 

ويشير إلى أن العمل شمل أيضاً تحسين خدمات الغسيل والطبابة والنظافة والحد من انتقال العدوى، فضلاً عن تعديل تجهيزات المطبخ بما يتناسب مع الشروط الصحية والإنشائية، والاهتمام بسلامة العاملين فيه.

 

وفي قسم الغسيل، كانت هناك غسالة واحدة عاملة، بحسب السواق، فجرى توفير غسالات إضافية وفصل الملابس لتجنب اختلاطها.

 

الرعاية النفسية والعلاج الفيزيائي

ومن بين التغييرات التي يتحدث عنها، إضافة الرعاية النفسية إلى الخدمات المقدمة في الدار، والاستعانة بطبيب نفسي لمتابعة الحالة النفسية للمقيمين وتقييم احتياجاتهم.

 

ويقول إن هذه الخطوة تساعد على التمييز بين من يعاني القلق أو يحتاج إلى دعم نفسي وبين الحالات التي تتطلب تقييماً متخصصاً، مشيراً إلى أن الدار لا تستقبل المرضى النفسيين وفق شروط القبول المعتمدة لديها.

 

كما جرى تفعيل العلاج الفيزيائي، رغم أن بعض الحالات تعاني إصابات قديمة أو آثار التقدم في العمر وتيبس العضلات والأعصاب، ما قد يحد من مقدار التحسن الممكن. لكنه يرى أن الاهتمام بالعلاج يمنح المقيم شعوراً بأن هناك من يتابعه ويهتم بحالته.

 

ويقول إن التحديات لا تقتصر على الجانب الخدمي، بل تشمل التعامل اليومي مع المسنين، وهو ما يفرض على العاملين التحلي بالصبر وفهم اختلاف احتياجاتهم.

 

وتتولى محافظة دمشق، وفق السواق، تشغيل الدار وتوفير مستلزماتها، فيما أُدخلت برامج ترفيهية داخل المبنى، إلى جانب تنظيم رحلة خارجية مرة كل شهر بعد موافقة المحافظة.

 

 المدير العام لمديرية الدار رضوان السواق يتحدث إلى إحدى المقيمات في الدار (النهار- مروة البرغش)
المدير العام لمديرية الدار رضوان السواق يتحدث إلى إحدى المقيمات في الدار (النهار- مروة البرغش)

 

 

من الشكاوى الأساسية إلى طلبات التعليم والترفيه

يصف السواق التغييرات التي شهدتها الدار بأنها لا تتعلق بالمبنى وحده، بل تشمل طبيعة العلاقات بين المقيمين وطريقة الاستماع إلى احتياجاتهم.

 

ويقول إن الغرف في السابق كانت أشبه بالمهاجع أو "القواويش"، بحيث لا يعرف المقيمون ما يجري في الغرف المجاورة. لذلك، جرى العمل على تنظيم جلسات دعم الأقران، وإقامة لقاءات تعارف للمقيمين الجدد، بهدف تشجيع التواصل بينهم.

 

وتؤدي ابتسام الخطيب، الإختصاصية في توجيه السلوك لدى المقيمين، دوراً في تنظيم الدروس والأنشطة التي تتناول السيرة النبوية والفقه والعبادات والنظافة والطهارة وآداب الاستئذان وقضاء الحاجة، إلى جانب الأخلاقيات وكيفية التعامل مع الآخرين والتسامح.


وتشمل الدروس تعليم القرآن والتجويد، إلى جانب توجيه المقيمات إلى كيفية تجاوز الخلافات ومسامحة بعضهن بعضاً.


وتبدو هذه الجلسات جزءاً من الحياة اليومية للمقيمات، اللواتي يشاركن فيها ويبدين ارتياحاً لها، وفق ما يرد في شهاداتهن. وبالنسبة إلى بعضهن، لا تقتصر أهميتها على الجانب الديني، بل تمنحهن فرصة للتواصل والتعلم وقضاء الوقت ضمن نشاط جماعي.

 

كما أُعيد تنظيم استقبال الشكاوى، لتصبح مسؤولية مشتركة بين مختلف الأقسام، من العاملين في المجال الطبي إلى موظفي المطبخ وبقية العاملين.

 

ويقول السواق إن الشكاوى التي كانت تصل سابقاً تتركز على الاحتياجات الأساسية، مثل الطعام والشراب واللباس، بينما أصبحت بعض الطلبات اليوم تتعلق بالتعليم والترفيه ودروس الحرف والرسم.

 

ويضيف أن هذا التحول يعكس، من وجهة نظره، شعور المقيمين بوجود قيمة مضافة في حياتهم، بعد أن تجاوزت مطالبهم حدود تأمين الاحتياجات الأساسية إلى الرغبة في التعلم والمشاركة في النشاطات.

 

ويشير إلى أن التعامل مع بعض الحالات كان صعباً في البداية، وأن إدخال الرعاية النفسية ساعد العاملين على فهم احتياجات المقيمين بصورة أفضل. ويضرب مثالاً بمريض سكري كان يرغب في تناول الحلويات، لافتاً إلى ضرورة مراعاة الحالة الصحية لكل شخص عند التعامل مع رغباته اليومية.

 

ولضمان معرفة ما يحتاج إليه المقيمون، يقول إنه طلب من العاملين الاستماع إلى شكاواهم، وأُعدت استبيانات لجمع ملاحظاتهم وتقييم الخدمات. ويشمل ذلك الطعام أيضاً، إذ تُطرح عليهم أسئلة عن الأطباق التي يفضلونها، مع مراعاة التوازن الغذائي والحالة الصحية لكل مقيم.

 

السواق يتحدث إلى مقيمين في الدار (النهار- مروة البرغش)
السواق يتحدث إلى مقيمين في الدار (النهار- مروة البرغش)

 

 

العناية الصحية: من تقرحات الفراش إلى إعادة التأهيل

ويتحدث عن حالات صحية وجدها الفريق عند بدء العمل، بينها نحو عشرين مقيماً كانوا طريحي الفراش ويعانون تقرحات، في ظل نقص فرشات الهواء وعدم انتظام تقليب المرضى، وفق قوله.

 

ويضيف أن إدخال الرعاية الطبية وتحسين العناية اليومية ساهما في تحسن الأوضاع، مشيراً إلى أن عدد المقيمين غير القادرين على المشي انخفض، بحسب تقديره، إلى حالة واحدة.

 

وتتطلب هذه الحالات متابعة مستمرة، خصوصاً لدى كبار السن الذين يعانون إصابات قديمة أو صعوبة في الحركة. ولهذا، يشدد على أهمية الجمع بين الرعاية الطبية والعلاج الفيزيائي والاهتمام بالنظافة والحالة النفسية.

 

ويقول إن الخطة تشمل تطوير مستوى الخدمة، وتحويل الدار من مكان يقتصر على الإيواء إلى بيئة توفر عناية وراحة أكبر للمقيمين.

 

ويشير الى التوجه نحو خدمات أقرب إلى خدمة الغرف، بهدف تحسين مستوى الرعاية، مع مراعاة ألا يصبح المقيم معتمداً عاطفياً بصورة مفرطة على موظف واحد، خصوصاً أن بعض المقيمين يفتقدون عائلاتهم أو يعيشون بعيداً عنها.

 

ويضيف أن بعض المقيمين تحدثوا عن تعرضهم للتعنيف في السابق، بحسب ما نقلوه إليه، معتبراً أن تحسين الخدمة وتنظيم العمل يساعدان على توفير بيئة أكثر أماناً وراحة.

 

وعلى رغم م التحسينات التي يتحدث عنها السواق، لا تزال البنية الإنشائية تفرض تحديات، خصوصاً خلال فصل الشتاء. ويقول إن موقع الدار مخفوض عن مستوى شبكة الصرف الصحي العامة، ما يؤدي إلى فيضان المياه والمجاري في الشتاء.

 

 

ويضيف أن مشروعاً لإعادة تأهيل الدار أُعدّ وقُدّم إلى المحافظة، وحصل على موافقتها، فيما تحتاج منظومة التدفئة المركزية إلى معالجة بسبب تهالكها. ولهذا، يتجه القائمون على الدار إلى اعتماد التدفئة بواسطة أجهزة التكييف، التي يرى أنها أكثر أماناً للمقيمين من "الصوبيات" الفردية.

 

وتبقى هذه الأعمال جزءاً من احتياجات أوسع تتعلق بسلامة المبنى وقدرته على توفير بيئة مناسبة لكبار السن، ولا سيما منهم من يعانون صعوبات في الحركة أو يحتاجون إلى متابعة صحية مستمرة.

 

الحاجة إلى دار جديدة ومساعدة عينية

كذلك يرى أن عدد المقيمين واحتياجاتهم يفرضان التفكير في إنشاء دار جديدة لرعاية فئة أخرى من المسنين الذين لا يجدون من يعيلهم أو يتولى رعايتهم.

 

ويقول إن الحرب أفقدت كثيرين كل ما كانوا يملكونه، وإن بعضهم بات يعاني ما يصفه بالبرود الاجتماعي بعد خسارة أفراد عائلته أو ابتعاده عنهم. وفي هذه الحالات، تصبح دار الرعاية مكاناً يحفظ كرامة المسن ويوفر له الحد الأدنى من الأمان.

 

ويشدد على أن العمل في دور الرعاية يحتاج إلى دوافع إنسانية وقدرة على العمل الجماعي، مضيفاً أن السؤال الأول الذي يطرحه على المتقدمين للعمل هو ما إذا كانوا يمتلكون الرغبة في مساعدة الآخرين ويحبون العمل ضمن فريق.

 

أما في ما يتعلق بالمبادرات، فيقول إن الدار تستقبل التبرعات العينية ومساهمات الفرق التطوعية والجمعيات، لكنه يفضل توفير المستلزمات والخدمات المباشرة على التبرعات المالية، نظراً إلى صعوبة التعامل مع الأموال، بحسب وصفه.

 

ويؤكد أن الطعام، على سبيل المثال، لا يُختار بصورة عشوائية، بل تُراعى فيه الحالة الصحية والاحتياجات الغذائية لكل مقيم.

 

وعن علاقته بالمقيمين، يقول إنهم يشغلون باله حتى خارج أوقات الدوام، وإنه بات يرى في وجوههم صورة والديه، ويفكر في الطريقة التي يريد أن يربي بها أبناءه ليكونوا عوناً له عندما يتقدم في العمر.

 

ويوجه دعوة إلى الأشخاص القادرين على زيارة المسنين أو احتضان من يحتاج منهم إلى الدعم، قائلاً إن زيارة دور الرعاية فرصة لكسب الأجر والدعاء، وإن وجود المسن في المنزل بركة وأجر عظيم.

 

السواق
السواق

 

من يستحق الإقامة في الدار؟

تخضع الإقامة في دار الكرامة لشروط، حسبما يوضح، إذ تنص على ألا يكون للمسن معيل يتولى رعايته، وألا يتوافر له كفيل مالي، وألا يكون مصاباً بمرض نفسي أو يحمل مرضاً معدياً، وفق المعايير المعتمدة لدى الدار.

 

لكن الشروط والإجراءات لا تختصر حكايات المقيمين، ولا تجيب وحدها عن السؤال الذي يرافق قصصهم: كيف يصل الإنسان إلى مرحلة يجد فيها أن المكان الذي لم يعرفه من قبل أقرب إليه من بيته، وأن العاملين فيه باتوا عائلته، فيما لا يجد مكاناً لدى أقرب الناس إليه؟

 

بين مريم التي خسرت زوجها ومنزلها، وتمام التي لا يزال قلبها مع بيروت، ونورا التي وجدت في صديقتها سنداً، ومها التي أعادت بناء يومها حول الدروس والنشاطات، ورحاب التي تختصر وجعها بقولها إن لها أماً وأخاً لا يتيحان إقامتها معهما، تتعدد الأسباب التي قادتهن إلى "دار الكرامة".

 

أما جورج، فيحاول استعادة قدرته على الحركة بعد سنوات من الألم، فيما تنتظر غادة تحقيق أمنيتها بأداء العمرة. حكايات لا تتشابه في تفاصيلها، لكنها تلتقي عند الحاجة إلى الأمان والاهتمام والشعور بأن الإنسان لا يزال مهماً في حياة أحد.

 

قد تكون "دار الكرامة" بالنسبة إلى بعض المقيمين ملاذاً لم يختاروه في البداية، لكنها أصبحت مع الوقت مكاناً وجدوا فيه الصحبة والرعاية. وفي المقابل، تظل قصصهم تذكيراً بأن وجود العائلة لا يعني دائماً وجود من يحتضن، وأن البيت لا يُقاس بجدرانه وحدها، بل بمن يفتح بابه حين تضيق الحياة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 11/2/2026 11:33:00 AM
اشتعلت أزمة إلهام شاهين ومرتضى منصور إثر تصريحاته القاسية ضدها على خلفية مهرجان الجونة السينمائي، لترد النجمة بحسم على لجان "السوشال ميديا" والمنتقدين.
فن ومشاهير 11/3/2026 10:03:00 AM

بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".