هل تقضي الكلاب على القطط في مصر؟

تحقيقات 02-09-2026 | 14:02

هل تقضي الكلاب على القطط في مصر؟

تحدثت "النهار" مع عدد من الأشخاص الذين يطعمون القطط المشردة، وأكدوا أن عمليات قتل البشر لتلك الحيوانات أكثر بكثير مما تقترفه الكلاب.
هل تقضي الكلاب على القطط في مصر؟
كلب وقط شارع بالقاهرة، تصوير الدكتور محمد علي مصطفى (خاص لـ"النهار").
Smaller Bigger

انتشرت، في الآونة الأخيرة، مقاطع فيديو تظهر مجموعات من كلاب الشوارع تهاجم قططاً مشردة وتقتلها بوحشية، وأرفقت بالمقاطع تحذيرات من أن ازدياد أعداد الكلاب في مصر، لمستويات غير مسبوقة، خلال السنوات الأخيرة، سوف يتسبب في القضاء على القطط تماماً، ويحدث خللاً بيئياً.

وما أثار ذعر كثيرين، أن ثمة تدوينات وتعليقات تحدثت عن أن أحد مظاهر الخلل البيئي الذي "حدث"، هو زحف ثعابين سامة، من أخطرها الكوبرا المصرية، لأماكن غير معهودة بقرى ومدن مصرية، ما أفضى لتصادمها مع البشر، ولدغ عشرات الاشخاص توفى بعضهم.

 

ذلك الحديث تضمن مزاعم عن أن هذا الزحف "المثير للرعب"، جاء نتيجة لـ"تناقص" أعداد السنوريات الصغيرة، على اعتبار أنها كانت تتصدى للثعابين، وتمنعها من التسلل للمناطق التي يقطنها البشر، وتبقيها في موائلها الطبيعية وجحورها.

 

 

 

 

خلل بيئي ومزاعم "مغرضة"

تلك الرواية التي روجت من قبل عن الكلاب، بعدما تزايدت المطالبات بالتخلص منها، تبدو غير واقعية من وجهة نظر مهتمين بالبيئة، ومنهم مستكشف الحياة البرية محمد وجيه، الذي يقول لـ"النهار" إن "الكلاب والقطط ليست من الكائنات التي تتغذى على الثعابين".

 

ويشير وجيه إلى أن "أهم الأعداء الطبيعيين للثعابين، خصوصاً الكوبرا المصرية، التي تنتشر في منطقة الدلتا، هو النمس المصري، الذي يتغذى على الثعابين، وللأسف فإن الفلاحين يقتلونه بمجرد رؤيته، رغم أننا نصحناهم بعدم قتله لأنه مهم للبيئة".

 


حديث المستكشف عن أن القطط والكلاب ليست من الأعداء الطبيعيين أو من مفترسي الثعابين لا يعني قبوله قتلهم، إذا يؤكد "قتل أي حيوان موجود في بيئته الطبيعية، يحدث خللاً في التوازن البيئي، فكل منهم له دور حيوي يساهم في تحقيق التوازن".

 


إشكالية الإحصائيات الموثوقة

 

لا توجد أرقام موثوقة بأعداد القطط المشردة في شوارع مصر، ما يجعل النقاشات بشأن تناقصها جدلياً وغير محسوم، كما أن حجمها الصغير يعطيها قدرة على الاختباء بسهولة في أماكن محدودة، وغير متوقعة، مثل تجاويف السيارات وفراغات الحوائط والمباني، وهذا يجعل مجرد محاولة تكوين تصور مبدئي عن أعدادها الحقيقية، أمراً بالغ الصعوبة.

 

أما بالنسبة لكلاب الشوارع، فأحجامها وغريزتها التي تدفعها لمطاردة المركبات والمارة وأصوات نباحها المرتفعة تكشف بقوة عن حضورها، ومن تلك الشواهد يتضح للعيان أن أعدادها تزايدت، في السنوات الأخيرة.

 

ونشر بعض المتخصصين تقديرات لأعدادها تراوح ما بين 20 مليوناً و50 مليوناً، إلا أن التقديرات الرسمية تقول إنها ما بين 10 ملايين و11 مليوناً، وفقاً لتصريحات رسمية لرئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للخدمات البيطرية الدكتور حامد موسى الأقنص.

 

في المقابل، تغيب أي إحصائيات دقيقة عن القطط. وتقول رئيسة الاتحاد النوعي لجمعيات الرفق بالحيوان في مصر الدكتورة منى خليل لـ"النهار": "لا توجد أرقام رسمية بأعدادها، لكن من المؤكد أنها تفوق أعداد الكلاب، وهذا نرصده من مشاهداتنا خلال حملاتنا في الشارع".


ونفت خليل صحة الفرضية التي يروج لها ناشرو المقاطع المصورة، قائلة: "الادعاء بأن الكلاب ستقضي على القطط، كلام غير صحيح".

 

قطط مشردة وكلب شارع يجلسون في سلام معاً في حي المعادي بالقاهرة (النهار)
قطط مشردة وكلب شارع يجلسون في سلام معاً في حي المعادي بالقاهرة (النهار)

 

مواقع التواصل وتضخيم المشهد

 

من جانبه، يقول الطبيب البيطري والناشط في مجال الرفق بالحيوان الدكتور محمد علي مصطفى لـ"النهار": "مهاجمة الكلاب للقطط سلوك فطري لدى الكلاب، إنها كائنات صيادة بطبيعتها، والوقائع التي أثارت جدلاً موجودة منذ زمن بعيد، لكننا لم نكن نراها بأعيننا، وعدم رؤيتنا لها لا يعني أنها غير موجودة".

 

ويضيف مصطفى: "ما حدث، أخيراً، هو أن مواقع التواصل الاجتماعي أتاحت لنا فرصة أن نرى ما لم نكن نراه من قبل، لكن أيضاً هناك مشاهد على العكس تماماً، يتم تجاهلها ربما عمداً، ثمة كلاب وقطط تتعايش معاً في سلام".

 

ويلفت الطبيب إلى أن "غريزة الافتراس موجودة لدى الكلاب والقطط، إلا أنها قد تبقى كامنة إذا توافر الطعام لها بسهولة، في حين أنها تنشط عندما يحدث خلل في موارد الغذاء أو البيئة المحيطة بتلك الكائنات، وهذا لن يؤدي بنهاية المطاف إلى قضاء الكلاب على القطط".

 

الدكتور محمد علي مصطفى مع قط شارع بأحد مقاهي القاهرة (خاص)
الدكتور محمد علي مصطفى مع قط شارع بأحد مقاهي القاهرة (خاص)

 

"السؤال الذي يجب أن نطرحه"

 

تتفق الناشطة في الرفق بالحيوان المهندسة منى حامد مع غالبية الآراء السابقة، وتعقب في حديثها لـ"النهار": "السؤال الذي يجب أن نطرحه، ليس هل تقضي الكلاب على القطط؟ بل كيف نقلل المواجهات بينهما؟".

 

وتضيف: "ثمة أسباب تدفع الكلاب لمهاجمة القطط، منها الخوف، والصراع على موارد الطعام, ومناطق النفوذ، لذا يجب تنظيم إطعام تلك الحيوانات بمناطق مخصصة لكل منها، والتخلص من بقايا الأغذية بطريقة سليمة، حتى لا تكون الكلاب في مناطق وجود القطط".


وترى الناشطة أن "الأهم من كل ذلك هو حملات التعقيم. إذا كنا نرغب في التحكم بأعداد الكلاب والقطط، يجب أن تحدث حملات التعقيم في مواعيد محددة، تلتزم بها الجهات الرسمية والمتطوعون، لأن تلك الجهود هي التي ستحل المشكلة من جذورها على المدى الطويل".

 

المهندسة منى حامد تداعب كلب شارع (خاص)
المهندسة منى حامد تداعب كلب شارع (خاص)

 

العدو الأكثر شراسة للقطط

 

تحدثت "النهار" مع عدد من الأشخاص الذين يطعمون القطط المشردة، وأكدوا أن عمليات قتل البشر لتلك الحيوانات أكثر بكثير مما تقترفه الكلاب.

 

إحدى السيدات التي اعتادت إطعام عشرات القطط بجوار منزلها في حي المعادي الراقي في العاصمة المصرية تقول لـ"النهار" وهي في حالة حزن: "فوجئت بالعديد من "قططي" ميتة حول المكان الذي أطعمها فيه، يبدو أن أحداً ما وضع لها السم".

 

بات المكان المحاط بالأشجار المقلمة، والذي كانت تطعم فيه السيدة التي رفضت ذكر اسمها القطط، شبه خال إلا من عدد قليل منها، بعدما كان أشبه بمستعمرة للسنوريات الصغيرة، الموجودة لتناول الطعام، والنوم فوق السيارات المغطاة في الشارع الهادئ.

 

تكرر المشهد بأماكن أخرى، في فترات متفاوتة. ومن تلك الأماكن الرصيف المقابل لمسجد "الرحمة" بشارع صبري أبو علم، في وسط القاهرة، حيث كانت تعيش سيدة دون مأوى، اشتهرت بالاهتمام بالقطط وتحضر لها الغذاء من بقايا المطاعم المجاورة، وروت السيدة لـ"النهار" كيف كانت "قططها" تأتي إليها والسم "يمزق أحشاءها" وكأنها "تستنجد" بها، ثم تموت على رصيف الشارع من دون أن تتمكن من إنقاذها.

بينما تعتقد السيدتان بأن قتل القطط يتم عمداً، ثمة احتمال آخر، وهو أن بعض الأشخاص يضعون طعاماً مسموماً للكلاب، ويمكن أن تكون تلك القطط تناولته بالصدفة.


ويعد قتل الحيوانات أو تعذيبها، بما في ذلك القطط والكلاب، جريمة يعاقب عليها القانون في مصر، وينص قانون العقوبات على حبس من يرتكب تلك الجرائم. وقد أعلنت وزارة الداخلية المصرية مراراً عن ضبط متهمين في وقائع قتل وتعذيب للحيوانات المشردة.

 

كلب وقط شارع يجلسان متجاورين في أحد شوارع وسط العاصمة المصرية (النهار)
كلب وقط شارع يجلسان متجاورين في أحد شوارع وسط العاصمة المصرية (النهار)

 

الحل الرحيم لتزايد أعداد الحيوانات

 

الصفحات التي تروج رواية قضاء الكلاب على القطط، في الغالب لها موقف مناهضة لكلاب الشوارع، وتهاجم النشطاء في مجال الرفق بالحيوان، ممن يطعمون الكلاب ويقومون برعايتها.

 

وبحسب رأي مهتمين فإن الهدف الأساسي من تلك الحملات هو إثارة غضب الرأي العام ضد الكلاب المشردة، وإضفاء طابع وحشي عليها، لتنفير الناس منها، ومن ثم تسهيل تقبل قتلها والقضاء عليها.

 

وتتساءل الدكتورة منى خليل: "هل ينشر هؤلاء صوراً للقطط وهي تهاجم الفئران وتقتلها؟"، في إشارة جلية إلى أن الحملات سالفة الذكر تستهدف بناء صورة ذهنية مشوهة عن كلاب الشوارع في مصر، لتصويرها كحيوانات مفترسة تعيش بين البشر. 

 

ويقول الدكتور محمد علي مصطفى: "نحن كنشطاء في الرفق بالحيوان، نعترف بأن هناك إشكالية حقيقية، تتمثل في ازدياد أعداد الحيوانات المشردة، والحل الذي تعمل عليه الحكومة والنشطاء في هذا المجال هو تعقيم الحيوانات كي تتوقف عن الإنجاب، ثم يتم إعادتها إلى بيئتها الطبيعية مرة أخرى".

ويضيف الطبيب البيطري: "يجب أن نتقبل أن الشارع هو المكان الطبيعي للكلاب والقطط المشردة، والتعقيم سيؤتي ثماره على المدى الطويل، وهو الحل الرحيم الوحيد المتاح لتقليل أعداد الحيوانات، تدريجياً".

ويلفت مصطفى إلى حالة الكراهية والصراع التي أوجدتها مواقع التواصل الاجتماعي، بين محبي الحيوانات ومناهضيها، ويختتم حديثه بقوله  إن "الحل هو التوعية. يجب أن تعمل كل الجهات المعنية على نشر الطرق الصحيحة للتعامل مع الكلاب والقطط. تقديم المعلومات الصحيحة عن طبيعتها، سيزيد الوعي ويساعد على فهم سلوكياتها، وهذا سيؤدي في نهاية المطاف إلى القضاء على الاتهامات المتبادلة في الفضاء الرقمي".

وبالسير في شوارع القاهرة ومدن أخرى، سيتجلى أن الكلاب والقطط لا تزال منتشرة، وأن الجهود التي تبذلها الحكومة المصرية والجمعيات الأهلية والمتطوعون بدأت تتجلى خصوصاً في العلامات البلاستيكية (Ear Tags) الموجودة على أذان الكلاب، والتي تفيد بأنها خضعت للتطعيم والتعقيم.

ويتجلى من القطط التي تجوب الشوارع بثقة ومرح، خصوصاً تلك التي تستوطن بعض المقاهي وتمرح على مقاعدها المريحة، خصوصاً في الأحياء الراقية، أنها لا تزال بعيدة كل البعد عن "الانقراض" بسبب صراعها الطبيعي مع الكلاب، وإن كان قتلها بالسم الموضوع لها خصيصاً أو للكلاب، بالمخالفة للقانون المصري، قد يكون هو السبب الأكثر حصداً لأرواحها، إلى جانب ما يصيبها من فيروسات وأمراض مهلكة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/30/2026 6:52:00 PM
تمت مداهمة مكان اختبائه في مدينة صافيتا بريف طرطوس.‏
آراء 8/30/2026 1:13:00 PM
ماذا يحدث عندما تنشأ قطيعة خطيرة وغير قابلة للإصلاح بين البطريرك وسينودس أساقفة الكنيسة البطريركية، ويرفض البطريرك، رغم طلب السينودس، تقديم استقالته؟
لبنان 8/31/2026 2:14:00 PM
أعلنت وزارة الطاقة والمياه عن تسعيرة المولدات الكهربائية الخاصة لشهر آب 2026 مع تفاصيل الأسعار وآلية الضبط والالتزام بالتسعيرة الرسمية في لبنان