خشبة وذهب وألوان... ريشة تكتب الصلاة
أمسك قلمه ومخيلته ومضى... كان في الحادية عشرة من عمره، وموهبته تكبر سنة تلو الأخرى، وتنمو في داخله وفي رسوماته التي ركّزت بشكل كبير على الطبيعة. لكن تلك اللوحات التي بدأت تعكس جمالاً يتخطى اللوحة نفسها، بقيت محصورة في نمطها الفني والجمالي، قبل أن يدخل، بالصدفة، إلى عالم آخر: أكثر عمقاً وروحانية وصمتاً. في لحظة، وجد جيروم فرح نفسه غارقاً في جمالية الأيقونات، وبين صمتها وملامحها الجامدة، أدرك أنه وجد نفسه فيها وبقي هناك!
غاص في تفاصيلها. لم يكن جيروم يعرف أن هذا العالم يُخفي وراءه ما هو أبعد من الأيقونة بذاتها... يقول: "من يكتب الأيقونة كأنه يصلي مرتين". وبالفعل، يشعر بأن كل أيقونة أشبه بصلاة صامتة مليئة بالنِعم. هكذا أمسك قلمه وريشته وألوانه الطبيعية، التي تشكّل أساس رسم الأيقونة، ليحوّل الكلام المقدس في الإنجيل إلى أيقونة مقدسة، بملامحها وشخصيتها ورسالتها.
أطلب حضور الله
أول ما يطلبه جيروم قبل البدء بأي أيقونة هو "أن تكون يد الله معه". بالنسبة إليه، "حضوره معي يجعل الأيقونة حيّة". ينظر إليها كمن ينظر إلى السماء، يريدها أن تكون حقيقية وصادقة، والأهم أن يشعر الشخص الذي يقف أمامها "بقوة الإيمان والصلاة والتأمل".

يعترف في حديثه لـ"النهار" قائلاً "لم أتخلَّ عن أول أيقونتين رسمتهما، لأن الشعور الذي ملأني لحظة رسمهما كان استثنائياً، ولا أريد أن أفقد روعة هذا الإحساس، لذلك احتفظت بهما لتذكّراني ببداية الطريق".
صحيح أنه يجد في رسم جداريات الكنائس متعة أكبر، لأنها تُظهر جمالية الأيقونة بصورة أوسع ولعدد أكبر من الناس، ويتمنى أن تنجح رسوماته وأيقوناته "في إشعال الإيمان والرجاء والتأمل والصبر والحب عند النظر إليها".
على الطريقة التقليدية
يتمسك جيروم، خلال كتابة الأيقونة، بالطريقة التقليدية في كل مراحل إنجازها، بدءاً من الخشب الذي يُغطى بالقماش ويُحضّر بعناية، وصولاً إلى استخدام الألوان الطبيعية الممزوجة بصفار البيض والخل الأبيض، مروراً بورق الذهب الذي يضفي، برمزيته، "الملوكية والألوهية"، وصولاً إلى اللمسات الأخيرة من الطلاء لحمايتها والحفاظ عليها مع مرور السنين.

يواظب على عمله كما يواظب على الصلاة، بشغف وتواضع وصمت. في مشغله في منطقة الدورة، يخلع جيروم ضغوطات الحياة خارجاً قبل أن يدخل إلى عالمه الخاص. هناك، لا شيء سوى الأدوات والمعدات والموسيقى الهادئة التي ترافقه في رحلته اليومية، لتخرج من بين يديه أيقونات تقف أمامها مذهولاً من روعتها. لكل أيقونة قصتها وصاحبها، ولكل واحدة رحلة تبدأ من الخشبة وتنتهي في منزل صاحبها أو في إحدى الكنائس. وكأن قلم جيروم ومسطَرته يختصران المسافة، بجمالية وواقعية راقية، بين السماء والأرض.
عشق صامت
عندما نظر جيروم للمرة الأولى إلى الأيقونات داخل إحدى الكنائس، أدرك أن هذا الجمال الصامت سيرافقه بطريقة ما. اليوم، ينظر إلى رحلة امتدت سنوات، ممتناً ومؤمناً بأن "فنه اليوم بات له طابع خاص... روحاني وجميل في آنٍ معاً". وبالفعل، عندما تتأمل الأيقونات التي يكتبها جيروم، تلاحظ سريعاً بصمته الخاصة، التي تظهر في إتقانه رسم الملامح بصورة جميلة وهادئة، من دون حدّة. يعترف قائلاً: "أحب أن تكون الأيقونة جميلة بكل ما فيها، من دون أن أتخلى عن رموزها الدينية وقواعدها الأساسية".
وبالرغم من أن جيروم درس الهندسة المعمارية، فإنه انتقل إلى عالم آخر أكثر صمتاً وجمالاً... عالم الأيقونة. ومنذ ذلك الحين، صار للأيقونة مكان آخر في حياته... أو بالأحرى، باتت كل حياته!

تتقدم يده ببطء، وكأن كل خط يحتاج إلى لحظته. ملامح الوجه، حركة العينين، ثنيات الثوب، الضوء، الخلفية والذهب... تفاصيل كثيرة تتجمع في النهاية لتصنع حضوراً بصرياً يحمل معنى روحياً. يؤكد أن "الأيقونة تحتاج إلى الصبر والشغف"حتى تكون كما يراها الناس.
يعرف جيداً أن لكل شخصية رمزها، ولكل تفصيل دلالته، ولكل لون مكانه. لذلك يوضح أن "العمل في الأيقونة رحلة من التأمل والدراسة، تترجم لاحقاً برسم الخطوط وملامح الشخصية وتلوينها". لكل أيقونة وقتها، وهي لا تتشابه لا في الوقت الذي تحتاجه لإنهائها ولا في كلفتها. وكلما تعددت الشخصيات داخل الأيقونة الواحدة، احتاجت إلى جهد أكبر ووقت أطول.
اليوم، بدأ جيروم ينقل موهبته إلى من يحبون تعلّم كتابة الأيقونة، مؤمناً بأن "لا شيء مستحيل، إذا كنت تملك رغبة في ذلك، فأنت قادر على تحويل هذا الشغف إلى حقيقة".
ربما لهذا تبدو الأيقونة في عالمه مختلفة. فالريشة لا تبحث عن الجمال وحده، واليد لا تسعى إلى استعراض مهارتها؛ ثمة شعور آخر تختبره وأنت تنظر إلى هذه مجموعة الأيقونات المعلقة هناك "لقاء الجمال بالحقيقة واللون بالصلاة".
خرجنا من هناك وجملة واحدة رافقتنا في مشوار العودة "سنعود حتماً مرة أخرى".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض