سبع طبقات من الصّبر... كيف تُصنَع الأيقونة القبطيّة؟
في مصر، خلف الخشب والألوان والذهب التي تترجم في الأيقونة القبطية، ثمة لغة أخرى تُقرأ بالرموز والملامح والتفاصيل، وتختصر في مشهد بصري ما قد يحتاج إلى صفحات من الكتاب المقدس وسير القديسين لشرحه.
في معهد الدراسات القبطية في القاهرة الذي يعود تأسيسه إلى أكثر من سبعة عقود، تُدرّس الأيقونة بوصفها فناً وعلماً في آن واحد؛ من تاريخها وبنيتها التصميمية واللونية، إلى رموزها وأبعادها العقائدية والليتورجية. وفي قسم الفن القبطي، لا يبدأ الفنان من الفرشاة، بل من المعرفة.
فقبل أن يضع اللون على الخشب، عليه أن يفهم ماذا يرسم، ولماذا يرسمه، وما الذي تعنيه كل تفصيلة في العمل.

يوضح الدكتور عماد فاروق، أستاذ ورئيس قسم الفن القبطي في المعهد، أن الأيقونة القبطية تحمل خصوصية واضحة تميزها عن المدارس البيزنطية والروسية وغيرها. ومن أبرز سماتها، بحسبه، التسطيح، والبعد عن التجسيم، والبساطة في اختزال العناصر والرمزية. لكل خط ولون وملمح وظيفة ودلالة.
العينان، على سبيل المثال، ليستا مجرد تفصيل في وجه القديس، وكذلك الخلفية الذهبية ليست اختياراً لونياً عابراً. فالذهب يحمل دلالات مرتبطة بالسماء والمجد، فيما تتوزع الرموز داخل الأيقونة لتروي شيئاً من حياة الشخصية التي تمثلها. حتى الحيوانات قد تتحول إلى مفاتيح لفهم القصة.
فالأسد في أيقونة القديس مرقس، أو الحية المرتبطة ببعض القديسين، ليست عناصر زخرفية، بل إشارات إلى سيرتهم وما ارتبط بحياتهم من أحداث.
وهنا تحديداً تظهر المسافة بين الأيقونة واللوحة الفنية التقليدية. فالفنان، كما يشرح فاروق، لا يرسم ما يريده ببساطة، ولا يملك حرية مطلقة في إعادة تشكيل الشخصيات الدينية وفق خياله. ثمة قواعد لاهوتية وليتورجية وتشريحية تحكم العمل منذ بدايته.
الفنان يقرأ الإنجيل وسيرة القديس قبل أن يرسمه، ويتتبع الأحداث والرموز المرتبطة به حتى يتمكن من ترجمتها بصرياً. وإذا كان هناك طلب لرسم مشهد أو شخصية بطريقة تخرج عن الأسس العقائدية، يعود الفنان إلى المرجعية اللاهوتية قبل تنفيذ العمل. وفي معهد الدراسات القبطية، تُناقش بعض الأعمال ضمن حلقات يشارك فيها متخصصون في الجانب اللاهوتي، للتأكد من سلامة المضمون العقائدي والليتورجي.

هذه العلاقة بين النص والصورة لا تتوقف عند الشخصيات القديمة. فالأيقونة القبطية قادرة أيضاً على التعامل مع أحداث معاصرة، ما دام ذلك ضمن المرجعية اللاهوتية والفنية نفسها.
يستشهد عماد فاروق بأيقونة شهداء مصر الذين قُتلوا في ليبيا، والتي حاول الفنانون من خلالها اختزال حدث معاصر في لغة الأيقونة. وفي عمل آخر، ظهرت شخصية البابا شنودة الثالث ومواقف من حياته، لتتحول الأحداث والتجارب إلى مادة بصرية جديدة.
من مصر القديمة إلى الأيقونة القبطية الحديثة
هذا الفن لم يتشكل دفعة واحدة. فالتاريخ القبطي يحمل نماذج قديمة ونادرة من الأيقونات، بينها أيقونتان شهيرتان محفوظتان في متحف اللوفر تعودان إلى القرن السادس، إحداهما تمثل القديس مارمينا مع المسيح، وأخرى مرتبطة بدير الأنبا أبولو وتمثل رئيس الدير واضعاً يده على أحد الرهبان.

بعد ذلك، تطورت الأيقونة عبر مراحل مختلفة، وبرزت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أسماء مثل يوحنا الأرمني وإبراهيم الناسخ، قبل أن تظهر في القرن العشرين محاولات لإحياء الفن القبطي الحديث، ارتبط أبرزها بالفنان إيزاك فانوس، إلى جانب أسماء أخرى مثل يوسف نصيف وبدور لطيف وجلال رمزي.
ويعتبر عماد فاروق أن تجربة إيزاك فانوس كانت مفصلية في ترسيخ مدرسة فنية قبطية حديثة، بعدما استفاد من دراساته وخبراته خارج مصر، ومن اهتمامه بالفن المصري القديم، ليؤسس أسلوباً حمل طابعاً مصرياً واضحاً. ولم تتوقف التجربة عنده، إذ انتقلت إلى تلامذته الذين أصبح بعضهم لاحقاً من أبرز الفنانين والمدرّسين في مجال الأيقونة القبطية داخل مصر وخارجها، في أوروبا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة.

سبع طبقات قبل اللون
وراء الأيقونة التي تبدو بسيطة في شكلها النهائي، رحلة طويلة من التحضير والعمل الدقيق.
يبدأ الفنان بتحضير سطح الخشب والقماش، ثم يضع طبقات متتالية من مادة جيلاتينية خاصة، يصل عددها إلى سبع طبقات. وبين طبقة وأخرى، يحتاج السطح إلى وقت حتى يجف ويثبت، قبل أن يجري تنعيمه وصقله ليصبح جاهزاً للرسم.
بعدها تأتي مرحلة التخطيط، حيث لا تُترك النسب للصدفة. يستخدم الفنان المسطرة والبرجل والقياسات الهندسية، إلى جانب دراسة التشريح، لضبط نسبة الرأس إلى الجسم وحجم الأطراف والجذع وغيرها من التفاصيل.
ويشير فاروق إلى أن دراسة التشريح جزء أساسي من تعليم الأيقونة في المعهد، لأن الفنان، حتى وإن كان يعمل ضمن أسلوب رمزي ومسطح، يحتاج إلى فهم دقيق لبنية الجسم الإنساني. ثم تبدأ الألوان حيث تُستخدم تقنية التمبرة، إلى جانب أصباغ وأكاسيد تُحضّر بعناية، قبل أن تبدأ عملية التلوين والذهب وإظهار التفاصيل النهائية.

لهذا السبب، لا يمكن تحديد مدة ثابتة لإنجاز الأيقونة. فقد تحتاج إلى أسبوعين أو ثلاثة، وقد تمتد إلى شهر أو أكثر، بحسب حجم العمل وتفاصيله وخبرة الفنان.
أما السعر، فلا تحكمه قاعدة واحدة. فالفنان يحدد قيمة العمل وفق حجمه، والمواد المستخدمة، وكمية الذهب والتفاصيل المطلوبة. ويمكن أن تبدأ بعض الأعمال الصغيرة من بضعة آلاف من الجنيهات المصرية، فيما ترتفع الكلفة كثيراً مع زيادة الحجم والتفاصيل وتعقيد المشاهد.
من النص إلى الصورة
ربما تكمن إحدى أكثر التجارب إثارة في قدرة الأيقونة على تحويل النصوص الدينية إلى صور. في قسم الفن القبطي، لا يقتصر العمل على إعادة إنتاج شخصيات معروفة، بل تُدرس نصوص مثل "نشيد الأنشاد" ورؤى يوحنا اللاهوتي وغيرها، ثم يحاول الباحث والفنان تحويل النص المكتوب إلى مفردات بصرية.
الجملة تتحول إلى شكل، والكلمة إلى لون، والمشهد الكتابي إلى تركيب بصري. وهنا يصبح الفنان في موقع مختلف: ليس مجرد رسام، بل قارئ وباحث ومترجم للنص إلى لغة أخرى.
وهذا ما يفسر تعدد الأساليب داخل المدرسة القبطية نفسها. فهناك أسلوب إسحاق فانوس، وهناك اتجاهات أكثر شعبية وبساطة، تحاول الاقتراب من حياة الناس اليومية وتقديم الشخصيات والمشاهد بطريقة يفهمها الجمهور بمختلف مستوياته.
ورغم اختلاف الأساليب، تبقى هناك مظلة واحدة تجمعها: الحفاظ على السمات الأساسية للأيقونة، ورمزيتها، وارتباطها باللاهوت والليتورجيا والعقيدة الأرثوذكسية.
تبدو الأيقونة القبطية كأنها تقف في منطقة بين الفن والإيمان. هي لوحة تُرى بالعين، لكنها لا تُفهم بالعين وحدها؛ خلف كل لون قصة، وخلف كل رمز مرجعية، وخلف كل شخصية نص وسيرة وعقيدة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض