بالفيديو - الزواج المؤجّل في سوريا: كيف أعادت الحرب تشكيل الأسرة؟

تحقيقات 03-08-2026 | 12:40

بالفيديو - الزواج المؤجّل في سوريا: كيف أعادت الحرب تشكيل الأسرة؟

لم يعد السؤال الذي يؤرق كثيرين: متى سأتزوج؟ بل أصبح هل أستطيع أصلًا أن أؤسس حياة كريمة؟
بالفيديو - الزواج المؤجّل في سوريا: كيف أعادت الحرب تشكيل الأسرة؟
واجهة محل لتأجير فساتين الاعراس في دمشق (مروة البرغش- النهار)
Smaller Bigger

مروة البرغش - سوريا

 

 

حين كان محمد يرسم ملامح مستقبله على مقاعد الجامعة، كان يتخيل، كما معظم أبناء جيله، أنه سيتخرج، ثم يحصل على وظيفة، ويتزوج، ويبني منزلاً يحتضن أسرته. لكن الحرب التي اندلعت عام 2011 قلبت هذا المسار رأساً على عقب، لتتحول سنوات الشباب إلى رحلة طويلة من التأجيل؛ تأجيل الدراسة، وتأجيل العمل، وتأجيل الزواج، وحتى تأجيل الإحساس بالاستقرار.

 

ليست قصة محمد استثناءً، بل تختصر واقع جيل كامل من مواليد التسعينيات الذين دخلوا مرحلة بناء مستقبلهم في أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ سوريا الحديث. ففي الوقت الذي كان يُفترض أن يبدأوا حياتهم المهنية والعائلية، وجدوا أنفسهم يواجهون الخدمة العسكرية، والنزوح، والبطالة، والانهيار الاقتصادي، وفقدان الأمان، لتصبح فكرة تأسيس أسرة حلماً مؤجلاً بدل أن تكون محطة طبيعية في مسار الحياة.

 

 

وتعكس المؤشرات الاقتصادية حجم الأزمة التي يعيشها السوريون اليوم. فبحسب بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لعام 2025، يعيش نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، فيما يعاني 65% منهم من فقر مدقع، وتبلغ البطالة بين الشباب نحو 60%.

 

كما تشير الأمم المتحدة إلى أن 16.7 مليون شخص داخل سوريا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، في حين لا يزال 7.2 ملايين شخص نازحين داخل البلاد، إضافة إلى 6.2 ملايين لاجئ خارجها. 

 

أما البنك الدولي، فيؤكد أن الاقتصاد السوري انكمش بأكثر من 50% منذ عام 2010، بينما بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي 830 دولاراً سنوياً خلال عام 2024.

 

لكن هذه الأرقام - على قسوتها - لا تروي وحدها حجم المأساة. فخلف كل نسبة مئوية، تقف قصة إنسان، وخلف كل رقم، حلم تأجّل أو تبدّد.

 

جيل التسعينيات... شباب في سباق مع الزمن

يبلغ محمد اليوم الخامسة والثلاثين من عمره، وهو خريج هندسة الاتصالات والإلكترونيات. يقول إن الحرب لم تؤخر زواجه فحسب، بل غيّرت مسار حياته بالكامل.

 

يتذكر بداية رحلته حين تزامنت سنواته الجامعية مع اندلاع الثورة السورية، ليجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إنهاء الدراسة والالتحاق بالخدمة العسكرية، أو تأجيل التخرج عاماً بعد آخر.

 

ويقول: "كنت أؤجل تخرجي عمداً حتى أحصل على تأجيل للخدمة العسكرية. رفضت أن أخدم في جيش كنت أراه يقاتل أبناء بلدي، فكنت أعيد موادّ، وأؤخر تخرجي كي أبقى طالباً". 

 

ومع صدور قرارات حدّت من إمكانية تمديد التأجيل بعد بلوغ الثامنة والعشرين، اضطر إلى التوقف عن الدراسة فترة من الزمن، قبل أن يعيش سنوات من التنقل والتخفي خشية الاعتقال.

 

محمد، 35 عاما، مهندس
محمد، 35 عاما، مهندس

 

 

ورغم التغيرات التي شهدتها البلاد لاحقاً، يؤكّد أن الواقع الاقتصادي لم يمنحه الفرصة التي انتظرها طويلاً.
"كنا نعتقد أننا بعد انتهاء الحرب سنشارك في إعادة إعمار البلد، لكننا صدمنا بأن فرص العمل لا تزال محدودة، وأن التوظيف يعتمد في كثير من الأحيان على العلاقات والمعارف أكثر من اعتماده على الكفاءة". 

 

وخلال سنوات اختبائه، بدأ محمد العمل عن بُعد مع شركة عراقية، وهو ما وفّر له لاحقاً مصدر دخله الأساسي داخل سوريا، إلا أن ذلك لم يغيّر أولوياته.

 

"الزواج آخر بند على قائمة أولوياتي. قبل أن أفكّر في تكوين أسرة، أحتاج إلى استقرار ماليّ حقيقي. في بلد دُمّر اقتصاده، يصبح الزواج حلماً يحتاج إلى سنوات حتى يتحقق". 

 

ويؤكد أن أبناء جيله دفعوا الثمن الأكبر للحرب. "جيل التسعينيات كان في ريعان شبابه عندما بدأت الحرب. بعضنا استشهد، وبعضنا اعتُقل، وآخرون هاجروا أو خسروا سنوات طويلة بسبب الخدمة العسكرية والبطالة. كنا نتخيل أننا اليوم سنكون آباءً لأطفال، لكننا لا نزال نحاول أن نبدأ حياتنا". 

 

بالنسبة إلى محمد، لم تعد المشكلة في الرغبة في الزواج، بل في القدرة على بناء حياة مستقرّة تضمن مستقبل الأسرة؛ وهي معاناة يشترك فيها آلاف الشبان الذين وجدوا أنفسهم يؤجلون أهم قرارات حياتهم بسبب ظروف لم يختاروها.

 

حين يصبح الزواج معياراً للنجاح لا حقاً إنسانياً

لم تتوقف آثار الحرب عند تراجع القدرة الشرائية أو ارتفاع معدلات البطالة، بل امتدّت إلى البنية الاجتماعية ذاتها، لتعيد تشكيل نظرة السوريين إلى الزواج، ولتغيّر مفهوم الاستقرار، بل وحتى الطريقة التي يُقاس بها نجاح الإنسان ومكانته داخل المجتمع.

 

ترى الاختصاصية في علم النفس شريفة الشريف أن تأخر الزواج لدى أبناء جيل التسعينيات لا يمكن تفسيره بالأزمة الاقتصادية وحدها، بل هو انعكاس لمنظومة اجتماعية لا تزال تربط قيمة الإنسان بحالته الاجتماعية.

 

وتقول في حديثها لـ"النهار" إن الزواج في المجتمع السوري لم يعد يُنظر إليه بوصفه مؤسسة تقوم على الشراكة العاطفية أو الرغبة في تكوين أسرة والإنجاب، بل أصبح، في كثير من الأحيان، معياراً يُقاس به نجاح الإنسان ومكانته الاجتماعية.

 

وتوضح بأن أبناء جيل التسعينيات وجدوا أنفسهم أمام معادلة شبه مستحيلة؛ فالمجتمع لا يزال يتوقع منهم الزواج في عمر معين، بينما جاءت الحرب لتسلبهم الأدوات التي تمكنهم من تحقيق ذلك.

 

وتقول: "عندما ننظر إلى الظروف التي مرّ بها هذا الجيل، نجد أنه خسر سنوات الدراسة والعمل والاستقرار. لذلك أصبح تحقيق هذا المعيار الاجتماعي صعباً جداً، بل مستحيلاً لدى كثيرين، وهو ما انعكس على صحتهم النفسية". 

 

الأخصائية النفسية شريفة الشريف
الأخصائية النفسية شريفة الشريف

 

وتضيف أن كثيراً من الشباب يعانون اليوم من مشاعر الإحباط، والقلق المزمن، والاكتئاب، والغضب المتراكم، ليس فقط بسبب الظروف الاقتصادية، وإنما أيضاً نتيجة الإحساس بالعجز عن تحقيق ما يعتبره المجتمع "النجاح الطبيعي".

 

كما تلفت إلى أن المقارنات الاجتماعية المستمرة تزيد من حدة الضغوط النفسية، إذ يشعر كثير من الشباب بأنهم تأخروا عن أقرانهم في بناء حياتهم، رغم أن الأسباب التي فرضت عليهم ذلك كانت خارجة عن إرادتهم.

 

وتختم بالقول إن أخطر ما خلّفته الحرب ربما لا يتمثّل في تأخر الزواج بحدّ ذاته، بل في شعور كثير من أبناء هذا الجيل بأن سنوات أعمارهم سُرقت منهم، وأنهم أصبحوا مطالبين بتحقيق معايير اجتماعية في وقت ما زالوا يكافحون فيه لتأمين أساسيات الحياة.


الزواج المبكر: الوجه الآخر للحرب


في الوقت الذي دفعت فيه الحرب آلاف الشبان إلى تأجيل الزواج، دفعت أسراً أخرى إلى اتخاذ قرار معاكس تماماً. قرار لم يكن قائماً على الرغبة، ولا على الاستعداد، بل على الخوف. الخوف من الحرب، والنزوح، والفقر، وانعدام الأمان.

 

في إحدى قرى الجزيرة السورية، كانت هاجر في الثالثة عشرة من عمرها فقط عندما أخبرتها عائلتها بأنها ستتزوج.

لم تكن تدرك معنى الزواج، ولم تكن أحلامها تتجاوز مقاعد المدرسة وصديقاتها ودفاترها، لكن الحرب سبقت طفولتها، وأجبرتها على دخول حياة لم تكن مستعدة لها.

 

تقول هاجر لـ"النهار": "اشتد النزاع، وخاف أهلي عليّ، فقرروا تزويجي. لم يكن لي أيّ رأي في القرار". 

 

فستان عرس معروض في واجهة محل في دمشق (النهار)
فستان عرس معروض في واجهة محل في دمشق (النهار)

 

 

تتوقف لحظة، وكأنها تستعيد سنوات لم تعشها كما أرادت، قبل أن تضيف: "انتهت الحرب، لكن حياتي لم تعد كما كانت. لم أكمل تعليمي، ولم أحقق شيئاً من أحلامي، وزواجي لم يكن مستقراً، بل انتهى بأن تزوج زوجي عليّ". 

 

لا تلوم هاجر والديها بقدر ما تلوم الظروف التي دفعتهم إلى ذلك. وتقول: "أعرف أنهم كانوا يظنون أنهم يحمونني، لكن هذا القرار غيّر حياتي بالكامل". 

 

وتؤكد الشريف أن الزواج المبكر يترك آثاراً نفسية عميقة حتى في الظروف الطبيعية، فكيف إذا ترافق مع الحرب، والنزوح، والخوف، والحرمان من التعليم.

 

وتقول: "الطفلة التي تُجبر على الزواج قبل أن تكتمل شخصيتها تُحرم من حقها في النمو الطبيعي. وعندما يحدث ذلك في بيئة مليئة بالعنف والتهجير، تصبح الصدمات مضاعفة، وقد ترافقها آثار طويلة الأمد على صحتها النفسية وعلاقاتها المستقبلية". 

 

وتشير إلى أن كثيراً من الفتيات اللواتي تزوجن في سنّ مبكرة دخلن الحياة الزوجية دون أي استعداد نفسي أو اجتماعي، ثم وجدن أنفسهن مسؤولات عن تربية أطفال، بينما كنّ في الحقيقة لا يزلن يحتجن إلى من يرعى طفولتهن.

 

وترى أن الحرب لم تسرق من هؤلاء الفتيات سنوات التعليم فحسب، بل غيّرت مسار حياتهن بالكامل، وحمّلت بعضهن مسؤوليات أكبر بكثير من أعمارهن.

 

المرأة... حين حملت دورين بدلاً من دور واحد

لم تؤجل الحرب الزواج فقط، ولم تدفع بعض الأسر إلى تزويج بناتها مبكراً فحسب، بل أعادت رسم أدوار الأسرة السورية.

 

فمع غياب آلاف الرجال بسبب القتل، أو الاعتقال، أو الفقدان، أو الهجرة، وجدت نساء كثيرات أنفسهن يتحملن مسؤوليات لم يكن المجتمع يتوقع منهن حملها.

 

وترى الشريف أن المرأة السورية أصبحت، خلال سنوات الحرب، معيلةً للأسرة مثل الرجل، لكنها لم تتحرر، في المقابل، من الأدوار التقليدية المفروضة عليها.

 

وتوضح بأن "المرأة لم تحمل مسؤولية الإنفاق فقط، بل بقيت مسؤولة عن الأطفال، والمنزل، والرعاية، وكل التفاصيل اليومية. بمعنى آخر، حملت الدورين معاً".

 

وتقارن بين واقع المرأة داخل سوريا ونظيرتها التي هاجرت إلى أوروبا، حيث ساهم الاستقرار الاقتصادي، إلى جانب القوانين التي توفر حماية اجتماعية أكبر، في تخفيف جزء من الأعباء، بينما بقيت المرأة داخل سوريا تواجه مسؤوليات مضاعفة في ظل ظروف معيشية شديدة القسوة.

 

وترى أن هذه التحولات غيّرت أيضاً نظرة الرجل والمرأة إلى الشراكة الزوجية. وتقول: "أصبح الطرفان يبحثان أولاً عن شريك قادر على تأمين الاستقرار المادي، وهذا ينعكس على شكل العلاقة الزوجية وعلى مفهوم الشراكة داخل الأسرة". 

 

رغم ذلك، تؤكد الشريف أن أهم ما يحتاجه أبناء هذا الجيل ليس فقط فرصة عمل أو منزلاً، بل فرصة حقيقية للتعافي النفسي.

 

وتوجه رسالة إلى المقبلين على الزواج. "قبل أن تفكروا في الزواج، حاولوا أولاً أن تتعافوا من الصدمات التي خلفتها الحرب والهجرة، لأن الأبناء الأسوياء هم ثمرة آباء وأمهات يتمتعون بصحة نفسية جيدة". 

 

وتضيف أن الزواج يظل قيمة اجتماعية وإنسانية مهمة، لكنه لا ينبغي أن يكون المعيار الوحيد الذي تُقاس به قيمة الإنسان.

 

وتختم حديثها بالقول: "يمكن للإنسان أن يحقق ذاته أيضاً من خلال العلم، والعمل، والتطوع، والإنجاز المهني. علينا أن نعيد تعريف النجاح بعيداً عن الأحكام الاجتماعية التي اختزلت قيمة الإنسان في كونه متزوجاً أو غير متزوج". 


الحرب تترك آلاف الزيجات خارج السجلات الرسمية

إذا كانت الحرب قد غيّرت شكل الأسرة السورية، فإن آثارها امتدت أيضاً إلى الجانب القانوني، تاركة آلاف الزيجات والولادات خارج السجلات الرسمية، خصوصاً في المناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة خلال سنوات النزاع.

 

تقول المحامية لمى الجمل إن الحديث عن تأخر الزواج في سوريا لا يزال يفتقر إلى قاعدة بيانات رسمية تحدد حجم الظاهرة والفئات العمرية الأكثر تأثراً بها، إلا أن ما لمسته خلال عملها يؤكد أن أبناء جيل التسعينيات كانوا الأكثر تضرراً.

 

وتوضح في حديثها لـ"النهار" بأنه "لا توجد اليوم إحصاءات رسمية تبين بدقة من هي الفئات العمرية التي عزفت عن الزواج أو تأخر زواجها، لكن من خلال عملي أستطيع القول إن جيل التسعينيات هو الجيل الذي دفع الثمن الأكبر". 

 

المحامية لمى الجمل
المحامية لمى الجمل

 

وترى أن هذا الجيل دخل مرحلة الدراسة والعمل وبناء الأسرة في اللحظة التي اندلعت فيها الحرب، فوجد نفسه أمام واقع قلب مسار حياته بالكامل.

 

وتقول: "جيل الثمانينيات كان قد استقر إلى حد كبير، وجيل الألفين كان لا يزال طفلًا، أما جيل التسعينيات فكان في مرحلة الدراسة والعمل وبناء الأسرة، وجاءت الثورة لتقطع هذه المرحلة بالكامل". 

 

وتضيف أن كثيرين اضطروا إلى مغادرة سوريا والبدء من الصفر في بلدان أخرى، بينما بقي آخرون داخل البلاد، لكنهم لم يتمكنوا من تأسيس عمل مستقل، أو شراء منزل، أو تكوين أسرة بسبب الظروف الاقتصادية المتراكمة.

 

وتتابع:  "هذا الجيل لم يخسر سنوات من عمره فقط، بل خسر المرحلة التي كان يفترض أن يبني فيها حياته". 

 

لكن المشكلة، بحسب المحامية الجمل، لم تتوقف عند تأخر الزواج، بل امتدّت إلى تعقيدات قانونية لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.

 

ففي العديد من المناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة خلال سنوات الحرب، حُرم السكان من خدمات السجل المدني، ما أدى إلى إبرام آلاف عقود الزواج خارج المؤسسات الرسمية.

 

وتوضح الجمل بالقول: "شهدنا مشكلة كبيرة في المناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة، حيث لم يكن هناك سجل مدنيّ يسجل وقائع الزواج والولادة، لذلك تمت زيجات كثيرة بكتاب شيخ فقط، دون تثبيت رسمي". 

 

وتشير إلى أن تداعيات هذه الزيجات لم تقتصر على الأزواج، بل امتدت إلى الأطفال أيضاً. "عندما لا يُسجّل الزواج، تصبح عملية تسجيل الولادات أكثر تعقيداً، بخاصة إذا كان الأب مفقوداً أو متوفى أو استشهد خلال الحرب". 

 

وتوضح بأن المحاكم الشرعية حاولت التعامل مع هذه الملفات بمرونة لتخفيف آثارها الإنسانية. "المحاكم الشرعية أصبحت تقبل، في كثير من الحالات، شهادات الشهود لإثبات الزواج أو الولادة، لكن ذلك يخضع لشروط قانونية دقيقة، أهمها أن يكون الشهود موثوقين ومستوفين للشروط القانونية". 

 

ورغم ذلك، تؤكد أن هذه الإجراءات لا تعالج جميع الحالات. "إذا لم يكن هناك شهود، أو لم يبقَ أحد من عائلة الزوج، تصبح عملية إثبات الزواج أو النسب أكثر تعقيداً، وهو ما يترك كثيراً من الأسر في مواجهة مشكلات قانونية وإنسانية طويلة الأمد". 

 

مكتومو القيد ضحايا غير مرئيين للحرب
من أكثر الملفات تعقيداً التي أفرزتها سنوات الحرب، تبرز قضية الأطفال مكتومي القيد. تقول الجمل:
"هناك أطفال لم يتمكن ذووهم من تثبيت نسبهم لآبائهم بسبب ظروف الحرب، وهؤلاء سُجّلوا كمكتومي قيد".

 

وتوضح بأن هذه الحالة - على قسوتها - تبقى أقل ضرراً من بقاء الطفل خارج أيّ سجل رسمي. "اليوم، الطفل مكتوم القيد يستطيع أن يعيش بصورة أقرب إلى الطبيعية، ولا يمكن معرفة حالته إلا من خلال الاطلاع على قيوده الرسمية، التي تُعامل بسرية تامّة". 

 

لكنها تشدد على أن المشكلة الأساسية لا تزال تكمن في آلاف الوقائع التي لم تُثبت خلال سنوات النزاع. "في بعض المناطق كانت هناك محاولات لإنشاء سجلات مدنية محلية، وسُجلت فيها وقائع الزواج والولادة، لكن لا توجد حتى اليوم صورة واضحة عن مدى اعتماد هذه السجلات أو إمكانية الاستفادة منها". 

 

وترى أن المرحلة المقبلة تتطلب جهداً قضائياً وإدارياً واسعاً. "نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة من المحاكم الشرعية والجهات المختصة للتعامل مع الأعداد الكبيرة من طلبات تثبيت الزواج والولادات وإثبات النسب، حتى لا تبقى آثار الحرب القانونية مستمرة لأجيال قادمة". 

 

حين تصبح الأم معيلة... لكنها ليست صاحبة القرار
لم تتوقف آثار الحرب عند فقدان المعيل، بل امتدت إلى التعقيدات القانونية التي واجهتها آلاف النساء بعد غياب الأزواج.

 

وتوضح الجمل بأن كثيراً من النساء أصبحن المعيلات الفعليّات لأسرهن، إلا أن ذلك لم يكن يعني تلقائياً امتلاكهن الصلاحيات القانونية الكاملة لإدارة شؤون أطفالهن.

 

وتقول: "في كثير من الحالات كانت الأم هي التي تنفق على الأسرة وتربي الأطفال، لكنها كانت تحتاج إلى مراجعة القضاء للحصول على وصاية شرعية موقتة إذا أرادت القيام ببعض الإجراءات القانونية المتعلقة بأطفالها". 

 

وتشرح بأن قوانين الأحوال الشخصية تميّز بين الرعاية اليومية والولاية القانونية. "قد تكون الأم هي التي تتحمل مسؤولية الأسرة بالكامل، لكن بعض التصرفات القانونية كانت تتطلب الحصول على إذن من القاضي الشرعي، خاصة إذا كان الأب مفقوداً أو متوفى". 

 

وترى أن هذا الواقع أضاف عبئاً جديداً على النساء اللواتي كنّ أصلاً يتحملن مسؤولية إعالة الأسرة. "كانت المرأة تتحمل مسؤولية الإنفاق، ثم تضطر في الوقت نفسه إلى مراجعة المحاكم لاستكمال إجراءات قانونية تتعلق بأبنائها أو أموالهم أو حقوقهم". 

وتشير إلى أن بعض الإجراءات شهدت لاحقاً تبسيطاً، ولا سيما في ملفات السفر والجوازات، إلا أن كثيراً من النساء ما زلن يواجهن تحدّيات قانونية مرتبطة بغياب الأب أو فقدانه.

 

حين يصبح المنزل شرطاً مؤجلاً للزواج
وإذا كانت الحرب قد أخّرت الزواج بسبب الفقر والبطالة، فإن أزمة السكن عمّقت هذه الفجوة أكثر.

يصف الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد أزمة السكن في سوريا بأنها "أزمة هيكلية بنيوية مركبة"، نتجت من تراكم عوامل اقتصادية وعمرانية تفاقمت خلال سنوات الحرب.

 

ويقول إن الدمار الواسع الذي طال المدن السورية أدى إلى انخفاض كبير في المعروض من المساكن، مشيراً إلى أن التقديرات تتحدّث عن نحو 500 ألف شقة تعرّضت لدمار كليّ أو جزئيّ، وهو ما خلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب.

 

ويضيف أن الأزمة لا ترتبط بالحرب وحدها، بل بسنوات طويلة من ضعف التخطيط العمراني، ونقص الأراضي المنظمة للبناء، وانتشار المناطق العشوائية، وهي عوامل كانت قائمة قبل الحرب ثم تفاقمت بعدها.

 

الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد
الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد

 

 

ويرى أن عودة جزء من اللاجئين، مع بقاء الواقع العمراني على حاله، زادت الضغط على سوق السكن. ويقول:
"اليوم هناك طلب متزايد على شراء أو استئجار المنازل، يقابله انخفاض كبير في العرض، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بصورة مستمرة". 

 

ويشير إلى أن العقار لم يعد مجرد وسيلة للسكن، بل تحول إلى ملاذ لحفظ المدخّرات في ظل تقلّبات العملة. "العقار في سوريا يُسعّر عملياً بالدولار، بينما معظم السوريين يتقاضون دخولهم بالليرة السورية، ما خلق فجوة كبيرة بين الدخل وأسعار المساكن". 

 

ويرى عودة أن هذه المفارقة جعلت امتلاك منزل حلماً بعيد المنال بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب، ولا سيما أبناء جيل التسعينيات. "في مجتمع شرقيّ كالمجتمع السوري، يرتبط الزواج بوجود منزل ومهر وتجهيزات، والسكن يشكل الكلفة الأكبر. لذلك أصبحت أزمة السكن أحد أهم أسباب تأخر الزواج". 

 

ويشير إلى أن القروض العقارية طويلة الأجل، كما هو معمول به في كثير من الدول، يمكن أن تشكل جزءاً من الحلّ، إلا أن محدودية القروض المتاحة في سوريا تجعل الأزمة أكثر تعقيداً.

 

ولا تقف أزمة السكن عند حدود شراء منزل، بل تمتد إلى مجرد استئجاره. 

فبحسب مكاتب عقارية في دمشق وريفها، تبدأ إيجارات الشقق في ضواحي العاصمة وريف دمشق من نحو 200  إلى 300 دولار شهريًا، تبعًا للمنطقة وحالة العقار، بينما يشترط كثير من المالكين دفع بدل الإيجار ستة أشهر مقدمًا، وأحيانًا مع مبلغ تأمين إضافي.


أما داخل مدينة دمشق، فتبدأ إيجارات الشقق في عدد من الأحياء من نحو 700  دولار شهريًا، وقد تصل إلى 1200  دولار أو أكثر في الأحياء الراقية أو الشقق المفروشة، مع اشتراط الدفع ستة أشهر أو سنة كاملة مقدمًا في كثير من الحالات، وهو ما يرفع كلفة السكن إلى آلاف الدولارات قبل شراء أي قطعة أثاث أو تجهيز مستلزمات الزواج.


ولا تبدو كلفة التملك أقل قسوة. ففي ضواحي دمشق، تبدأ أسعار الشقق الصغيرة من نحو 60  ألف دولار، وقد تتجاوز100  ألف دولار بحسب المساحة والموقع ومستوى الإكساء، بينما تقفز الأسعار داخل العاصمة إلى مئات آلاف الدولارات، وقد تصل في بعض المواقع التجارية والسكنية المتميزة إلى ملايين الدولارات، ما يجعل امتلاك منزل حلمًا بعيد المنال بالنسبة لغالبية الشباب السوري.


وتنسجم هذه الوقائع مع ما أورده تقرير المدن العالمية 2026 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية  (UN-Habitat)، الذي وضع سوريا في المرتبة الأولى عالميًا من حيث المدة اللازمة لامتلاك مسكن مناسب، إذا ادخر المواطن كامل دخله، إذ يحتاج السوري نظريًا إلى 86 عامًا و7 أشهر لشراء منزل، في مؤشر يعكس اتساع الفجوة بين مستويات الدخل وأسعار العقارات.


جيل دفع ثمن الحرب قبل أن يبدأ حياته
بين محمد الذي أجّل حلم الزواج بحثاً عن الحد الأدنى من الاستقرار، وهاجر التي انتهت طفولتها بزواج فرضته الحرب، وأم ماري التي فقدت زوجها في المعتقل واضطرت إلى تربية ابنتيها وحدها، تتشكل ملامح جيل كامل أعادت الحرب رسم حياته.

 

تقول أم ماري إن زوجها خرج صباحاً من درعا إلى دمشق بحثاً عن لقمة العيش، لكنه لم يعد. اعتُقل، ثم أُبلغت العائلة لاحقاً بوفاته داخل المعتقل.

 

منذ تلك اللحظة، وجدت نفسها مسؤولة وحدها عن ابنتين. لم يكن أمامها سوى العمل، والصبر، ومواصلة الحياة.

 

تقول إنها كرّست سنوات عمرها لتعليم ابنتيها، حتى تمكنتا من التخرج في جامعتين من أهم جامعات دمشق، معتبرة أن نجاحهما كان انتصارها الوحيد في مواجهة خسارة لم تلتئم.

 

أما محمد، فلا يزال يرى أن حلم الزواج لم يمت، لكنه أصبح مؤجلاً. ويقول: "في المرحلة الثانوية، كان أيّ شاب يتخيل أنه عندما يبلغ الخامسة والثلاثين سيكون لديه بيت، وزوجة، وأطفال، وعمل مستقر. اليوم أبلغ الخامسة والثلاثين، وما زلت أحاول أن أبدأ حياتي". 

 

يصمت قليلاً، ثم يضيف: "خسرنا الوقت... والوقت لا يعود. يمكن أن يعوض الإنسان المال، لكنه لا يستطيع أن يعوض سنوات الشباب". 

ويؤكد أن أبناء جيله لم يفقدوا أحلامهم، بل فقدوا الظروف التي كانت تسمح بتحقيقها.

 

واجهة محل لبيع الذهب في دمشق
واجهة محل لبيع الذهب في دمشق

 

 

ليس جيلاً عزف عن الزواج بل جيل حُرم من ظروفه
قد تبدو عبارة "عزوف عن الزواج" الأكثر تداولاً عند الحديث عن الشباب السوري، لكن القصص التي جمعتها "النهار" ترسم صورة مختلفة تماماً.

فمحمد لا يرفض الزواج، بل يؤجله حتى يستطيع تأمين حياة كريمة.

وهاجر لم تختر الزواج أصلاً، بل فُرض عليها وهي طفلة.

وأم ماري لم تخطط لأن تصبح المعيل الوحيد لأسرتها، لكنها وجدت نفسها تؤدي هذا الدور بعدما فقدت زوجها.

وتتفق شهادات الخبراء على أن جيل التسعينيات لم يخسر سنوات من عمره فحسب، بل خسر المرحلة التي كان يفترض أن يبني فيها مستقبله.

وربما لهذا السبب لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا تأخر زواج جيل التسعينيات؟

بل: كيف يمكن لجيل سرقت الحرب أجمل سنوات عمره أن يبدأ حياته من جديد؟

قبل خمسة عشر عاماً، كان أبناء هذا الجيل يقفون على أبواب مستقبلهم. كانوا ينهون دراستهم، ويبحثون عن عمل، ويحلمون ببيت وأسرة. لكن الحرب جاءت لتؤجل تلك الأحلام عاماً بعد عام.

واليوم، لم يعد السؤال الذي يؤرق كثيرين منهم: "متى سأتزوج؟" بل أصبح: "هل أستطيع أصلاً أن أؤسس حياة كريمة؟".

وبين الفقر، والنزوح، والبطالة، وأزمة السكن، والزيجات المبكرة، والآثار النفسية والقانونية التي خلفتها الحرب، تقف قصة جيل كامل لا تختصرها الإحصاءات، ولا تكفيها الأرقام.

جيلٌ لم يفقد رغبته في تكوين أسرة، بل فقد الظروف التي تجعل هذا الحلم ممكناً.

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام صناع القرار، والخبراء، والمجتمع السوري بأسره: هل يستطيع جيل التسعينيات أن يستعيد ما سرقته الحرب من عمره، أم سيبقى حلم الزواج واحداً من أطول فصول الانتظار في حياته؟


الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/31/2026 5:26:00 PM
حملة الدايخ ليست أخلاقية، ومنع الإيجار عنه ربما قرار صائب لأنه ظهر في قلة أخلاق وفي مذهبية حاقدة.
مجتمع 8/2/2026 12:38:00 PM
حذّرت المصلحة من التعرّض المباشر لأشعة الشمس ومن اندلاع الحرائق في المناطق الحرجية.
فن ومشاهير 7/31/2026 11:54:00 AM
رسالة مؤثرة تعكس حزن الفنانة المعتزلة شمس البارودي خلال زيارتها لمقبرة زوجها الفنان حسن يوسف ونجلهما عبد الله في الذكرى الثالثة لرحيله.
فن ومشاهير 8/1/2026 12:17:00 AM
أكدت أن الفن بالنسبة إليها ليس مجرد مهنة، بل هو حلم...