خلف أرقام الانتحار في العراق... ما الذي يدفع مئات الشباب إلى إنهاء حياتهم؟
لم يعد خبر انتحار شاب أو فتاة في العراق حدثاً استثنائياً يسترعي الانتباه، بل أصبح يتكرّر بوتيرة تثير قلق المجتمع والسلطات الصحية والأمنية على حد سواء. ففي كل يوم تقريباً، تسجّل المحافظات العراقية حالات جديدة، تتنوع وسائلها وتتشابه دوافعها، لتكشف عن أزمة تتجاوز كونها مأساة فردية إلى ظاهرة اجتماعية تتغذى على البطالة والفقر والاضطرابات النفسية والتفكك الأسري وتعاطي المخدرات.
ورغم انخفاض معدلات الجريمة الجنائية في العراق خلال السنوات الأخيرة، فإن أرقام الانتحار تواصل تسجيل مستويات مقلقة، الأمر الذي دفع وزارة الداخلية نفسها إلى التحذير من خطورة هذه الظاهرة، واعتبارها تحدّياً مجتمعياً يتطلّب استجابة تتجاوز المعالجات الأمنية التقليدية.
أرقام ترسم منحنى مقلقاً
تكشف مراجعة البيانات الرسمية والتقارير الحكومية أن العراق شهد تصاعداً واضحاً في أعداد حالات الانتحار خلال الأعوام الأخيرة.
ففي عام 2022 سُجّلت 1073 حالة انتحار، وهو الرقم الأعلى خلال السنوات الأخيرة، وفق البيانات الرسمية المتداولة. وفي عام 2023، انخفض العدد إلى نحو 700 حالة، فيما سجّلت الجهات المختصّة نحو 300 حالة خلال النصف الأول من عام 2024.
أما في عام 2025، فقد أشارت تقارير إعلامية استندت إلى بيانات أمنية ورسمية إلى تسجيل أكثر من 740 حالة انتحار، بينما كشفت وزارة الداخلية العراقية في مؤتمرها الصحافي الخاص بإحصاءات النصف الأول من عام 2026 عن تسجيل 617 حالة انتحار خلال الأشهر الستة الأولى فقط، بالتزامن مع انخفاض الجريمة العامة بنسبة 18%، وهو ما يعكس مفارقة لافتة تتمثل في تحسن المؤشرات الأمنية مقابل استمرار ارتفاع مؤشر الانتحار.
وقال مدير دائرة العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية اللواء مقداد ميري إن الوزارة سجلت 617 حالة انتحار في عموم العراق خلال النصف الأول من عام 2026، داعياً إلى التعامل مع الظاهرة بوصفها قضية مجتمعية تتطلب تكاتف المؤسسات الرسمية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني.
ويرى مختصون أن الأرقام الرسمية تمثل الحد الأدنى للحالات المسجلة، إذ قد لا تظهر جميع الوقائع في الإحصاءات بسبب الوصمة الاجتماعية أو استمرار التحقيقات في بعض الوفيات لتحديد ما إذا كانت انتحاراً أو وفاة عرضية.

الخاسر الأكبر
لا تكشف الأرقام حجم المأساة بالكامل؛ فمعظم الضحايا ينتمون إلى الفئات العمرية الشابة، وهي الشريحة التي يفترض أن تكون الأكثر إنتاجاً في المجتمع.
وتشير بيانات وزارة الصحة العراقية إلى أن 20% من محاولات الانتحار تعود لأشخاص تقل أعمارهم عن 18 عاماً. وتعود 43% من محاولات الانتحار إلى أسباب نفسية، في حين تتوزع بقية الحالات بين أسباب اجتماعية وأسرية واقتصادية. وتؤكد الوزارة أن الاضطرابات النفسية غير المشخصة تمثل عاملاً رئيسياً في كثير من الحالات.
ويقول أطباء نفسيون إن الاكتئاب واضطرابات القلق لا تزال من أكثر الأمراض التي لا تُشخَّص أو تُعالج في العراق بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، وهو ما يؤدي إلى تأخّر طلب العلاج حتى تصل بعض الحالات إلى مراحل متقدّمة.
عندما تتداخل الأزمات
يكشف تتبع ملفات الانتحار عن أن قرار إنهاء الحياة لا يصدر عادة عن سبب واحد، وإنما يأتي نتيجة تراكم ضغوط متعددة.
فالبطالة المستمرة، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الحصول على فرصة عمل، والعنف الأسري، والخلافات العائلية، والإدمان على المخدرات، والابتزاز الإلكتروني، جميعها عوامل تتكرر في معظم الدراسات والتقارير.
يؤكّد نائب رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق حازم الرديني أن أبرز دوافع الانتحار تتمثل في الضغوط النفسية الناجمة عن البطالة، وسوء الأوضاع الاقتصادية، والابتزاز الإلكتروني، وإدمان المخدرات، والعنف الأسري، داعياً الحكومة إلى تشكيل لجنة وطنية تضم وزارات الصحة والداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية والشباب لمعالجة أسباب الظاهرة.
ولا يختلف هذا التشخيص كثيراً عمّا تؤكّد عليه منظمة الصحة العالمية، التي تشير إلى أن الانتحار مشكلة صحيّة عامّة يمكن الوقاية من نسبة كبيرة من حالاتها عبر تحسين خدمات الصحة النفسية، والتدخّل المبكر، وتوفير الدعم الاجتماعي للفئات الأكثر عرضة للخطر.

بين نقص العلاج ووصمة المرض النفسي
في الوقت الذي تتزايد فيه مؤشرات الانتحار، يرى مختصون أن منظومة الصحة النفسية في العراق لا تزال تواجه تحدّيات كبيرة، ليس فقط بسبب محدودية الإمكانيات، بل نتيجة ضعف الإقبال على طلب العلاج النفسي ايضاً، بفعل الوصمة الاجتماعية التي لا تزال تربط المرض النفسي بالعار أو بالضعف الشخصي.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن العراق قطع خطوات في إعداد سياسات للصحة النفسية والوقاية من الانتحار، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة لتوسيع خدمات الرعاية النفسية داخل مراكز الرعاية الأولية، وزيادة عدد الكوادر المتخصصة، وضمان وصول الخدمات إلى جميع المحافظات، ولا سيما الفئات الأكثر عرضة للخطر.
كذلك، تشير بيانات المنظمة إلى أن لدى العراق سياسة وطنية للصحة النفسية واستراتيجية خاصة بالوقاية من الانتحار، إلا أن التنفيذ يتطلب موارد بشرية ومالية أكبر. وتبيّن أن نسبة ملحوظة من العراقيين يعانون اضطرابات نفسية بدرجات مختلفة، بينما لا يزال كثير منهم يفتقرون إلى العلاج أو الدعم النفسي المناسب، وهو ما ينعكس على تفاقم المشكلات النفسية لدى بعض الفئات، خصوصاً الشباب.
الصحة النفسية... استثمار في الوقاية
سبق لممثل منظمة الصحة العالمية في العراق، الدكتور أدهم إسماعيل، أن أكّد أن الانتحار يمثل قضية صحية عامة يمكن الوقاية منها، مشدداً على أهمية بناء استراتيجية وطنية متعددة القطاعات، وزيادة الوعي بالصحة النفسية، وتحسين فرص الوصول إلى خدمات العلاج، وتقليل الوصمة المرتبطة بالأمراض النفسية.
كما نقلت المنظمة عن مستشار الصحة النفسية في وزارة الصحة العراقية الدكتور عماد عبد الرزاق أن تحسين إمكانية الوصول إلى خدمات الصحة النفسية، وبناء قدرات العاملين في القطاع الصحي، وتعزيز التوعية المجتمعية، تعدّ من الركائز الأساسية للحد من حالات الانتحار في العراق.
البطالة ضغط اقتصادي يتحول إلى أزمة نفسية
لا يمكن فصل ملف الانتحار عن الواقع الاقتصادي الذي يعيشه كثير من الشباب العراقي. فالباحثون في علم الاجتماع يرون أن البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص العمل، تشكل بيئة خصبة لتفاقم الضغوط النفسية، خاصة عندما تترافق مع ضعف شبكات الدعم الأسري والاجتماعي.
ورغم أن الضائقة الاقتصادية ليست سبباً مباشراً للانتحار، فإنها تتحول إلى عامل خطر عندما تتداخل مع الاكتئاب أو القلق أو المشكلات العائلية، وهو ما تؤكده الأدبيات العلمية الخاصة بالصحة النفسية، التي تشير إلى أن السلوك الانتحاري غالباً ما يكون نتيجة تراكم عدة عوامل في آن واحد، وليس نتيجة ظرف واحد فقط.
المخدرات... عامل يتنامى بصمت
خلال السنوات الأخيرة، برزت المخدرات بوصفها أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالصحة النفسية في العراق. وتشير بيانات الأجهزة الأمنية إلى اتساع رقعة تعاطي المواد المخدرة بين فئات عمرية شابة، فيما يرى مختصون أن الإدمان يزيد من احتمالات الإصابة بالاكتئاب، واضطرابات السلوك، والأفكار الانتحارية.
وفي هذا السياق، دعا المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق إلى إدراج مكافحة المخدرات ضمن الاستراتيجية الوطنية للوقاية من الانتحار، مؤكداً أن الإدمان، إلى جانب البطالة والعنف الأسري والابتزاز الإلكتروني، يمثل أحد أبرز العوامل المؤثرة في ارتفاع الحالات المسجلة.
لماذا لا تعكس الأرقام الحقيقة كاملة؟
يواجه باحثون صعوبة في الوصول إلى الرقم الحقيقي لحالات الانتحار في العراق. فبعض الوفيات تبقى قيد التحقيق لفترات طويلة، بينما تمتنع بعض العائلات عن تسجيل الوفاة باعتبارها انتحاراً بسبب الاعتبارات الدينية أو الاجتماعية أو العشائرية.
ولهذا السبب، أوصت منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة العراقية منذ سنوات بإنشاء سجل وطني موحد لحالات الانتحار، يعتمد على بيانات الطب العدلي والشرطة والمؤسسات الصحية، بما يضمن دقة الإحصاءات ويساعد على وضع سياسات وقائية أكثر فاعلية.
وتشير المنظمة إلى أن الدراسة الوطنية التي نفذتها وزارة الصحة بالتعاون مع وزارة الداخلية خلال عامي 2015–2016 شكلت أساساً للتخطيط لإنشاء هذا السجل وتحسين جودة البيانات مستقبلاً.
هل بدأت الحكومة بالتحرك؟
شهد عام 2026 خطوات مؤسسية جديدة، تمثلت في عقد وزارة التخطيط بالتعاون مع المفوضية العليا لحقوق الإنسان ورشة عمل متخصصة لمراقبة السلوك الانتحاري، ضمن تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للوقاية من الانتحار (2023–2030).
وأكدت المديرة العامة لدائرة التنمية البشرية في وزارة التخطيط الدكتورة مها عبد الكريم الراوي لـ"النهار" أن الهدف من الورشة هو دعم السياسات الوطنية الهادفة إلى تحسين جودة الحياة وتعزيز الرفاه الاجتماعي، في إطار خطة حكومية تهدف إلى الوقاية من الانتحار عبر جمع البيانات وتحليلها ووضع برامج تدخل مبكر.
ما الذي يحتاج إليه العراق؟
يرى خبراء الصحة العامة أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الجانب الطبي، بل تحتاج إلى مقاربة شاملة تبدأ من تحسين الظروف الاقتصادية، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتوسيع خدمات الصحة النفسية، وإدخال الإرشاد النفسي إلى المدارس والجامعات، وإنشاء خطوط دعم مجانية تعمل على مدار الساعة للأشخاص الذين يمرون بأزمات نفسية.
كما يؤكد المختصون أن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية مهنية في تناول هذه القضية، من خلال تجنب التغطية المثيرة أو التفصيلية لطرق الانتحار، والتركيز بدلاً من ذلك على التوعية، وتشجيع طلب المساعدة، وعرض قصص التعافي، بما ينسجم مع إرشادات منظمة الصحة العالمية الخاصة بالتغطية الإعلامية للانتحار.
وتكشف الأرقام الرسمية الممتدة من عام 2022 حتى منتصف عام 2026 أن الانتحار لم يعد حادثاً فردياً معزولاً، بل بات مؤشراً إلى تحديات متراكمة يعيشها المجتمع العراقي.
وبينما تتعدد الأسباب بين الاضطرابات النفسية، والأزمات الاقتصادية، والتفكك الأسري، والإدمان، فإن الرسالة التي تجمع عليها المؤسسات الرسمية والمنظمات الدولية واضحة: الوقاية ممكنة، لكنها تتطلب عملاً متكاملاً تشارك فيه الدولة، والمؤسسات الصحية، والمدارس، والإعلام، والأسرة، والمجتمع المدني.
نبض