سوريا بين عطش الأرض وإرث الحرب: نصف المحصول مهدّد
سوريا- مروى البرغش
لم يعد الجفاف في سوريا مجرد تحذير يرد في تقارير المناخ والتنمية أو سيناريو مستقبليّ تحذر منه الدراسات، بل أصبح واقعاً يترجم يومياً في الحقول الجافة، والآبار المتراجعة، والمحاصيل التي تفقد قدرتها على الصمود.
ويحذر البنك الدولي من أن تغيّر المناخ وتراجع الموارد المائية يدفعان سوريا نحو أزمة زراعية متفاقمة، في حين تعكس شهادات المزارعين والمسؤولين صورة أكثر قسوة على الأرض؛ وآثار هذه الأزمة باتت ملموسة في مختلف المناطق الزراعية، حيث تداخل شح الأمطار مع الدمار الذي خلّفته الحرب ليشكّلا واحدة من أعقد التحدّيات التي تواجه القطاع الزراعي منذ عقود.
في غوطة دمشق، تعكس الحقول صورة واضحة لما تصفه التقارير الرسمية. ويقول أحد المزارعين في حديث لـ"النهار" إن وفرة المياه التي عُرفت بها الغوطة لم تعد كما كانت، بعدما تراجعت كميات الأمطار وانخفض منسوب المياه الجوفية بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.
ويضيف أن كثيراً من المزارعين اضطروا إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلّي عن محاصيل تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، فيما بات تشغيل الآبار يعتمد على الوقود أو الكهرباء بتكاليف مرتفعة لا يستطيع الجميع تحملها.
ويوضح بأن بعض المزارعين أصبحوا يكتفون بريّ الأشجار للحفاظ عليها، فيما أوقف آخرون زراعة المحاصيل الموسمية بالكامل. ويعترف بأن الدعم الحكومي يساعد في تخفيف جزء من الأعباء، لكنه لا يزال أقلّ من حجم التحديات التي يفرضها الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج؛ وبالتالي إن استمرار تراجع الموارد المائية سيهدّد مستقبل الزراعة في الغوطة ما لم تُنفذ مشاريع مستدامة لإدارة المياه ودعم المزارعين.

أسوأ موجة جفاف في سوريا منذ نحو أربعة عقود
موجات الجفاف الشديد، التي ضربت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي الطبيعية بسبب انخفاض معدلات الهطول المطري، أدت إلى تراجع الإنتاج الرزاعي بشكل غير مسبوق.
هذه الصورة المحلية تتقاطع مع ما تؤكده وزارة الزراعة. فبحسب الدكتور محمد سيلين، مدير مديرية دعم الإنتاج الزراعي، فإن ملامح الجفاف التي حذر منها البنك الدولي لم تعد مجرد توقعات، بل أصبحت واقعاً ملموساً، مشيراً إلى أن موسم 2024-2025 شهد أسوأ موجة جفاف منذ نحو أربعة عقود، بعد سلسلة مواسم قاسية تعرّضت لها البلاد منذ عام 2000 وحتى عام 2026 لعدة مواسم جفاف قاسية، من أبرزها مواسم 2007-2008، و2012-2013، و2013-2014، و2015-2016، و2017-2018، و2021-2022.
ويشرح بأن الأزمة الحالية ليست نتاج انخفاض الأمطار وحده، بل نتيجة تداخل ندرة المياه الناتجة عن التغير المناخي مع تدمير البنية التحتية الزراعية وصعوبة الوصول إلى الموارد بسبب سنوات النزاع، الأمر الذي جعل تعافي القطاع الزراعي بالغ الصعوبة.
انخفاض المحاصيل إلى النصف
تظهر تداعيات ذلك بوضوح في أرقام الإنتاج، إذ يشير سيلين إلى أن أكثر من 80% من الأسر العاملة في الزراعة وتربية الثروة الحيوانية تعرضت لخسائر خلال الموسم الأخير، فيما اقترب إنتاج المحاصيل البعلية من مستويات شبه معدومة في معظم المحافظات، بينما تراجع إنتاج المحاصيل المروية إلى نحو النصف.
ومع هذا التراجع، لم تعد الأزمة اقتصادية فقط، بل بدأت تؤثر في استقرار السكان في المناطق الريفية، حيث يوضح بأن موجة الجفاف عام 2007-2008 أدت إلى نزوح موثق في المناطق الشرقية، فيما أصبحت الهجرة خلال السنوات اللاحقة نتيجة تداخل الجفاف مع الحرب والأوضاع الأمنية والاقتصادية.
ولا يخفى على أحد أن القطاع الزراعي تعرض خلال السنوات الماضية إلى صدمة مزدوجة، تمثلت من جهة بالحرب التي استمرت أكثر من أربعة عشر عاماً، وأدت إلى تدمير شبكات وقنوات الريّ، وخسارة الآلات والمعدات الزراعية، وتضرّر الأبنية والمخابر الزراعية، ومن جهة أخرى إلى نزوح المزارعين ومربّي الثروة الحيوانية وفقدانهم لأصولهم الإنتاجية.

إدارة الموارد المائية: خط الدفاع الأول
في مواجهة هذا الواقع، تحاول الحكومة الحدّ من تفاقم الأزمة عبر التركيز على إدارة الموارد المائية باعتبارها خط الدفاع الأول. ويقول المهندس ماهر العمر، المدير العام للمؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي، إن وزارة الطاقة تعمل على مجموعة من الإجراءات تشمل ترشيد الاستهلاك، وتقليل الفاقد من شبكات المياه، وتحسين كفاءة التشغيل والصيانة، إلى جانب التوسع في تقنيات الريّ الحديث وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة في الزراعة.
كذلك، تعمل الجهات المعنية، وفق العمر، على حماية المياه السطحية والجوفية من الاستنزاف والتلوث، ودراسة مشاريع لتحلية مياه البحر في المناطق الساحلية، إضافة إلى تطوير مشاريع لنقل المياه بين الأحواض بهدف تحسين توزيع الموارد المائية.

لكن أزمة بهذا الحجم لا يمكن أن تعالج بإدارة المياه فقط. لذلك، أطلقت الحكومة، بالتعاون مع منظمات دولية، برامج لدعم المناطق الزراعية الأكثر تضرراً، تضمنت مساعدات غذائية، وأنظمة إنذار مبكر للجفاف، وبرامج إرشاد زراعي، وتشجيع أصناف مقاومة للجفاف، وإعادة تأهيل شبكات الري، ودعم إنتاج القمح عبر قروض وأسعار تشجيعية.
ورغم ذلك، يرى سيلين أن معظم هذه التدخلات لا تزال ذات طابع إسعافي أكثر من كونها حلولاً جذرية، إذ لا يزال المزارعون يواجهون ارتفاعاً حاداً في تكاليف الإنتاج، ونقصاً في المحروقات، وارتفاعاً في أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية، إلى جانب استمرار تقلّبات المناخ. وبينما يحاول المزارعون في الغوطة الحفاظ على ما تبقى من أشجارهم ومصادر رزقهم، تبدو سوريا أمام معادلة معقّدة: جفاف يتسارع بفعل تغير المناخ، وبنية زراعية أنهكتها الحرب، وإجراءات حكومية تخفّف جزءاً من الأعباء، لكنها لم تنجح بعد في وقف تراجع القطاع الزراعي أو ضمان تعافيه على المدى الطويل.
بين أرض أنهكها الجفاف، وقطاع أضعفته الحرب، تواجه سوريا تحدّياً يتجاوز إنقاذ موسم زراعي واحد؛ إنه تحدّي الحفاظ على قدرة الريف على البقاء والإنتاج، ومنع تحول أزمة المياه إلى أزمة غذاء أكثر اتساعاً.
نبض