يوليوس قيصر وحنبعل وأسيل... ماذا تكشف أسماء المواليد عن تونس اليوم؟

تحقيقات 13-07-2026 | 09:04

يوليوس قيصر وحنبعل وأسيل... ماذا تكشف أسماء المواليد عن تونس اليوم؟

تظهر بيانات عام 2022 أن يوسف ومريم أصبحا الاسمين الأكثر انتشاراً بين المواليد الجدد، فيما دخلت أسماء مثل جوري وألين قائمة الأسماء العشرة الأولى للإناث، وحل ساجد ضمن أكثر الأسماء تداولاً للذكور.
يوليوس قيصر وحنبعل وأسيل... ماذا تكشف أسماء المواليد عن تونس اليوم؟
اشخاص يتنزهون على كورنيش في تونس العاصمة (كريمة دغراش- النهار).
Smaller Bigger

لم يكن الإعلاميان التونسيان علاء الشابي وريهام بن علية يتوقعان أن يتحول قرار عائلي بحت إلى قضية رأي عام. فما إن أعلنا عن ولادة طفلهما واختيار اسم "يوليوس قيصر" له حتى اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بالتعليقات، بين من رأى في الإسم تعبيراً عن الحرية الشخصية، ومن اعتبره خروجاً عن المألوف وابتعاداً عن الأسماء العربية والإسلامية التقليدية.


لكن الجدل الذي أثاره الإسم تجاوز حدود قصة مولود جديد، ليطرح سؤالاً أعمق: ماذا تقول أسماء الأطفال عن تونس الجديدة؟ وهل تكشف التحولات في خيارات الآباء عن تغيرات أوسع في الثقافة والهوية ونظرة التونسيين إلى أنفسهم؟


في بلد ظل لعقود طويلة وفياً لتقاليد راسخة في اختيار أسماء المواليد، يبدو أن جيلاً جديداً من الآباء والأمهات بدأ يكتب صفحة جديدة من تاريخ تونس يختار فيها الاسم بوصفه تعبيراً عن الهوية الفردية، لا مجرد امتداد لإرث العائلة.



جيل جديد... وأسماء جديدة
تؤكد ريهام بن علية لـ"النهار" أن اختيار اسم "يوليوس قيصر" لم يكن محاولة لإثارة الجدل أو البحث عن الشهرة.
وتقول: "كان زوجي شغوفاً بالتاريخ، وتحديداً بشخصية يوليوس قيصر. منذ سنوات وهو يحلم بأن يحمل ابنه هذا الاسم. في البداية كنت معارضة للفكرة، لكنني اقتنعت لاحقاً لأنه أراد اسماً يحمل قصة، ويجعل طفلنا، عندما يكبر، يتساءل عن أصله ويبحث في التاريخ".

وتضيف أن الاسم بالنسبة إليها لم يعد مجرد كلمة تُدوَّن في شهادة الميلاد، بل جزءاً من شخصية الإنسان وذاكرته، ورسالة ترافقه طوال حياته.

ولا تبدو قصة "يوليوس قيصر" استثناءً بقدر ما تعكس توجهاً يتسع بين العائلات التونسية.

ففي أحد أحياء العاصمة، تروي مروى لـ"النهار" كيف أمضت مع زوجها أسابيع في البحث عن اسم لمولودهما الأول.

وتقول: "لم نكن نريد اسماً تقليدياً، بل اسماً حديثاً، قصيراً، سهل النطق، ويحمل معنى جميلاً".


أما اسم ابنتها "ميار"، فجاء باقتراح من ابنها الأكبر إياد. توضح: "أردنا أن يشعر بأنه شريك في استقبال شقيقته، وأن تكون له علاقة خاصة باسم شقيقته منذ البداية". 



 

 

بدورها، تقول سلمى، وهي موظفة في شركة خاصة، إن اسم "أسيل" لفت انتباهها أثناء مشاهدتها أحد المسلسلات التركية فاختارته لمولودتها.


وتقول سماح إن زوجها كان قد اختار اسم "كنزة" لابنتهما حتى قبل زواجهما، بينما توصلا معاً إلى اسم "إسكندر" بعدما أعد كل منهما قائمة بالأسماء التي يفضلها، ليكتشفا أن هذا الاسم كان الخيار المشترك بينهما.


من جهتها تؤكد راضية أن قرار اختيار أسماء أطفالها كان بعيداً عن أي تدخل من العائلة. وتقول: "اخترنا اسم شهد لأنه كان منتشراً آنذاك، ثم سمّينا توأمينا يوسف وزكريا لأننا أردنا أن يحملا أسماء أنبياء". 


 

 

 

 

 

 

تتكرر اليوم مثل هذه القصص في مختلف مناطق تونس، حيث لم تعد الأسماء تُختار وفق معيار واحد، بل أصبحت تعكس أذواقاً وخلفيات ثقافية متنوعة.


ولهذا لم يعد مستغرباً أن تضم قائمة المواليد الجدد أسماء مثل يزن، وآدم، وإلياس، ولارا، ولينا، وديما، وجنى، وجوري، وحنبعل، والكاهنة، إلى جانب الأسماء التقليدية التي ما تزال تحافظ على حضورها.



عندما كانت الدولة تختار الأسماء
لفهم التحولات التي يشهدها المجتمع التونسي اليوم، لا بد من العودة إلى السنوات الأولى التي أعقبت الاستقلال، حين لم يكن اختيار اسم المولود قراراً عائلياً خالصاً، بل مسألة ارتبطت بمشروع الدولة الوطنية الحديثة حينها.

يقول المؤرخ التونسي عبد الجليل بوقرة لـ"النهار" إن بناء الدولة بعد عام 1956 لم يقتصر على إنشاء المؤسسات، بل شمل أيضاً صياغة هوية وطنية موحدة، انعكست في تفاصيل الحياة اليومية، ومنها الأسماء.


ويضيف: "مع صدور قانون الحالة المدنية، أصبحت عملية تسجيل المواليد جزءاً من مشروع إداري يهدف إلى توحيد الدولة وتعزيز سلطتها، ولم يعد الاسم مجرد اختيار شخصي، بل عنصراً من عناصر العلاقة بين المواطن والدولة".


وخلال العقود اللاحقة، استندت بعض البلديات إلى تعليمات إدارية كانت تمنحها صلاحية رفض تسجيل أسماء تُعدّ غير مألوفة أو غير منسجمة مع ما اعتُبر آنذاك تقاليد المجتمع التونسي.


وشكّل المنشور عدد 85، الصادر في 12 ديسمبر/كانون الأول 1965، الإطار المرجعي لهذه الممارسة، إذ منع تسجيل الأسماء غير العربية، أو تلك التي توصف بالمستهجنة أو المخلّة بالآداب أو التي قد تُحدث التباساً.


في المقابل، أتاح المنشور تغيير الاسم أو اللقب بقرار من رئيس الجمهورية، إذا كان الاسم غير عربي أو أمازيغي، أو إذا كان يسبّب حرجاً أو سخرية أو يحمل معنى غير مستحب.


ويرى بوقرة أن هذه السياسة عكست فلسفة الدولة في تلك المرحلة، حيث كانت السلطة تتدخل في كثير من تفاصيل الحياة الاجتماعية ضمن مشروعها لبناء مجتمع حديث ومتجانس. ويقول إن الرئيس الحبيب بورقيبة كان ينظر إلى الهوية التونسية باعتبارها شخصية تاريخية مستقلّة.


ويضيف: "لم تقتصر جهود دولة الاستقلال على تحديث الإدارة أو التعليم، بل امتدت إلى المظاهر الاجتماعية، من اللباس إلى الألقاب وأسماء المواليد، في محاولة لصياغة مواطن تونسي جديد يشعر بالانتماء إلى دولة موحدة".


ورغم تلك القيود، استثنت التشريعات التونسيين اليهود، إذ سُمح لهم بمنح أبنائهم أسماء غير عربية، كما شمل الاستثناء التونسيين المتزوجين بأجانب.


اشخاص يتنزهون على كورنيش في تونس العاصمة (النهار)
اشخاص يتنزهون على كورنيش في تونس العاصمة (النهار)

 

 

 

2020... نهاية الوصاية 
استمرت هذه المقاربة لعقود، قبل أن يشهد ملف الأسماء تحولاً جذرياً في صيف عام 2020، حين أصدرت السلطات منشوراً أنهى العمل بالقيود التي كانت تمنع تسجيل أسماء معينة، في خطوة اعتبرها حقوقيون وباحثون تكريساً لحرية الأسرة في اختيار أسماء أبنائها، وإنهاءً لسنوات طويلة من الوصاية الإدارية على هذا الحق.

يرى أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية فؤاد غربالي أن هذا التحول يعكس تغيّراً في فلسفة الدولة نفسها.

ويقول لـ"النهار": "إذا كانت ستينيات وسبعينيات القرن الماضي اتسمت بحضور قوي للدولة في المجال الاجتماعي، فإن منشور 2020 يعبر عن انتقال نحو مقاربة تمنح أولوية أكبر للحريات الفردية والحقوق الشخصية".

لكن القرار أثار اعتراضات أصوات محافظة رأت أنه قد يهدّد الخصوصية الثقافية والهوية الدينية للمجتمع التونسي.

 

تونس العاصمة (النهار)
تونس العاصمة (النهار)

 

 

الأسماء... مرآة لتحولات المجتمع
لا يختزل علماء الاجتماع تغيّر أسماء المواليد في تبدل الأذواق أو البحث عن أسماء جميلة، بل يرون فيه مؤشراً على تحولات أعمق تطال المجتمع وقيمه وهويته وعلاقته بالعالم.

يقول غربالي لـ"النهار" إن الاسم لم يعد مجرّد وسيلة للتعريف بالشخص، بل أصبح أحد أشكال التعبير عن الذات، يعكس ثقافة الوالدين وخياراتهما ورؤيتهما للمستقبل.

ويضيف: "في الماضي، كانت العائلة الممتدة تلعب الدور الأكبر في اختيار الاسم، وكانت التقاليد تحسم القرار في كثير من الأحيان. أما اليوم، فقد أصبح الأبوان صاحبي القرار الأول، ويبحثان عن اسم يعبّر عن شخصيتهما بقدر ما يميز طفلهما".

ويرى أن هناك تغييراً جذرياً في مصادر الإلهام في اختيار الأسماء. فبعدما كانت الخيارات تستند إلى أسماء الأجداد أو الشخصيات الدينية أو المحيط الاجتماعي، باتت تستقي من الأفلام والمسلسلات والرياضة والأدب ومنصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن التاريخ والثقافات المختلفة.

ويعتبر أن هذا التحول يعكس صعود النزعة الفردية داخل المجتمع التونسي، حيث بات كثير من الآباء يبحثون عن اسم يمنح أبناءهم تميزاً، أكثر من حرصهم على الالتزام بالعادات والتقاليد.

لكن - في المقابل - ذلك لا يعني اختفاء الأسماء التقليدية أو الدينية وفق المتحدث، فهو يعيد توزيعها داخل مشهد أكثر تنوعاً، تتعايش فيه المرجعيات الدينية مع التاريخية والثقافية وحتى الفنية.

 

صورة من تونس العاصمة (النهار)
صورة من تونس العاصمة (النهار)

 

 

قرن من التحولات... ماذا تقول الأرقام؟
تؤكد هذا التحول بيانات المعهد الوطني للإحصاء، التي توثق تطور أسماء المواليد في تونس بين عامي 1922 و2022. 

وتكشف هذه المعطيات أن اسمَي محمد وأحمد تصدرا قائمة أسماء الذكور في بداية القرن الماضي، بينما هيمنت فاطمة وعائشة وخديجة على أسماء الإناث، في ظل مجتمع كانت المرجعية الدينية والاجتماعية تشكل فيه المعيار الأساسي للاختيار.

لكن ملامح التغيير بدأت تظهر تدريجياً بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي. ورغم احتفاظ الأسماء التقليدية بمكانتها، برزت أسماء جديدة مثل يوسف لدى الذكور ومريم لدى الإناث، في مؤشر على تنوع تدريجي في الذائقة.

ومع بداية الألفية الجديدة، تسارع هذا التحول. فلم تعد الأسماء التقليدية تحتكر المراتب الأولى، وإن حافظت على حضورها، بينما واصلت أسماء مثل يوسف ومريم صعودها.

وتظهر بيانات عام 2022 أن يوسف ومريم أصبحا الاسمين الأكثر انتشاراً بين المواليد الجدد، فيما دخلت أسماء مثل جوري وألين قائمة الأسماء العشرة الأولى للإناث، وحلّ ساجد ضمن أكثر الأسماء تداولاً للذكور.

وتبرز المقارنة بين عامي 1922 و2022 حجم التحوّل الذي عرفته تونس خلال قرن؛ فمن بين أكثر عشرة أسماء شيوعاً لدى الذكور قبل مئة عام، لم يحافظ على حضوره سوى محمد وأحمد، بينما تراجعت في قائمة الإناث جميع الأسماء التي كانت تتصدر المشهد آنذاك، مثل فاطمة وعائشة وخديجة ومبروكة.

ولا تعني هذه المعطيات أن المجتمع تخلى عن أسمائه التقليدية، بقدر ما تكشف اتساع دائرة الاختيار، وظهور أذواق جديدة لم تكن مطروحة أمام الأجيال السابقة، في مجتمع بات أكثر انفتاحاً على العالم وأكثر ميلاً إلى التنوع.

 

صورة من تونس العاصمة (النهار)
صورة من تونس العاصمة (النهار)

 

 

هل تتغير الهوية التونسية؟

لا يتفق الباحثون على وجود قطيعة مع الماضي، لكنهم يجمعون على أن الأسماء تظل واحدة من أكثر المؤشرات دلالة على التحولات الاجتماعية والثقافية.
ويرى بوقرة أن الهوية التونسية لم تكن، في أي مرحلة من تاريخها، هوية جامدة أو ثابتة حيث إنها تشكلت عبر قرون من التفاعل مع حضارات وثقافات متعددة.

أما غربالي فيرفض النظر إلى تنوع الأسماء بوصفه مؤشراً على تراجع الهوية، معتبراً أنه يعكس التطور الطبيعي للمجتمع.

ويقول: "كل جيل يترك بصمته الخاصة على الأسماء، المجتمع يتغير باستمرار، والأسماء تتغير معه".

قد يخفت الجدل الذي أثاره اسم "يوليوس قيصر" مع مرور الوقت، لكنه يؤكد أن هناك انتقالاً من جيل حمل أسماء الأجداد إلى جيل يحمل أسماء مستوحاة من التاريخ والثقافات العابرة للحدود، لتبدو تونس معه كأنها تكتب فصلاً جديداً من حكاية تبدأ من أقسام الولادة.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 7/9/2026 11:38:00 AM
حملت الصورة أجواء عائلية دافئة عكست لحظة خاصة من حياة العائلة الهاشمية...
فن ومشاهير 7/9/2026 1:17:00 PM
أعلن الفنان ماجد المصري عن خضوعه لعملية جراحية عاجلة إثر إصابته بنزيف وقطع في شبكية العين عقب حضوره مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026.
فن ومشاهير 7/11/2026 10:40:00 AM
علّقت مي عمر على تعليقات الكثير من الفتيات اللواتي يعتبرنها محظوظة بزوجها محمد سامي.
موضة وجمال 7/11/2026 3:43:00 PM

لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته