من يدفع نحو تعديل مجلّة الأحوال الشخصية في تونس؟
في مجموعة مفتوحة على موقع "فايسبوك" تحمل اسم "ضد النفقة في تونس"، يتابعها عشرات الآلاف من التونسيين، لا يكاد يمر يوم من دون منشور جديد ينتقد قوانين النفقة المعمول بها في البلاد.
وعلى هذه الصفحة يروي الأعضاء قصصهم مع النفقة، ويشتكي كثيرون من معاناتهم بسببها، فتنهال التعليقات المطالِبة بتعديل تشريع ومراجعة كل ما جاء في مجلة الأحوال الشخصية.
وهذه المجموعة ليست سوى واحدة من صفحات ومجموعات عديدة تناقش الطلاق والنفقة وقوانين الأحوال الشخصية في تونس، في انعكاسٍ لسجال اجتماعي وقانوني متواصل منذ عقود حول أقدم قوانين دولة الاستقلال الحديثة وأبرزها.
فهل تحتاج تونس فعلاً إلى هذا التعديل؟ أم أن التفكير في فتح هذا الباب قد يكون مدخلاً لتهديد مكاسب تاريخية للمرأة والأسرة؟
المجلة التي صنعت "الاستثناء التونسي"
مباشرة بعد الاستقلال، كانت مجلة الأحوال الشخصية بين أولى النصوص القانونية التي أصدرتها تونس الخارجة لتوها من حقبة الاستعمار الفرنسي.
وبإشراف وتوجيه من الرئيس الحبيب بورقيبة، الذي يُقدَّم في الذاكرة الجماعية بصفته محرر المرأة التونسية، صدرت مجلة الأحوال الشخصية في عام 1956، واعتُبرت حينها نصاً رائداً واستثنائياً في المحيط العربي، بل حتى على المستوى العالمي، بفضل ما تضمنت من مواد تحمي حقوق النساء رغم ما أثارته آنذاك من اعتراضات.

ففي بيئةٍ اجتماعية محافظة، واجهت المجلة التي صدمت المجتمع التونسي معارضةً شرسةً من جهات دينية وأصوات محافظة، اعتبرت نصوصها مخالفةً لمقاصد الشريعة رغم أنها شكلت تحولًا كبيراً في موقع المرأة داخل القانون والأسرة.
وكان الطلاق القضائي ومنع تعدد الزوجات من أبرز ملامح مجلة الأحوال الشخصية، ولا يزال القانون ساري المفعول إلى اليوم رغم محاولات متقطعة لتعديله.
وبينما لا يزال جزء من خصوم بورقيبة ينظرون إليها باعتبارها جزءاً من مشروعٍ لتغريب المجتمع، يقدم الخطاب الرسمي والشعبي المجلة بصفتها دليلاً على "حداثة الدولة".

كيف عاد الجدل؟
بعد حوادث 2011، ومع وصول الإسلاميين إلى الحكم وتنامي حضور التيارات الدينية وخطاب الشق المتطرف منها، ومع اتساع هامش الحرية السياسية، عاد إلى الواجهة من جديد النقاش بشأن مجلة الأحوال الشخصية وضرورة تعديلها.
ولم يبقَ هذا النقاش في حدود الجدران المغلقة، فقد تحوّل إلى مبادرات ومواقف سياسية فعلية صدرت عن وجوه سياسية إسلامية ومتطرفة أثارت سجالاً واسعاً في الشارع التونسي، وانقسمت بشأنها الآراء، وقوبلت برفضٍ واسع من القوى التقدمية العلمانية التي قادت تظاهرات حاشدة رافضة كل أشكال المساس بمكتسبات المرأة التونسية.
وفي حين رأت أصوات أن بعض أحكام المجلة لم تعد تواكب التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع التونسي خلال العقود الأخيرة، تمسكت أطراف محافظة برفض أي تعديل يمسّ بمقاصد الشريعة.
وبين الموقفين، تواصلت مذذاك المواجهة بين القوى النسوية والتقدمية من جهة، والتيارات المحافظة من جهة أخرى، لتصبح المجلة في كثير من الأحيان ورقةً سياسيةً أكثر منها ملفاً قانونياً للنقاش الهادئ.
وتقول النائبة في البرلمان التونسي عواطف شنيتي لـ"النهار" إن المجلة تعود إلى واجهة الخطاب السياسي "كلما احتدم الجدل حول الحريات الفردية أو مكانة المرأة أو طبيعة الدولة"، باعتبارها "مكسباً حداثياً" يوظفه مختلف الفاعلين لتأكيد شرعيتهم أو مهاجمة خصومهم.

مقترحات تُشعل السجال
خلال ولاية رئاسة الباجي قائد السبسي، وفي خطوة شكلت امتداداً لسجال قديم بدأ مع الرئيس الراحل بورقيبة لم يقع حسمه سياسياً واجتماعياً، برزت مبادرة لإقرار مبدأ المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، ضمن رؤية أوسع لتحديث التشريع وتعزيز حقوق النساء.
غير أن هذه المبادرة اصطدمت بمقاومة قوية من قوى سياسية ودينية محافظة، وكذلك باعتراضات شعبية، ما دفع السلطة إلى التراجع عن المضي فيها.
وبذلك ظلّ ملف المساواة في الإرث أحد أكثر الملفات حساسيةً في النقاش العام، كلما أثير موضوع مجلة الأحوال الشخصية أو "تحديث" قوانين الأسرة.
ولا تزال هذه المسألة، إلى جانب غيرها من النقاط الخلافية، تعيد إشعال الجدل بشأن حدود الإصلاح القانوني في تونس لمجلة الأحوال الشخصية، بين من يراه ضرورةً لمجاراة التحولات الاجتماعية، ومن يعتبره تهديداً مباشراً للبنية الأسرية ومن يدفع نحوه كشكل من أشكال المصالحة مع "تونس المسلمة".
وليست المساواة في الإرث القضية الجدلية الوحيدة التي تُفجّر النقاش كلما طُرح ملف مجلة الأحوال الشخصية، فكما ترفع جمعيات حقوقية مطلب إقرار المساواة في الميراث، تنادي أصوات محافظة بإلغاء تجريم تعدد الزوجات، وبعضها تعالى من داخل مجلس النواب في سابقة من نوعها.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، قدّم النائب عبد الستار الزارعي مقترحاً قانونياً يدعو إلى السماح بتعدد الزوجات، مبرراً ذلك في تصريح سابق لـ"النهار" بأنه "حلّ لبعض المشاكل الاجتماعية" وحماية للأسرة التونسية، خصوصاً في ظل توسع ظاهرة تأخر الزواج.
وقال الزارعي إنه عبّر بجرأة وبصوت عال عن "وجهة نظر شق واسع من التونسيين ممن يشاطرونني هذا المطلب"، كما أكد أن مقترحه يخدم المرأة أكثر من الرجل.
هذا المقترح، وإن بدا للبعض مجرد محاولة للاستفزاز السياسي، فقد أعاد إلى الواجهة المخاوف من فتح الباب أمام مسار التراجع عن المكتسبات التاريخية لنساء تونس.
لكن وزيرة المرأة والأسرة وكبار السن أسماء الجابري ردت برفض قاطع، مؤكدة أن "أي حديث عن العودة إلى التعدد أو المساس بمجلة الأحوال الشخصية مرفوض تماماً".
يبلغ معدل سن الزواج في تونس 35 سنة عند الرجال و28.4 سنة بالنسبة للفتيات وفق آخر إحصائيات للمعهد الوطني للإحصاء (حكومي). ويقول الباحث والأستاذ في قسم علم الاجتماع بجامعة تونس، المتخصص في الديموغرافيا الاجتماعية، محمد علي بن زينة إن فكرة الزواج باتت مؤجلة أكثر فأكثر بالنسبة للشباب التونسي، بسبب ظروف عدة بينها صعوبات إيجاد موطن شغل بعد التخرج أو عدم الاستقرار المهني.
وفي أيار/مايو 2025، برز مقترح آخر يتعلق بالفصل 32 من المجلة، ويقضي بجعل الطلاق بالتراضي أمام عدل إشهاد بدلاً من المرور عبر المحكمة فقط. ورغم أن البعض اعتبره تبسيطاً للمسار القانوني، فإنه واجه معارضةً شديدةً من المنظمات النسوية التي حذرت من أن أي تغيير يمس مكتسبات النساء قد يُهدد التماسك الأسري.
وفي آذار/مارس 2025، صدر مشروع عفو عام عن المطالبين بديون النفقة وجراية التقاعد، وهو ما قوبل بانتقاداتٍ حادة من جمعيات حقوقية رأت فيه تهديداً للحقوق الاقتصادية للمرأة.
"حق يراد به باطل"
رغم إقرارها بأن مجلة الأحوال الشخصية هي نص قانوني رائد حمى لعقود طويلة حقوق التونسيات، ترى المنظمات النسوية أن مكتسبات المرأة التونسية باتت مهددة.
ووفق تقدير كثيرات من الناشطات والحقوقيات، فإن المرأة في تونس فقدت جزءاً من مكاسبها خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين النصوص القانونية والواقع العملي، بحيث لا يُطبق بعض القوانين التي تحمي النساء، وهو ما يفسر ارتفاع نسب العنف ضد المرأة، من ذلك ارتفاع عدد جرائم قتل النساء سنوياً وفق منسقة جبهة المساواة وحقوق النساء نجاة عرعاري.
وتقول عرعاري لـ"النهار" إن الدعوات إلى تعديل مجلة الأحوال الشخصية في الوقت الراهن "حق يراد به باطل". ومع تمسكها بوجود حاجة فعلية إلى تعديل بعض المواد، مثل المساواة في الإرث والوصاية، فإنها ترى أن الإقدام على هذه الخطوة في الوقت الحالي قد يضر بمكتسبات المرأة التونسية بدل أن يعززها.
وفي تقديرها، تأتي هذه الدعوات من ضمن تنامي خطابٍ عالمي معادٍ للنساء، يسعى إلى إعادتهن إلى الأدوار التقليدية. لكنها تشدد في المقابل على أن الإصلاح يجب أن يتم من الداخل، عبر إقرار مزيد من الحقوق التي تواكب تطورات المجتمع والدور الذي باتت تلعبه النساء، ولكن بعد نقاشات واسعة مع المتخصصين والخبراء.

المجتمع التونسي يتغير
يختلف الحديث عن تعديل مجلة الأحوال الشخصية في تونس بحسب الجهة التي تطرحه. فالبعض يربطه بارتفاع نسب الطلاق، وتأخر سن الزواج، وتزايد قضايا النفقة، ووجود عدد كبير من المحكومين بسببها، ويرى أن التعديل سيحمي الأسرة، ومن بين هؤلاء النائب الزارعي، الذي يعتبر أن التشريع الحالي يحتاج إلى مراجعة.
في المقابل، ترى الأصوات المعارضة أن استحضار هذه الظواهر لتبرير تعديل المجلة ليس سوى "ذريعةً واهية"، كما تقول عرعاري التي تلفت إلى أن المرأة ليست مسؤولة عن هذه التحولات، وتشدد على أن المطلوب هو معالجة أسبابها الحقيقية بدل الاكتفاء بمسكنات قانونية.
وترى أن جذور الأزمة أعمق، وأن جزءاً كبيراً منها مرتبط بالأزمة الاقتصادية التي يعيشها البلد، داعيةً السلطات إلى البحث عن حلول عملية، مثل توفير موارد لتمويل صندوق النفقة.
ووفق إحصائيات نشرها المعهد الوطني للإحصاءفي كانون الأول/ديسمبر 2024، بلغت حالات الطلاق في تونس 14 ألف حالة سنوياً.
وداخل المحاكم التونسية، أينما تتكدس ملفات قضايا النفقة تتحول الأوراق والوثائق من مادة قانونية إلى قصص يومية عن الطلاق والضغط المعيشي الذي يعاني منه الطرفان على حد سواء.
ويروي فيصل الزاهي، الموظف الأربعيني الذي انفصل عن زوجته قبل أربع سنوات لـ"النهار" تفاصيل ما حدث معه بسبب تأخره عن تسديد معاليم جراية النفقة.
ويقول إن طليقته التي تملك محلاً تجارياً رفعت ضده قضية بعد تخلفه عن دفع النفقة لمدة خمسة أشهر بسبب ظروفه الاجتماعية الصعبة في تلك الفترة، مضيفاً أنه كان مهدداً بالسجن بسبب التأخر في خلاص جراية النفقة.
ويتابع: "لست ضد الإنفاق على أبنائي، لكن دخل طليقتي أعلى من دخلي بكثير، ومن المنطقي أن تساهم في الإنفاق عليهم، لماذا يلزمني القاضي ذلك ولا يلزمها الأمر نفسه؟".
ويقول إن فئة من النساء وجدت في هذه القوانين مجالاً للانتقام من الرجل، معتبراً أن "القوانين تنصف المرأة في كثير من الأحيان على حساب الرجل"، وأن هناك "حاجة إلى تعديل التشريعات لتحقيق مساواة فعلية لا يهضم معها حق الرجل".
وفي حين تنتشر الأخبار التي تتحدث عن مئات المساجين من أجل قضايا النفقة، كشفت وزيرة العدل التونسية ليلى جفال في إفادة امام البرلمان أن عددهم لا يتجاوز 191 حالة.

هل تتجه تونس للتعديل؟
تجيب الشنيتي مؤكدة أن المجلس لم يتسلم، حتى لحظة كتابة هذه الأسطر، أي مقترح رسمي لتعديل المجلة. وتشدد على أن أي تعديل، إن حصل، يجب أن يكون في سياق إقرار مزيد من المكاسب للمرأة التونسية، لا في اتجاه التراجع عنها.
وتعتبر أن المساس بحقوق النساء في تونس "خط أحمر" لا يمكن تجاوزه، مؤكدة أن هذه الحقوق ترسخت كثقافة لدى التونسي رغم المزاعم التي تدعي أنها منحت المرأة أفضلية على حساب الرجل.
وترى، في المقابل، أن المرأة التونسية باتت شريكاً في الإنفاق على أسرتها بعد دخولها سوق الشغل، مؤكدة أنها تتحمل أكثر من طاقتها داخل البيت وخارجه.
وتدعو إلى سن قوانين أكثر مرونةً تراعي وضع المرأة العاملة وتحافظ على تماسك الأسرة وتربية الأبناء وتثمن عملها داخل بيتها.
كما تشير إلى أن النفقة حق يمنحه القانون للأطفال، لا للزوجة، لافتة إلى وجود خلط بين الأمرين.
من جهتها تقول عرعاري إن مراجعة قانون النفقة لا تعني إعفاء الأب من مسؤوليته في الإنفاق على أبنائه بعد الطلاق.
وكانت وزيرة المرأة أسماء الجابري قد أعلنت عن تقديم مقترحات نصوص تهدف إلى تعديل قانون النفقة والحضانة.
وفيما يتواصل السجال بين من يرى أن الزمن تجاوز بعض أحكام مجلة الأحوال الشخصية، ومن يعتبر أي مساس بها تهديداً مباشراً لأبرز مكاسب تونس الحديثة، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تحتاج تونس إلى تعديل التشريع أم إلى إصلاح اقتصادي واجتماعي؟
نبض