العتمة... كيف يواجهها العراقيون في ظل أزمة الكهرباء المستمرة؟
يقول مواطنون إن الوعود الرسمية تتكرر سنوياً من دون أن تنعكس بشكل ملموس على واقع الخدمة.
مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات تتجاوز الخمسين درجة مئوية في بعض المحافظات العراقية، يعود ملف الكهرباء إلى واجهة الأزمات اليومية التي تؤرق ملايين المواطنين.
ساعات طويلة من الانقطاع، مولدات أهلية تستنزف دخل العائلات، ووعود حكومية متكررة لم تنجح حتى الآن في إنهاء واحدة من أكثر الأزمات استعصاءً منذ عام 2003.
في أحياء بغداد الشعبية، كما في البصرة والناصرية والديوانية، والموصل وصلاح الدين وديالى، باتت "العتمة" جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.
الأطفال يدرسون على ضوء البطاريات، والمرضى يواجهون حرارة خانقة داخل المنازل، فيما ترتفع أصوات المواطنين مع كل موجة حرّ تطالب بحلول حقيقية لا ترقيعية.
ورغم مليارات الدولارات التي أُنفقت على قطاع الكهرباء في العراق خلال العقدين الماضيين، لا تزال المنظومة عاجزة عن تلبية الطلب المتزايد، خصوصاً خلال الصيف، حين يصل الاستهلاك إلى ذروته نتيجة الاعتماد الكثيف على أجهزة التبريد.

صيف مبكر... ومعاناة تتكرر
في مدينة الصدر، شرقي بغداد، يقول المواطن العراقي أحمد جبار (42 عاماً)، وهو موظف حكومي وأب لخمسة أطفال، إن ساعات القطع تجاوزت أحياناً العشر ساعات يومياً خلال الأسابيع الأخيرة.
"نعيش بين انقطاع الكهرباء الوطنية، وارتفاع أسعار اشتراك المولدات. الراتب لا يكفي، ومع ذلك نحن مضطرون لدفع مبالغ إضافية فقط لنحصل على بضع ساعات من التبريد"، يضيف أحمد.
أما أم حسين، وهي ربة منزل من محافظة البصرة، فتصف الوضع بأنه "مرهق نفسياً وصحياً"، خاصة مع ارتفاع نسبة الرطوبة في المحافظة الجنوبية.
وتقول: "في الليل لا نستطيع النوم بسبب الحرارة، والكهرباء تنقطع بشكل مفاجئ لساعات. الأطفال يبكون من الحر، وكبار السن يعانون الاختناق".
وفي محافظة ذي قار، يشير الطالب الجامعي علي كريم إلى أن انقطاع الكهرباء يؤثر حتى على الدراسة والعمل الإلكتروني. "أحياناً نخسر الإنترنت بالكامل بسبب انطفاء الطاقة. الدراسة أصبحت مرتبطة بالكهرباء، وحتى الأعمال الحرة عبر الإنترنت تتوقف"، بحسب قوله.

أزمة مزمنة رغم الوعود
يرى مختصون أن أزمة الكهرباء في العراق ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة تراكمات طويلة تشمل الفساد الإداري، وضعف التخطيط، وتقادم البنى التحتية، إضافة إلى الاعتماد الكبير على استيراد الغاز والطاقة من الخارج.
ويقول الخبير الاقتصادي العراقي سامر الجنابي إن الحكومات المتعاقبة "تعاملت مع الأزمة بوصفها ملفاً موسمياً، بينما هي تحتاج إلى استراتيجية وطنية بعيدة المدى".
يضيف أن "الطلب على الكهرباء يتزايد سنوياً نتيجة التوسع السكاني والعمراني، لكن الإنتاج والنقل والتوزيع لم تتطور بالمستوى نفسه".
وبحسب تقديرات رسمية، فإن العراق يحتاج إلى أكثر من 40 ألف ميغاوات لتغطية الاستهلاك الكامل خلال ذروة الصيف، بينما يتراوح الإنتاج الفعلي في أفضل الأحوال ما بين 26 و30 ألف ميغاوات، مع تفاوت كبير بحسب توفر الوقود واستقرار خطوط النقل.

وزارة الكهرباء: خطط لزيادة الإنتاج
في تصريح خاص، قال المتحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية أحمد موسى لـ"النهار" إن الوزارة "وضعت خطة صيفية تتضمن إدخال وحدات توليد جديدة وصيانة المحطات القائمة لتحسين ساعات التجهيز".
وأوضح بأن "هناك تحديات حقيقية تواجه المنظومة الكهربائية، أبرزها شحّ الوقود، والتجاوزات على الشبكة، فضلاً عن ارتفاع درجات الحرارة التي تؤثر على كفاءة بعض خطوط النقل".
وأشار موسى إلى أن الوزارة "تعمل بالتنسيق مع وزارة النفط لتأمين الوقود اللازم للمحطات، إضافة إلى مشاريع الربط الكهربائي مع دول الجوار لتعزيز الاستقرار".
وأكّد أن الحكومة "تسعى إلى تقليل ساعات القطع المبرمج خلال أشهر الصيف، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية".
لكنّ مواطنين يرون أن الوعود الرسمية تتكرّر سنوياً من دون أن تنعكس بشكل ملموس على واقع الخدمة.
الحكومات المحلية بين الضغط والإمكانيات المحدودة
من جانبه، قال عضو مجلس محافظة بغداد سعد التميمي إن الحكومات المحلية تواجه "ضغوطاً شعبية كبيرة" مع كل موجة حر.
وأوضح في حديث خاص بأن "المواطن يحمّل الإدارة المحلية مسؤولية الانقطاع، رغم أن الملف يرتبط بالوزارة الاتحادية والمنظومة الوطنية بشكل عام".
وأضاف التميمي أن بعض المناطق تعاني أيضاً من "تهالك المحولات وخطوط التوزيع الداخلية"، مشيراً إلى وجود "حمل زائد نتيجة التجاوزات والاستخدام العشوائي للكهرباء".
وفي البصرة، أكّد مسؤول محلي في ديوان المحافظة أن المحافظة الجنوبية "تنتج الجزء الأكبر من النفط العراقي، لكنها ما تزال تعاني من نقص الكهرباء"، معتبراً أن ذلك "يولد حالة من الغضب الشعبي المتكرّر".

المولّدات الأهلية... حلّ مكلف
مع استمرار الانقطاعات، أصبحت المولدات الأهلية جزءاً أساسياً من حياة العراقيين، لكنها تفرض أعباء مالية إضافية على الأسر.
في حيّ العامل ببغداد، يقول صاحب مولّد أهلي، يُكنّى بأبو مصطفى، إن أسعار الوقود والصيانة ارتفعت بشكل كبير.
"المواطن يشتكي من أجور الاشتراك، لكن أصحاب المولدات أيضاً يواجهون تكاليف مرتفعة"، يقول الرجل الذي يدير مولداً يخدم أكثر من 150 منزلاً.
وتتراوح أجور الاشتراك الشهري بحسب عدد "الأمبيرات" والمناطق، لكنها ترتفع عادة خلال الصيف بسبب زيادة ساعات التشغيل. يساوي الأمبير الواحد 25 ألف دينار عراقي، بما يعادل 20 دولاراً. وبالتالي تكون تكلفة الـ5 أمبيرات نحو 100 دولار. وبارتفاع عدد الأمبيرات الى 15 أو 20، لا سيما خلال الصيف، قد تصل التكلفة الى 300 - 400 دولار.
ويشير مواطنون إلى أن جزءاً كبيراً من مداخيلهم الشهرية تذهب لتأمين الكهرباء، سواء عبر الاشتراك بالمولدات أو عبر شراء الوقود للمولدات المنزلية الصغيرة.
تأثيرات صحية واقتصادية
لا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الخدمي فقط، بل تمتد إلى الصحة والاقتصاد والتعليم.
يقول الطبيب علي الساعدي من محافظة ميسان إن ارتفاع درجات الحرارة مع ضعف التبريد يؤدي إلى زيادة حالات الإجهاد الحراري والجفاف، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن.
وأضاف أن بعض المستشفيات والمراكز الصحية "تعتمد على مولدات احتياطية بشكل مستمر، ما يرفع من تكاليف التشغيل".
اقتصادياً، يؤكد أصحاب محال تجارية أن الانقطاعات المتكررة تؤدي إلى خسائر يومية، خاصة للمحال التي تعتمد على التبريد مثل المطاعم ومحال المواد الغذائية.
في سوق الشورجة ببغداد، يقول التاجر كريم العزاوي إن "أي انقطاع طويل للكهرباء يعني تلف بعض البضائع أو توقف العمل".
وأضاف: "حتى أصحاب الورش والمصانع الصغيرة يعانون، لأن الكهرباء غير مستقرة، والمولدات الصناعية مكلفة جداً".

احتجاجات متكررة ومخاوف من التصعيد
خلال السنوات الماضية، تحولت أزمة الكهرباء إلى أحد أبرز أسباب الاحتجاجات الشعبية في العراق، خصوصاً في المحافظات الجنوبية.
ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة دون حلول جذرية قد يؤدي إلى تصاعد الغضب الشعبي، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الخدمات الأخرى المرتبطة بالكهرباء مثل الماء.
ويقول الباحث في الشأن السياسي العراقي حيدر العبودي إن ملف الكهرباء "أصبح معياراً لقياس أداء الحكومات أمام الشارع".
ويضيف أن المواطن "لم يعد يقتنع بالوعود الموسمية، بل يريد تحسناً فعلياً ومستداماً".
هل من حلول قريبة؟
خبراء الطاقة يؤكدون أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحات شاملة تبدأ بتطوير محطات الإنتاج، وتقليل الهدر، ومعالجة التجاوزات، والاستثمار في الطاقة المتجددة.
كما يشددون على ضرورة تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز المستورد، إلى جانب تحديث شبكات النقل والتوزيع التي تفقد جزءاً كبيراً من الطاقة المنتجة بسبب التقادم والأعطال الفنية.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن مشاريع جديدة للربط الكهربائي والطاقة الشمسية، يبقى المواطن العراقي بانتظار نتائج ملموسة تنهي سنوات طويلة من المعاناة.
ومع دخول أشهر الصيف اللاهبة، يبدو أن العراقيين يستعدون مجدداً لمواجهة موسم جديد من الانقطاعات، حيث تتحول الكهرباء من خدمة أساسية إلى حلم يومي، فيما تبقى العتمة عنواناً دائماً لأزمة لم تجد طريقها إلى الحل حتى الآن.
نبض