لحظات فاصلة أنهت حياتها في كيفون... والد سوزان الخليل: كانت تحمل أدوية وليس سلاحاً

لبنان 02-05-2026 | 08:36

لحظات فاصلة أنهت حياتها في كيفون... والد سوزان الخليل: كانت تحمل أدوية وليس سلاحاً

في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لحظات فاصلة أنهت حياتها في كيفون... والد سوزان الخليل: كانت تحمل أدوية وليس سلاحاً
الصحافية سوازن الخليل التي سقطت في الغارة الإسرائيلية في كيفون في 8 نيسان 2026 (الصورة من حسابها على إنستغرام)
Smaller Bigger

في الحديقة الصغيرة التي تستعيد ملامح البيت القروي في بيصور، جلست عائلة الصحافية سوزان الخليل بصمت ثقيل، يختلط فيه الحزن بذهول الفقد. وجوههم مشبعة بوجع لا يُقال، وسواد يوازي قسوة الموت. هناك، استقبلتنا العائلة لتروي حكاية ابنتها التي قُتلت في الغارة الإسرائيلية على بلدة كيفون – عاليه في الثامن من نيسان.

على صدر شقيقتها، بروش يحمل صورة سوزان. تشبهها كثيراً، كأنها امتداد لها. تدعونا للدخول، بصوت مكسور، لنستمع إلى قصة سوزان… إلى لحظاتها الأخيرة قبل أن ينتهي كل شيء في لحظة غادرة.

 

في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". غيابٌ فُرض قسراً، لا يشبه أي فراق. وبين دموعها، لا تجد سوى دعاء واحد تكرره بحرقة: "الله يحرق قلوبهم متل ما حرقولي قلبي".

 

على الكنبة المقابلة، يجلس والدها الحاج فضل الله حسن الخليل (89 عاماً)، يعترف في حديثه لـ"النهار" أنها "كانت تحب عمل الخير ومساعدة الناس… وقُتلت وهي تقوم بما أحبّت".

 

 

من عرف سوزان، يعرف جيداً كيف كرّست حياتها ووقتها، منذ اندلاع الحرب الماضية، لخدمة النازحين وتلبية احتياجاتهم. لم تكن تعرف الراحة، لا ليلاً ولا نهاراً، وكانت تردد دائماً "الناس بحاجة إلى المساعدة".

 

منذ حرب 2024، بدأت سوزان الخليل مع صديقتها رنا سكيكي ملاعب مساراً إنسانياً مشتركاً، تنقلتا خلاله بين بشامون وقبرشمون وكيفون وبيصور، لتأمين الدعم للنازحين. معاً بدأتا هذه الرحلة، ومعاً انتهت قصتهما في غارة إسرائيلية لم تفرّق بين صغير وكبير، ولم ترحم أحداً.

 

 

ما إن ركنتا السيارة ونزلتا حتى وقعت الغارة

يستعيد الحاج الخليل تفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت رحيل ابنته، يؤكد "خرجت عند العاشرة صباحاً من المنزل مع رنا لتقديم المساعدات، ثم توجهتا إلى الصيدلية لتأمين الأدوية للنازحين. اشترتا ما يلزم، وغادرتا، لكنهما عادتا أدراجهما بعدما تبيّن أنهما نسيتا جزءاً من الأدوية. وما إن ركنتا السيارة ونزلتا… حتى وقعت الغارة".

 

لحظات قليلة كانت كفيلة بإنهاء كل شيء. حيوات انطفأت تحت الركام، وبقيت صورها معلّقة على جدران البيوت. يضيف " لو لم تعودا أدراجهما، لكانتا اليوم هنا. لكن بين القدر وقسوة ما جرى"، كانت النهاية أقسى مما يُحتمل.

 

لم تعرف العائلة شيئاً عن سوزان في الساعات الأولى. ظنّوا أنها في مأمن، قبل أن تتكشف معالم المجزرة تدريجياً. ومع اقتراب المساء، وبعد الساعة الخامسة، بدأت رحلة البحث عنها في المستشفيات… إلى أن جاء الخبر الذي أنهى كل أمل: سوزان ورنا رحلتا.

 

أمضت سوزان الخليل أكثر من 25 عاماً في العمل الإعلامي (الصورة من حسابها على إنستغرام)
أمضت سوزان الخليل أكثر من 25 عاماً في العمل الإعلامي (الصورة من حسابها على إنستغرام)

 

بصوت مثقل بالحزن، يقول والدها: "كانت بدها ترتاح… وارتاحت". ابنته، التي أمضت أكثر من 25 عاماً في العمل الإعلامي، لم تكن تحمل سلاحاً، كما يوضح "لم تكن مقاتلة ولا تحمل قذائف… هذا قدر الصحافيين ومحبي الخير".

 

هو الذي يؤمن بأن "الجسد في الأرض والروح في السماء"، يترحّم على ابنته سوزان بصمتٍ مثقل بالإيمان والفقد.

 

رجلٌ يتوق للعودة إلى منطقته الشياح، التي ما زالت خارج دائرة الأمان. يستعيد ملامح زمنٍ مضى، مستذكراً "الشياح وعين الرمانة كانتا روحاً واحدة… قبل أن تُزرع الطائفية بينهما". ثم يضيف بإصرار: "سنبقى روحاً واحدة… ولن ينجحوا في تفريق الناس".

 

تبكي والدتها كلما استحضرت سوزان. كانت سندها الأول في الحياة. اليوم، تقف عاجزة أمام فراغ تركته ابنتها في المنزل، فراغ لا يُملأ. تصفها بكلمات بسيطة تختصر كل شيء "كونوا بس مناح… وما تعطلوا هم شي".

 

تقول إن سوزان كانت تخاف عليها وعلى والدها، لكنها في الوقت نفسه كانت تحمل همّ كل محتاج، كل من ينتظر مساعدة. وتستعيد موقفاً لا يغيب عن ذاكرتها "كنت أمازحها وأقول لها: نحنا صرنا نازحين كمان يا إمي… فترد عليّ: إنتو عايشين ومرتاحين، روحوا شوفوا الناس برا شو وضعهم".

 

هكذا كانت سوزان… مندَفعة إلى حدّ نسيان نفسها، لا ترى إلا حاجات الآخرين. كل ما كانت تريده أن تؤمّن لهم الحد الأدنى من الحياة. 

 

رحلت سوزان الخليل، ورحلت رنا، ورحل أكثر من 22 ضحية في استهداف كيفون. بعض القصص خرجت إلى العلن، بينما بقيت أخرى مدفونة تحت الركام، تنتظر من ينتشلها من هذا الصمت الثقيل. هناك، حيث لم يبقَ سوى الحجارة والردم، يقف المكان شاهداً حيّاً على مجزرة لم تُروَ فصولها كاملة بعد.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

أبلغ دونالد ترامب الكونغرس بأن الحرب مع إيران “انتهت”، في محاولة لاحتواء الجدل القانوني مع بلوغ مهلة الـ60 يوماً دون تفويض تشريعي
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
لبنان 5/1/2026 6:14:00 PM
أنباء أولية عن مجزرة في حبوش بعد إنذار إسرائيلي وغارات عنيفة: 10 ضحايا وعدد من الجرحى
لبنان 5/1/2026 8:38:00 PM
إسرائيل تنقل المواجهة إلى عمق لبنان… “المنطقة الصفراء” تشمل قيوداً على المدارس والتجمعات