عمالة الأولاد في العراق... طفولة تُباع تحت ضغط الفقر

تحقيقات 28-04-2026 | 15:03

عمالة الأولاد في العراق... طفولة تُباع تحت ضغط الفقر

مشهد هؤلاء الأطفال تحوّل مؤشراً واضحاً إلى أزمة اجتماعية واقتصادية متفاقمة.
عمالة الأولاد في العراق... طفولة تُباع تحت ضغط الفقر
طفل يعمل في ورشة في بغداد رغم صغر سنه (11 حزيران 2025، رويترز).
Smaller Bigger

بغداد – محمد البغدادي

 

عند التقاطعات المرورية المزدحمة، وفي الأسواق الشعبية، وداخل الورش الصغيرة وأماكن البناء، يتكرر يومياً مشهد أطفال يحملون صناديق المياه أو يبيعون المناديل أو يعملون في مهن شاقة لا تناسب أعمارهم.

 

لم يعد هذا المشهد حالة استثنائية في العراق، بل تحول إلى مؤشر واضح على أزمة اجتماعية واقتصادية متفاقمة تتمثل في اتساع ظاهرة عمالة الأطفال، وسط تحذيرات من انعكاساتها الخطيرة على التعليم والصحة والاستقرار المجتمعي ومستقبل التنمية في البلاد.

 

صبي يثبت أغراضاً في مشبك في ورشة والده في بغداد (10 ايلول 2025، رويترز).
صبي يثبت أغراضاً في مشبك في ورشة والده في بغداد (10 ايلول 2025، رويترز).

 

 

ظاهرة عمالة الأطفال في العراق تشهد تصاعداً 

تؤكّد مصادر عراقية مختلفة أن الظاهرة شهدت تصاعداً خلال السنوات الأخيرة بفعل تداخل عوامل الفقر والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة والتسرب المدرسي، إلى جانب آثار النزوح والصراعات التي مرت بها البلاد، ما دفع آلاف الأسر إلى الاعتماد على دخل أبنائها رغم محدوديته، في وقت يجد فيه كثير من الأطفال أنفسهم خارج المدارس وفي مواجهة مبكرة مع سوق عمل قاسٍ وغير منظم.

 

وبحسب المصادر، فإن نسبة الأطفال العراقيين بعمر 5 إلى 17 عاماً المنخرطين في الأنشطة الاقتصادية بلغت 7.3 في المئة، وهي نسبة تعكس حجم التحدّي القائم، خصوصاً مع تفاوتها بين المحافظات والبيئات السكنية.

 

وتشير البيانات إلى أن النسبة ترتفع في المناطق الريفية إلى 13.9 في المئة، مقابل 4.1 في المئة في المناطق الحضرية، ما يبرز العلاقة المباشرة بين الفقر وضعف الخدمات من جهة، وتشغيل الأطفال من جهة أخرى.

 

وتظهر الإحصاءات تسجيل بعض المحافظات معدّلات أعلى من غيرها، إذ بلغت النسبة في بابل 13.2 في المئة، وفي أربيل 13.1 في المئة، وفي ميسان 10.2 في المئة، وفي كركوك 10 في المئة، فيما سجّلت بغداد 4.8 في المئة.

 

هي أرقام يرى مختصون أنها قد لا تعكس الواقع الكامل، نظراً إلى اتساع سوق العمل غير الرسمي وصعوبة حصر الأطفال العاملين في الشوارع أو الورش الصغيرة أو الأعمال الموسمية.

 

صبي يقدم الطعام لزبائن في مطعم ببغداد (9 ايلول 2025، رويترز).
صبي يقدم الطعام لزبائن في مطعم ببغداد (9 ايلول 2025، رويترز).

 

 

خطة تنفيذية لخفض معدلات عمالة الأطفال

في تصريح خاص، قال مدير دائرة العمل والتدريب المهني في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أسامة مجيد الخفاجي إن الوزارة تنظر إلى ملف عمالة الأطفال بوصفه من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية، مؤكداً أن الحكومة شرعت بخطة تنفيذية جديدة، تستهدف خفض معدلات الظاهرة، عبر إجراءات ميدانية وتشريعية ورقابية متزامنة.

وأوضح الخفاجي بأن الوزارة تعمل حالياً على إنشاء نظام وطني إلكتروني لرصد حالات عمالة الأطفال في بغداد والمحافظات، يتيح جمع بيانات دقيقة عن أعداد الأطفال العاملين، وأماكن انتشارهم، وأنواع الأعمال التي يمارسونها، والفئات العمرية الأكثر تعرضاً للخطر، مبيناً أن غياب البيانات الدقيقة في السنوات الماضية كان أحد أبرز التحديات أمام بناء معالجات فعّالة.

وأضاف أن الخطة الحكومية تتضمن تنفيذ مسوحات اجتماعية وميدانية، بالتنسيق مع وزارة التخطيط ومنظمات دولية، بهدف تحديد الأسباب المباشرة التي تدفع الأسر إلى تشغيل أبنائها، سواء أكانت مرتبطة بالفقر أم بالبطالة أم بالتفكك الأسري أم بالتسرب المدرسي، لافتاً إلى أن الوزارة تسعى إلى تحويل نتائج هذه الدراسات إلى سياسات قابلة للتنفيذ بدلاً من الاكتفاء بالتوصيات النظرية.

وأشار إلى أن الوزارة سجّلت خلال المتابعات الميدانية وجود تركز لعمالة الأطفال في قطاعات البيع المتجول، وورش تصليح السيارات، والمطاعم الشعبية، وأعمال التحميل، وجمع النفايات والخردة، فضلاً عن قطاع البناء الذي وصفه بأنّه من أخطر القطاعات على الأطفال بسبب ما يتضمنه من أحمال ثقيلة ومخاطر إصابات مباشرة.

وأكد الخفاجي أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع فرق التفتيش على تكثيف الحملات الرقابية ضد أصحاب العمل، الذين يشغلون الأطفال في أعمال خطرة أو مخالفة للقانون، مشيراً إلى أن الإجراءات تشمل توجيه الإنذارات واتخاذ العقوبات القانونية، وفق ما ينص عليه قانون العمل العراقي والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

وبيّن أن المعالجة الحقيقية لا يمكن أن تجري عبر المنع فقط، بل من خلال حماية الأسرة اقتصادياً، موضحاً بأن الوزارة تربط ملف عمالة الأطفال ببرامج الرعاية الاجتماعية والإعانات النقدية للأسر الأشد فقراً، لأن الطفل غالباً ما يدخل سوق العمل حين يفقد رب الأسرة دخله أو يعجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية.

 

طفل يعمل في ورشة في بغداد رغم صغر سنه (11 حزيران 2025، رويترز).
طفل يعمل في ورشة في بغداد رغم صغر سنه (11 حزيران 2025، رويترز).

 

 

دخل الطفل جزء من ميزانية المنزل 

من جهته، قال الباحث الاجتماعي الدكتور قاسم العزاوي إن عمالة الأطفال تمثل انعكاساً مباشراً لاختلالات اقتصادية تراكمت لسنوات، موضحاً بأن ارتفاع أسعار الموادّ الغذائية والسكن والنقل، مع ضعف فرص العمل المستقرّة للبالغين، دفع الكثير من العائلات إلى اعتبار دخل الطفل جزءاً من ميزانية المنزل، رغم ما يحمله ذلك من أضرار بعيدة المدى.

وأضاف أن أخطر ما في الظاهرة يتمثل بتحوّلها من حالات فردية إلى نمط اجتماعي متكرر، حيث بات بعض الأطفال يتركون المدرسة بشكل دائم من أجل العمل، ما يخلق جيلاً محدود التعليم والمهارات، ويزيد احتمالات الفقر والبطالة مستقبلاً.

 

وتؤكد المختصة التربوية أمل الساعدي أن التسرّب المدرسي يعدّ البوابة الأساسية لعمالة الأطفال، مشيرة إلى أن بعض الأسر تفضّل تشغيل الطفل بدلاً من تحمّل نفقات النقل والقرطاسية والملابس، خصوصاً في المناطق الفقيرة والطرفية. وتضيف أن عودة الطفل إلى المدرسة تصبح أكثر صعوبة كلما طال بقاؤه في سوق العمل.

 

ولا تتوقف آثار الظاهرة عند حدود التعليم، إذ يحذّر أطباء ومختصون من تعرض الأطفال العاملين لإصابات مهنية وإجهاد عضليّ وسوء تغذية وحوادث سير، فضلاً عن ضغوط نفسية ناتجة عن العمل المبكر والعنف اللفظي أو الاستغلال الذي قد يتعرض له بعضهم في الشارع أو أماكن العمل.

 

خسارة تدريجية لرأس المال البشري في العراق

يرى خبراء اقتصاديون أن عمالة الأطفال المستمرّة تعني خسارة تدريجية لرأس المال البشري في العراق، لأن الطفل الذي يغادر المدرسة اليوم سيكون أقلّ قدرة على المنافسة والإنتاج غداً، ما ينعكس على سوق العمل والنمو الاقتصادي ومستويات الدخل في المستقبل.

 

في هذا السياق، كشف الخفاجي عن أن الوزارة وضعت ضمن خطتها للعام الحالي برامج توعية مجتمعية تستهدف الأسر وأصحاب العمل، إضافة إلى حملات مشتركة مع وزارتي التربية والداخلية لإعادة الأطفال المتسرّبين إلى المدارس، وملاحقة شبكات التسوّل والاستغلال التجاريّ للأطفال.

وأكد أن نجاح الخطة مرهون بتعاون جميع المؤسسات، لأن الوزارة وحدها لا تستطيع إنهاء الظاهرة ما لم تتكامل الأدوار بين الجهات الحكومية والمجتمع المدني والقطاع الخاص ووسائل الإعلام.

وبينما تتكرّر يومياً صور الأطفال العاملين في شوارع العراق، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الإجراءات الحكومية الجديدة وقف نزيف الطفولة وإعادة هؤلاء الصغار إلى مقاعد الدراسة؟ فكل طفل يحمل أدوات العمل اليوم، كان يفترض أن يحمل حقيبته المدرسية، وبين المشهدين تتحدد ملامح مستقبل جيل كامل.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/27/2026 9:12:00 PM
يمثل علي الزيدي نموذجاً لقيادة تجمع بين الخبرة العملية والرؤية المستقبلية في العراق.
ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.