الأعياد المسيحية في الأراضي المقدسة تحت القيود: كيف تُغيّر إسرائيل المشهد الديني في فلسطين؟
لم يكن هذا الربيع عادياً في القدس. المدينة التي اعتادت أن تستقبل أحد الشعانين بزحمة المؤمنين وأغصان الزيتون، وجدت نفسها هذا العام أمام مشهدٍ ناقص… كنيسة القيامة موصدة قبل أيامٍ من عيد الفصح. لم يكن الإلغاء مجرد قرارٍ إداري، بل لحظة تختصر واقعاً كاملاً من القيود التي تتسلل إلى الحياة اليومية، بعدما سبقها إغلاق المسجد الأقصى، في مشهدٍ يعكس تضييقاً يطاول جوهر العبادة نفسها.
"الخطر ليس بإغلاق الكنيسة… بل بجعل الوصول إليها صعباً". عبارة تختزل التحوّل الصامت الذي يعيشه الناس اليوم؛ إذ لا يُمنع الإيمان، لكنه يُثقل بالقيود، ولا تُلغى الصلاة، لكنها تُحاصر بالتفاصيل. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلّقاً: كيف يمكن مدينةً وُلدت منها الرسالات أن تضيق بأبنائها وهم يبحثون عن طريقٍ إلى الصلاة؟
في قرارٍ بدا كأنه يختصر ثقل المرحلة، أعلن بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا إلغاء عددٍ من أبرز الطقوس التي اعتادت المدينة أن تحيا بها، من دورة أحد الشعانين إلى تبريك الزيت المقدّس في خميس الأسرار. لم يكن الإعلان مجرد تعديلٍ في برنامجٍ ديني، بل إشارة واضحة إلى واقعٍ يفرض إيقاعه حتى على أكثر اللحظات قداسةً وانتظاراً.
فالقدس، التي كانت تحتضن في هذه الأيام مسيراتٍ تعجّ بالمؤمنين، من بيت فاجي إلى أبواب البلدة القديمة، مروراً بدرب الصليب، ستفقد هذا العام أحد أبرز مشاهدها الحيّة. حتى احتفالات سرّ الميرون في كنيسة القيامة، في خميس الأسرار، ستُلغى وستقتصر الصلوات داخل الكنائس، مع تقليصٍ كبير في أعداد المشاركين.
"خطأ فادح"
في الأراضي المقدسة، حيث نشأت المسيحية، يعيش المسيحيون اليوم تحت ضغوطٍ غير مسبوقة. بين قيود الوصول إلى الأماكن المقدسة، والأوضاع الاقتصادية المتردية، والهجرة المتزايدة، تتكشف معالم أزمةٍ تهدد الوجود المسيحي التقليدي في قلب القدس وبيت لحم والناصرة وترسم واقعاً صعباً يجعل البقاء تحدياً يومياً.
المطران منيب يونان، الرئيس السابق للاتحاد اللوثري، يؤكد أن حرية الأديان تُعد حقاً إلهياً ووطنياً وإنسانياً، لا يجوز المساس به في زمن السلم كما في زمن الحرب. يقول لـ"النهار": "لا نستطيع أن نفهم هذا القرار. إنه قرار سياسي بذريعة الحماية والأمن ، وإن حرمان هذا الحق يُشكّل "خطأً كبيراً وفادحاً"، في حين كان يمكن اللجوء إلى بدائلٍ أخرى لتقليل المخاطر من دون إغلاق المسجد الأقصى أو كنيسة القيامة.
هذه ليست المرة الأولى التي تُفرض فيها قيود مماثلة. إذ يُذكر يونان بأنه سبق أن أُغلقت الكنائس ثلاثة أيامٍ احتجاجاً على قرار فرض الضرائب ضد ممتلكات الكنائس، إلا أن ما يحدث اليوم مختلف، خصوصاً أنه يأتي في فترة الأعياد وفي سياقٍ مختلف. وهذا ما يجعله يعتبر أن "منع الوصول إلى الأماكن المقدسة يحمل أبعاداً سياسية. وبالتالي لا يجوز أن تبقى هذه الأماكن رهينةً للقرارات السياسية".
وعلى رغم أن الكنائس رفعت صوتها احتجاجاً على هذا القرار، فإن المطران يعبّر عن حالة العجز قائلاً: "إلى من نشتكي ونتوجّه؟ نحن نعيش في زمنٍ لا يُحترم فيه القانون الدولي".

ومنذ اندلاع الحرب، أُغلقت الضفة الغربية عن القدس، ولم تعد تصاريح الدخول متاحةً للمؤمنين الراغبين في المشاركة في الصلوات والاحتفال بعيد القيامة. ويشير المطران إلى أن "كل شيء بات يُغلق باسم الأمن، وعلى رغم ذلك، يواصل المؤمنون التوجّه إلى الكنائس في القدس والضفة الغربية".
في السابق، كما يشير يونان، "كان يُسمح بدخول ما بين 10 إلى 12 ألف مسيحي بعد حصولهم على التصاريح للمشاركة في الاحتفالات مثل الشعانين وسبت النور". ويتحدث أن أحد الشعانين تحوّل إلى مناسبةٍ شعبية جامعة، يشارك فيها الجميع، من مسيحيين ومسلمين ويهود، في مشهدٍ يعكس تنوّع المدينة وروحها. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بشكلٍ كبير، ليبقى السؤال، بحسب تعبيره: "لمن نرفع الصوت؟".
تراجع عدد المسيحيين اليوم إلى ما دون 1%، بعد موجات هجرةٍ واسعة شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. ويعزو يونان هذا النزيف المستمر إلى مجموعةٍ من العوامل المتراكمة، أبرزها غياب أي أفقٍ لتحقيق سلام عادل، إضافةً إلى إجراءات الإغلاق والتصاريح التي تقيّد حركة الناس، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب تصاعد مظاهر التطرف الديني.
في هذا السياق، يلفت إلى أن كثيرين باتوا يرون في الهجرة المخرج الوحيد، في وقتٍ يردّد لهم دائماً: "إلى أين نذهب؟ هذه أرضنا". غير أن الواقع اليومي يزداد قسوة، مع تكرار الحروب والاشتباكات كل بضعة أشهر أو سنة، وما يرافقها من إجراءاتٍ مشددة، تجعل الحياة أكثر صعوبة، حتى باتت العائلات تقول: "لم نعد قادرين على تأمين مستقبلٍ لأبنائنا هنا".
هذا الواقع دفع أعداداً متزايدة من المسيحيين إلى مغادرة البلاد بحثاً عن الاستقرار والأمان. ومع ذلك يعتبر المطران أن غياب السلام يبقى العامل الحاسم، "طالما لا يوجد سلام، سيبقى الاحتلال المسؤول الأول عن هجرة المسيحيين الذين يسعون إلى حياةٍ أفضل".
وعلى رغم كل القيود، يؤكد يونان أن الصلاة تبقى قائمة، "لا أحد يستطيع أن يمنعنا من الصلاة. كل ما نطلبه هو إنهاء الحرب والاحتلال، لنتمكّن من العيش بكرامةٍ مع مختلف مكوّنات هذا المجتمع".

أعداد المسيحيين إلى تراجع
في محاولةٍ لفهم السياق التاريخي لواقع المسيحيين في الأراضي المقدسة، واستكشاف أبرز التحديات التي دفعت آلاف العائلات إلى الهجرة، نغوص في قراءةٍ تحليلية مع المدير السابق لدائرة خدمة اللاجئين الفلسطينيين (DSPR) في مجلس كنائس الشرق الأوسط، وأستاذ علم الاجتماع في جامعة بيت لحم، والسياسي الفلسطيني الدكتور برنارد سابيلا.
تشير الدراسات والتحليلات التاريخية إلى أن عدد المسيحيين في الأراضي المقدسة يشهد تراجعاً حاداً خصوصاً في الأراضي المقدسة ولاسيما منها في الضفة الغربية. ويوضح سابيلا، أن "الواقع الحالي حزين، ويعكس أزمةً عامة تطاول جميع المكونات، مع تراجعٍ ملحوظ في أعداد المسيحيين".
ويستعيد أرقاماً لافتة، موضحاً أنه في مرحلةٍ سابقة كان عدد المسيحيين في قطاع غزة يقارب ثلاثة آلاف، في حين تشير التقديرات اليوم إلى تراجع هذا العدد إلى نحو 500 فقط، مع استمرار التفكير في الهجرة حتى لدى من تبقّى. وتُعد أوستراليا من أبرز الوجهات التي يقصدها المهاجرون، نتيجة وجود شبكاتٍ عائلية سابقة استقرّت هناك، ما يشجّع المزيد من العائلات على اتخاذ القرار نفسه، في ظل غياب الأفق واستمرار الأزمات.
في موازاة ذلك، يضيء الدكتور سابيلا على التحوّل الديموغرافي اللافت، إذ تراجعت نسبة المسيحيين في الأراضي المقدسة من نحو 13% في مراحلٍ سابقة إلى أقلّ من 1% اليوم. ويعزو هذا التراجع، استناداً إلى دراساته العديدة، إلى استمرار الحروب وغياب السلام، وما يرافقهما من تداعياتٍ اقتصادية قاسية، خصوصاً في مناطقٍ مثل بيت لحم والقدس.
ونعرف تماماً أن الأزمات والاضطرابات في الأراضي الفلسطينية ترتبط دائماً بارتفاع معدلات الهجرة، التي تطاول المسيحيين بشكل خاص، في ظل بحثٍ متزايد عن الاستقرار وفرص العيش خارج بيئةٍ غير مستقرة.
أما اليوم، إذا حدثت الهجرة بين المسيحيين الفلسطينيين، فهي في الغالب هجرة عائلية وليس فردية، ما يعني أن عائلاتٍ بأكملها قررت المغادرة بحثاً عن الاستقرار والأمان.
وعما إذا كانت هذه الهجرة مقصودةً أو مخططة، يوضح سابيلا: "استندتُ في تحليلي إلى الدراسات وليس التأويلات. الهجرة مرتبطة أساساً بالأوضاع السياسية والاقتصادية. الحرب تؤثر على الجميع، ولكن أكثر من يهددهم الأمر ليسوا الفقراء، بل الطبقة الوسطى، تليها الطبقة العليا بدرجةٍ أقل".
ويشير إلى أن الطبقة الوسطى تمثل الغالبية بين المجتمع الفلسطيني المسيحي، وهي عادة تبحث عن آفاقٍ مستقبلية، واستقرار اقتصادي وسياسي واجتماعي. وعندما تتعذر هذه الإمكانات، تصبح الهجرة خياراً واقعياً.
من جهةٍ أخرى، تُشير توقعات أصحاب الفنادق والقطاع السياحي في بيت لحم والقدس إلى أن الحرب الأخيرة لن تعيد النشاط السياحي إلى ما كان عليه قبل جائحة كورونا. وهذا يترجم عملياً إلى شللٍ كامل في الاقتصاد الفندقي المسيحي، إذ يعتمد كثيرون من المسيحيين على أعمالٍ متعلقة بالسياحة والفنادق والخدمات المقدّمة الى الحجاج والزوار.
وعن هجرة المسيحيين بشكل دائم، يوضح سابيلا أن هناك توجهاً شائعاً بين المسيحيين وغير المسيحيين الذين يغادرون المنطقة، وهو محاولة المحافظة على بيوتهم وأراضيهم من خلال أحد أفراد العائلة الذين يبقون في المكان، أو عبر وكلاءٍ قانونيين. في رأيه "العقارات تبقى أهم ملاذٍ اقتصادي في أوقات الاضطراب السياسي والحرب، ومن خلالها يسعى الناس الى ضمان حماية ممتلكاتهم والحفاظ على حقوقهم المستقبلية".

توزع المسيحيين جغرافياً
ويشير إلى أن المسيحيين بشكل عام يتواجدون اليوم في منطقة بيت لحم بنحو 25 إلى 30 ألف نشخص، من طوائف متعددة، أهمها الروم الأرثوذكس، يليهم اللاتين، والروم الكاثوليك، والسريان، والأرمن، كما توجد جماعاتٍ أصغر مثل الأقباط واللوثريين والإنجيليين.
في بيت لحم، تنتشر المدارس والمؤسسات، ويبرز م بينها فندق "كازانوفا" المعروف للوافدين الإيطاليين، التابع للكنيسة اللاتينية، إلى جانب ديرٍ مهم للموارنة يستقبل الحجاج من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك موارنة هاجروا إلى أوروبا وأميركا وأوستراليا. هذا الدير، القريب من كنيسة المهد، يظل مفتوحاً لاستقبال الزوار عندما تسود المنطقة حالة من السلام والاستقرار.
أما في غرب بيت لحم، فتضم منطقة بيت جالا، الملتحقة غرباً بالمدينة، غالبيةً مسيحية على رغم أن معظم سكانها هاجروا إلى تشيلي منذ القرن التاسع عشر. وعلى الجانب الشرقي، تقع منطقة بيت ساحور، بلدة الرعاة الذين بُشّروا بولادة المسيح، وتضم سكاناً من اللاتين والروم الأرثوذكس، يتميزون بالنشاط السياحي والخدماتي الذي يستقبل الزوار والحجاج.
في القدس القديمة، يعيش نحو 10 آلاف مسيحي يتوزعون على طوائف متعددة، يتصدرها الروم الأرثوذكس واللاتين، يليهما الروم الكاثوليك، والبروتستانت، والأقباط، والسريان، والأرمن. وتقطن الطائفة الأرمنية في الحي الأرمني، الذي يُعتبر من أبرز أحياء البلدة القديمة وأهمها.
وتضم القدس نحو 13 كنيسةً معترفاً بها رسمياً في الأراضي الفلسطينية، م بينها كنيسة مارونية تقع في منطقة باب الخليل، مصحوبة بفندقٍ يستقبل الحجاج. وكما يقول سابيلا نحن أمام "فسيفساءٍ مسيحية متكاملة تضم جميع الكنائس، بما فيها الكنيسة المارونية، وتعبّر عن التنوع العريق للمسيحيين في القدس".

أما في رام الله، فيقدر عدد المسيحيين بحوالى 12 ألف شخص. وتتركز أعدادهم في بعض القرى مثل بيرزيت وجفنا شمال رام الله، إضافةً إلى عين عريك، والطيبة التي حافظت على حضورٍ مسيحي قوي، وتضم طوائف الروم الأرثوذكس واللاتين.
كما تضم منطقة الزبابدة غالبية مسيحية تصل إلى 3–4 آلاف شخص. وبمجموع هذه القرى والمناطق، يُقدّر عدد المسيحيين في الأراضي المقدسة اليوم بما يقارب 50–60 ألف شخص، ما يعكس استمرار هذا الوجود على رغم التحديات التاريخية والسياسية.
وفي مدينة نابلس، وتحديداً في منطقة رفيديا، يقطن ما يقارب 750 مسيحياً، يشكّل أبناء طائفة الروم الأرثوذكس الغالبية بينهم، إلى جانب حضورٍ للاتين والبروتستانت.
وعند المدخل الشرقي للمدينة، يقع بئر يعقوب التابع لكنيسة الروم الأرثوذكس، وهو موقع ديني وتاريخي بارز، يُعتقد أنه المكان الذي التقى فيه السيد المسيح المرأة السامرية، في واحدةٍ من أبرز الروايات الواردة في الإنجيل.
وفي مدينة أريحا، لا يتجاوز عدد المسيحيين 300 الى 400 شخص، ورغم قلّتهم، يواصلون حضورهم من خلال انخراطهم في الأنشطة التجارية والحياتية في المدينة. وتكتسب أريحا أهميةً دينية خاصة لقربها من موقع المغطس على نهر الأردن، حيث تعمّد السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان، ما يجعلها محطةً روحية بارزة في مسار الحج المسيحي.

التمسك بالأرض
ويظل المسيحيون في الأراضي الفلسطينية فاعلين اقتصادياً وطبياً وتعليمياً، إذ تُظهر الإحصاءات أن من بين تسع جامعات فلسطينية، ثلاث منها مؤسساتٍ مسيحية بارزة: الأولى جامعة بيت لحم، والثانية دار الكلمة التي أسسها قسيس لوثري من بيت لحم، والثالثة جامعة بيرزيت التي أسستها عائلة ناصر المسيحية من بلدة بيرزيت.
وبالنظر إلى الواقع الفلسطيني من زاويةٍ أوسع، يلفت الدكتور سابيلا إلى أن الحضور المسيحي لا يقتصر على البعد الديني أو الرمزي فحسب، بل يمتد عميقاً في بنية المجتمع ومؤسساته. فالمؤسسات المسيحية، من أديرةٍ ومدارس وجامعات ومستشفيات ومراكز خدماتية، تشكّل ركيزةً أساسية في سوق العمل، وتأتي في المرتبة الثانية بعد الحكومة من حيث توفير فرص العمل.
هذا الدور لا ينفصل عن تاريخٍ طويل من الانخراط في العمل المؤسساتي والحقوقي، بحيث يُعدّ المسيحيون من روّاده في فلسطين، إلى جانب حضورهم الفاعل في مختلف القطاعات الاقتصادية والتعليمية والخدماتية.
ويمتد هذا الدور إلى مواقع القرار أيضاً، إذ يشغل مسيحيون مناصب وزاريةً وديبلوماسية بارزة، بينهم وزيرة الخارجية فارسين أغابكيان شاهين ووزير المال إسطفان سلامة، إلى جانب عددٍ من السفراء والسفيرات الذين يتجاوز عددهم عشرة من ضمن السلك الديبلوماسي الفلسطيني.

أبعاد هذا التضييق
يستهل رافي غطاس، الأمين العام السابق للشبيبة المسيحية في فلسطين، بحقيقةٍ لا يمكن إنكارها، وهي أن الذريعة الأمنية موجودة والخطر حقيقي في ما يتعلق بالتجمعات، خصوصاً في البلدة القديمة في القدس التي تضم جميع الأماكن المقدسة للمسلمين والمسيحيين واليهود، وتشهد إجراءاتٍ مشددة للغاية.
غير أن المفارقة واضحة: الى جانب البلدة القديمة، توجد مناطق تجارية إسرائيلية لم تُفرض عليها أي قيود إلا يوماً أو يومين فقط في بداية الحرب، ثم عادت الى العمل بشكلٍ طبيعي. هذا التباين يطرح سؤالاً مهماً: لماذا يُطبق القانون على أماكن العبادة بينما تُستثنى الأماكن الاقتصادية الحيوية القريبة جداً؟
ويزداد الشك في النيات عندما تتزامن هذه الإجراءات مع شهر رمضان، بحيث تُفرض قيود صارمة على دخول المسلمين إلى المسجد الأقصى، بينما تُستغل الظروف الأمنية لتعميم القيود على جميع الأماكن المقدسة، بما فيها الكنائس.
وفي المقابل، شهدت البلدة القديمة خلال فترة الحرب احتفال اليهود بعيد المساخر، بحيث اجتمع عشرات الآلاف في مسيراتٍ تنكرية في الشوارع واستمروا بالاحتفال بشكل طبيعي من دون أي منع. أما الفلسطينيون، سواء مسلمين أو مسيحيين، فإن أي تجمعٍ لإقامة شعائرٍ دينية يواجه منعاً صارماً واستخدام القوة، كما حدث في شهر رمضان وعيد الفطر، ومن المتوقع أن تتكرر الإجراءات خلال أسبوع الآلام وعيد الفصح.
وطن قومي للشعب اليهودي
بحسب القانون الإسرائيلي الذي أقرّ عام 2017 في الكنيست، تُعتبر إسرائيل وطناً قوميّاً للشعب اليهودي، ما يعني أن أي ديانةٍ أخرى لا تحظى بالمكانة أو الحقوق نفسها مقارنةً باليهود. ويرى غطاس أن هذا القانون عنصري في جوهره، إذ تهدف إسرائيل من خلاله إلى الحفاظ على اسم الأرض المقدسة، مستغلةً مكانتها لتحقيق فوائدٍ اقتصادية هائلة عبر السياحة التي تجذب آلاف الزوار والملايين سنوياً، إلى جانب تعزيز صورتها بأنها دولة تسمح بالعبادة والحرية الدينية.
غير أن الواقع أكثر تعقيداً، كما يقول غطاس، لأن "الشيطان يكمن في التفاصيل". فبينما تُحافظ إسرائيل على الأماكن المقدسة للمسيحيين الأجانب، تُغفل تماماً حماية المسيحيين الأصليين أبناء الأرض. ويضيف أن الهجرة المسيحية تتسارع من جهاتٍ عدة، فقد كانت نسبتهم قبل حرب 7 أكتوبر لا تتجاوز 0.6 في المئة من مجموع السكان في فلسطين التاريخية (الجليل – القدس – الضفة الغربية – غزة – النقب)، واليوم هاجرت مئات العائلات بعد حرب 2023، ما يعني أن الرقم الفعلي في انخفاضٍ مستمر.
ولتبرير هذا التراجع، تسجّل إسرائيل المسيحيين الأجانب المقيمين والعاملين على أنهم سكان دائمون، فيُظهر الإحصاء الرسمي وجود حوالى 12 ألف مسيحي في القدس، بينما العدد الفعلي لا يتجاوز 6 آلاف فقط، أي نصف الرقم المُعلن. ويخلص إلى القول: "نحن نتحدث عن أقدس مدينةٍ مسيحية في العالم، مسقط رأس المسيحية نفسها، لكن واقع السكان الأصليين يُظهر تناقصاً حاداً يهدد وجودهم الثقافي والديني على المدى الطويل".
تهجير ممنهج
يرى غطاس أن الوضع خطير للغاية من حيث التهجير، وأن النية الإسرائيلية واضحة للعيان، إذ تعتبر "هذه الأرض لليهود فقط"، والحلقة الأصعب داخل هذه الأرض هم المسيحيون من حيث العدد. ويؤكد "نحن لا نعتبر أنفسنا أقليةً أو وافدين جئنا إلى هذه الأرض، بل نشأنا هنا، ومن هذه البلاد انطلقت المسيحية وانتشرت في أقطار العالم".
ويشير إلى أن التهجير يُمارس بطريقةٍ ممنهجة، تتبعها السلطات الإسرائيلية عبر وسائل مباشرة وغير مباشرة، وأن التضييقات على المسيحيين تتفاقم خصوصاً في الأعياد. وأبلغ صورة لهذا التضييق تظهر خلال احتفال سبت النور لدى الطوائف الشرقية.
ويسترجع تجربة العام الماضي، حين كانت القدس هادئة نسبياً على رغم الحرب، إلا أن التضييقات كانت مخيفة. فمن بداية البلدة القديمة (باب الجديد) وحتى كنيسة القيامة، وهي مسافة لا تتخطى أربع دقائق سيراً على الأقدام، وُضعت نحو 20 حاجزاً إسرائيلياً، كل حاجز أصعب من الذي قبله، مع شبه منعٍ لسكان القدس القادمين من خارج البلدة القديمة من دخولها.
كما تعرض المسيحيون لتضييقات متعددة، من كلامٍ مسيء وعنصري، وهجماتٍ على المواكب الدينية، إلى البصق على الصلبان والأيقونات، ومنع المسيرات من الاستمرار على يد بعض المتطرفين اليهود. وللأسف، ارتكبت هذه الانتهاكات أمام أعين الشرطة الإسرائيلية من دون محاسبة أي شخص، حتى المعتدين المباشرين، في حين لو كان الوضع معكوساً، لاعتُبر المعتدي تهديداً قوميّاً وربما يُعاقب بالقتل.
وتوضح هذه المفارقة حقيقةً صادمة: إذ تسعى إسرائيل إلى تهجير المسيحيين والمسلمين، وتغيير المعادلة السكانية والديموغرافية، وتحويل النزاع من حربٍ سياسية إلى صراعٍ ديني بين اليهود والمسلمين. ويرى بعض المراقبين أن هذا التحول يأتي لكسب التعاطف الدولي مع اليهود، مستفيداً من شعور الذنب الأوروبي حيالهم، ومن انتشار الإسلاموفوبيا من جهة أخرى.
4 سنوات من اللاعمل
واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المسيحيين اليوم، خصوصاً في المدن المرتبطة بالكتاب المقدس مثل بيت لحم والقدس والناصرة، تكمن في الوضع الاقتصادي الهش. ويوضح غطاس أن غالبية المسيحيين تعتمد على السياحة الدينية والخدمات المرتبطة بها، من فنادقٍ ومطاعم وأعمال إرشادية، إلا أن هذا القطاع بات شبه مشلولٍ منذ جائحة كورونا، وما زالت تداعياته مستمرةً حتى اليوم.
ومنذ حرب 2023، لم يدخل البلد سوى عدد قليل جداً من السياح، ما جعل هذه الأعمال شبه غائبة، مع العلم أن معظم رؤوس الأموال والعمال فيها هم من المسيحيين، ولم يحصلوا على أي تعويض. أربع سنوات من البطالة المتواصلة شكلت ضائقةً كبيرة لجزءٍ واسع من المجتمع المسيحي.
وعلى الصعيد السكاني، كان عدد المسيحيين في الضفة الغربية والقدس وغزة قبل الحرب يقارب 40 ألف شخص، أما اليوم فعدد المسيحيين في غزة لم يتجاوز 400 بعد أن كانوا 1000، بينما تشهد الضفة الغربية هجرةً كبيرة للعائلات المسيحية في ظل غياب إحصاءاتٍ حديثة، ولا يتعدى عدد المسيحيين في القدس 6000 شخص.
ويتأثر بذلك كل جانبٍ من حياتهم الاجتماعية، بما فيها الزواج وتأسيس العائلات، إذ يصبح من الصعوبة بمكانٍ التواصل مع أشخاصٍ من مناطق مختلفة. فالشاب الذي يقرر الارتباط بشابةٍ من الضفة الغربية سيجد حياته مقيدةً بالحواجز العسكرية، وتعقيدات السفر، والقيود القانونية التي تحدّ من حقوقه في القدس، الأمر الذي يخلق حياةً مليئة بالقلق وعدم الاستقرار للأزواج المستقبليين ولأطفالهم.
هذا الواقع يوضح إلى أي مدىً أصبح الاحتلال الإسرائيلي يتحكم ليس بالحياة اليومية من حيث الحواجز والمعابر والتصاريح فحسب، بل امتد تأثيره ليشمل مشاعر المسيحيين وقلوبهم وخياراتهم، محدداً فرصهم في العيش بكرامةٍ واستقرار داخل أرضهم.
ليست إجراءات عابرة
يصرح الأب عيسى ثلجية، كاهن رعية الروم الأرثوذكس في كنيسة المهد ببيت لحم، أن قراءة مثل هذه القرارات لا يمكن أن تكون سطحيةً أو أحادية البعد، بل تتطلب تمييزاً روحياً وواقعياً معاً. "الوضع الأمني العام في المنطقة يُستخدم أحياناً ذريعةً مباشرة لاتخاذ قراراتٍ مثل إغلاق كنيسة القيامة أو تقييد الاحتفالات"، يقول الأب ثلجية، وأن هذه القيود تُفرض على التجمعات الكبيرة ليس في الكنائس فحسب ، بل تشمل مدارس ومؤسساتٍ أخرى.
لكن في المقابل، يشعر المؤمنون أن الإجراءات غالباً ما تكون مشددةً بشكلٍ خاص على الحياة الدينية، خصوصاً في أهم الأعياد. ويؤكد الأب ثلجية أن ما "يعيشه المسيحيون في القدس وبيت لحم ليس مجرد إجراءاتٍ عابرة، بل حالة مستمرة من صعوبة الوصول إلى الأماكن المقدسة، تصاريح محدودة، تضييق على الاحتفالات الجماعية، مشكلاتٍ اقتصادية وإغلاقات، وقيودٍ على حرية التنقل التي تُفرض على المسيحي الفلسطيني. كل ذلك يولّد شعوراً حقيقياً بضغطٍ غير مباشر على الوجود المسيحي، حتى لو لم يُعلن عنه بشكلٍ صريح".
ولكن أخطر ما في هذه السياسات، سواء كانت مقصودةً أو غير مقصودة، هو نتيجتها المباشرة على الناس، وفق ثلجية، "عندما لا يوجد شعور بالعدل والكرامة والحرية، وعندما يُمنع المؤمن من الصلاة بحريةٍ في أقدس مكانٍ له، يشعر أن وجوده مُقيَّد، عندها يطرح البعض سؤالاً واحداً: هل لدينا مستقبل هنا؟". هنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن النتيجة قد تكون تفريغ الأرض من أبنائها المسيحيين.
ويؤكد: "نحن اليوم أقلية صغيرة في مهد المسيحية، لكننا لسنا أقلية في الإيمان أو الرسالة. وجودنا مرتبط ليس بالتاريخ فحسب، بل بالشهادة الحية". وعليه تصبح التحديات أساسيةً وبارزة ومنها تراجع أعداد المسيحيين بسبب الهجرة، وضغط اقتصادي خانق خصوصاً بعد توقف السياحة، وشعور متزايد بعدم الاستقرار.
وعن التضييقات، يشير إلى صعوباتٍ ملموسة تشمل قيوداً على الوصول إلى الأماكن المقدسة، خصوصاً خلال الأعياد، وتصاريحٍ محدودة أو مرفوضةٍ للمؤمنين، وإجراءاتٍ أمنية مشددة تعوق ممارسة الحياة الدينية الطبيعية. كل هذه الأمور تولّد شعوراً بالغربة حتى عند المؤمن وهو في أرضه.
لذلك يرى أن "الخطر ليس بإغلاق الكنيسة، بل بجعل الوصول إليها صعباً". فهو يتخوف من المنع المباشر والهجرة الصامتة، وتراجع الحضور في الكنيسة، وفقدان شعور الأمان والانتماء. ومع ذلك، يعتبر أن الكنيسة بقيت على رغم كل الاضطهادات والإغلاقات عبر التاريخ، لأن أساسها ليس الظروف بل المسيح نفسه.
يتمسك الأب ثلجية، مثل آباءٍ وكهنة آخرين، برسالةٍ أساسية: الحفاظ على الإيمان والرجاء. يقول: "نعم، هناك تحديات وقلق، لكن لا يجب أن نصل إلى حالة خوفٍ تُضعف إيماننا. وجودنا هنا رسالة، وليس مجرد مصادفةٍ تاريخية. قد تُقيَّد الطرق، لكن الصلاة لا تُقيَّد، قد تُغلق الأبواب، لكن السماء تبقى مفتوحة".
شهادة حياة شابة مسيحية
تقول شابة مسيحية فضلت عدم ذكر اسمها، وهي تنقل تفاصيل يومياتها في الأراضي المقدسة، إن قرار إغلاق الكنيسة كان من أكثر القرارات إيلاماً بالنسبة إليها. تعترف: "كان خبراً محزناً جداً، لكن في الوقت نفسه، كنا ندرك أن الوضع الأمني خطير، وأن فتح الكنيسة واستقبال المصلّين قد يعرّضهم للخطر، خصوصاً أن البلدة القديمة لم تعد قادرةً على حماية أحدٍ كما في السابق".
وعلى رغم تفهّمها لهذه الظروف، تشدد على أن دور الكنيسة يجب ألا يتوقف عند حدود الإغلاق أو ردود الفعل الموقتة، بل يجب أن يستمر في الدفاع عن حقها في الوجود والممارسة. وتقول: "نحن بحاجةٍ الى أن نثبت وجودنا، ليس من خلال الصلاة فحسب، بل من خلال تمسّكنا بحقنا في هذه الأرض".
في رأيها، أن "وجود المسيحيين اليوم في القدس وباقي المدن لم يعد أمراً عادياً، بل ضرورة. إذا تراجعنا أو هاجرنا، قد يأتي يوم لا يبقى فيه هذا الحضور كما نعرفه".
وتشير إلى أن الهجرة باتت خياراً مطروحاً بقوة لدى كثيرين، في ظل الضغوط اليومية وصعوبة الحياة. وفق قولها، "عائلات كثيرة تغادر، والعيش هنا ليس سهلاً إطلاقاً، بل يزداد صعوبة. أحياناً أفكر في الرحيل، لكن هناك شيء أقوى يعيدني دائماً… ربما هو الإيمان، أو شعوري بأن هذه أرضنا، أرض أجدادنا، وأنها بحاجة إلينا بقدر حاجتنا إليها".
تصف حياتها اليومية بأنها باتت مليئةً بالحذر والترقّب: "نعيش يوماً بيوم. حتى الخروج في مشوار بسيط يحتاج إلى تخطيطٍ ومعرفة الطرق الآمنة. لم يعد بإمكاننا أن نخطط لأي شيءٍ بسهولة".
وعلى رغم كل هذا الثقل، تتمسك بالأمل: "الأمل هو الشيء الوحيد الذي يبقينا صامدين. هو الذي يعطينا القوة لنكمل، وهو الذي يخلق المحبة بين الناس". لذلك ترى أن وجود المسيحيين هناك أساسي. إذا لم يحافظ عليه، فستتحول الكنائس إلى متاحف صامتة".
نبض