الضاحية الجنوبية لبيروت وخان يونس في غزة... هل يتكرّر نموذج الدمار؟

تحقيقات 07-04-2026 | 13:56

الضاحية الجنوبية لبيروت وخان يونس في غزة... هل يتكرّر نموذج الدمار؟

في المشهدين، من خان يونس إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، تتشابه الصور. أبنية سويت بالأرض، وأحياء فقدت ملامحها. هل يصبح الدمار نموذجاً لإعادة رسم الواقع وفرض معادلاتٍ جديدة؟
الضاحية الجنوبية لبيروت وخان يونس في غزة... هل يتكرّر نموذج الدمار؟
دمار في برج البراجنة في ضاحية بيروت (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يكن تهديد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بتحويل الضاحية الجنوبية لبيروت إلى "خان يونس جديدة" مجرّد تصريحٍ عابر. في خلفية هذا الكلام، يلوح نموذج قائم بالفعل: مدينة مُسحت معالمها، وتحولت إلى جبلٍ من الركام، في مسارٍ يبدو أقرب إلى سياسةٍ ممنهجة منه إلى تهويلٍ سياسي.

 

في خان يونس، لم يكن الدمار نتيجة معركةٍ عابرة، بل حصيلة مسارٍ تصاعدي بدأ بغاراتٍ جوية كثيفة في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2023، قبل أن يتبعه توغّل بري قسّم المدينة فعلياً إلى نصفين عند حاجز المطاحن. خلال أشهر قليلة، تبدّلت معالم ثاني أكبر مدن قطاع غزة، لتصبح، وفق وصف أحد أبنائها، "مدينةً بلا أسفلت… كأن زلزالاً ضربها".

 

اليوم، تتقاطع هذه الصورة مع مشهد الضاحية الجنوبية. منذ 2 آذار /مارس 2026، توالت إنذارات الإخلاء لتشمل مئات المباني، مرفقةً بخرائط تفصيلية، فيما تتصاعد وتيرة الغارات التي تُسقط أبنيةً كاملة وتحيلها إلى ركام. الفارق الوحيد، ربما، أن المشهد في بيروت لا يزال في بدايته، بينما في خان يونس بلغ ذروته.

 

دمار كبير في مدينة خان يونس (الصورة محمد رباح)
دمار كبير في مدينة خان يونس (الصورة محمد رباح)

 

 

"أبواب الموت"

تقع محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، وتُعدّ ثاني أكبر مدن القطاع من حيث المساحة وعدد السكان، كما تُعتبر المحافظة الأولى زراعياً على مستوى قطاع غزة.

 

في كانون الأول/ديسمبر 2023، بدأت المدينة تتعرض لتدميرٍ واسع وكثيف.

المصوّر محمد رباح، وهو من مخيم المغازي، لكنه سعى إلى توثيق الهجمات على خان يونس ، يقول في حديث الى "النهار"، إن الجيش الإسرائيلي "يولي خان يونس اهتماماً خاصاً"، باعتبارها مسقط رأس عدد من قيادات حركة حماس، بينهم محمد الضيف القائد العام لكتائب القسام، ومحمد السنوار، إضافة إلى القيادي عبد العزيز الرنتيسي، أحد أبرز قادة الحركة في قطاع غزة.

 

بعد القصف الجوي العنيف الذي نفذته طائرات F16، بدأ الجيش الإسرائيلي بالتوغّل برياً في خان يونس. وتمكّنت القوات الإسرائيلية من الوصول إلى حاجز المطاحن، حيث قُسّمت المدينة إلى قسمين.

 

توثيق موجة النزوح في خان يونس قطاع غزة (الصورة محمد رباح)
توثيق موجة النزوح في خان يونس قطاع غزة (الصورة محمد رباح)

 

لم يكن الخروج من المدينة خياراً، بل ضرورة فرضتها كثافة القصف واتساع رقعة العمليات العسكرية. عند أطرافها، أقيمت نقاط عبور تحوّلت في ذاكرة السكان إلى ما يشبه الحدود بين الحياة والمجهول، كما وصفها المصور محمد رباح حتى سُمّيت "أبواب الموت".

 

هناك، لم تكن الطرق آمنة كما يُفترض، بل مساحاتٍ مفتوحة على الاعتقال والموت. عشرات العائلات عبرت تحت الخوف، وبعضها لم يصل. النزوح لم يكن مجرد انتقالٍ جغرافي، بل اقتلاع كامل من المكان والذاكرة.

 

يروي رباح، الذي وثّق تلك اللحظات، أن أصعب ما واجهه لم يكن الدمار في ذاته، بل مشاهد الناس وهم يغادرون كل شيء خلفهم. نساء يحملن أطفالهن، وأطفال يتمسكون بلعبة صغيرة، كأنها آخر ما تبقى من حياة كانت هنا يوماً. في تلك اللحظة، يصبح البيت فكرةً أكثر منه مكاناً، ويغدو الفقدان شاملاً.


لم تسلم المباني السكنية أو المدارس أو البنى التحتية من الدمار. فقد تعرّضت المدينة لتدميرٍ واسع ومنهجي طاول مختلف المرافق الحيوية. وفي نيسان/أبريل 2024 أعلن الجيش الإسرائيلي انتهاء عملياته القتالية في خان يونس، بعد نحو أربعة أشهر من بدء المعركة في المدينة.

 

نسبة الدمار في خان يونس بلغ 85 في المئة (الصورة محمد رباح)
نسبة الدمار في خان يونس بلغ 85 في المئة (الصورة محمد رباح)


كأن زلزالاً ضرب هذه المدينة
لم يتوقف الأمر عند النزوح، إذ يؤكد رباح أنه "حين عاد بعض السكان لاحقاً، لم يتمكن كثيرون حتى من تحديد مواقع منازلهم. أحياء كاملة اختفت، والطرق جُرفت، يقول متأسفاً: "عندما دخلت إلى خان يونس لم أجد إسفلتاً، كأن زلزالاً ضرب هذه المدينة".

 

في هذا المشهد، لا يعود الدمار مجرد أرقام، بل تجربة وجودية قاسية. الانتقال من منزلٍ إلى خيمةٍ لم يكن مجرد تراجعٍ في مستوى المعيشة، بل تحوّل جذري في نمط الحياة. يعترف رباح: "عندما تنظرين اليوم إلى خان يونس تشعرين بأن الذكريات أصبحت هباءً، ذكريات الطفولة كلها تمّ مسحها"، لا يمكن التعرف على أي مدرسةٍ أو منزلٍ أو مؤسسةٍ كانت موجودة هناك. 

 

يتذكر جملةً قالها له أحد النازحين هناك: "لا يوجد جدار يمكن الإتكاء عليه في هذه الخيمة"، عبارة تُلخص هشاشة الواقع الجديد بكل تفاصيله، من نقص المياه إلى غياب أبسط مقومات العيش.

 

اليوم عاد البعض إلى خان يونس ليعيش في ما يُشبه المنزل أو ما تبقى منه، في حين نصبت مئات العائلات الخيم فوق منازلها المدمرة، محاولةً التأقلم مع هذا الواقع.

 

يدرك رباح أن الواقع اليوم في ظل هميجة إسرائيل يجعل حلم العودة طويل الأمد، ورغم إعلان انتهاء العمليات العسكرية في نيسان/أبريل 2024، بقيت العودة ناقصة. فمناطق واسعة لا تزال خارج متناول السكان، ومواد إعادة الإعمار ممنوع إدخالها ما يجعل من النزوح حالةً طويلة الأمد.

 

وجع النزوح من خان يونس قطاع غزة بعد القصف الاسرائيلي المتواصل (الصورة محمد رباح)
وجع النزوح من خان يونس قطاع غزة بعد القصف الاسرائيلي المتواصل (الصورة محمد رباح)


85% نسبة الدمار في خان يونس

ما سمعنا به من تدميرٍ ممنهج لمدينة خان يونس توثقه الأرقام لتكون دليلاً على ما عاشته هذه المدينة من إجرامٍ وعنف. ويؤكد الدكتور إسماعيل إبراهيم الثوابتة، المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة– فلسطين، أن "التقديرات الميدانية تشير إلى أن نحو 85% من مساحتها العمرانية تعرّضت للتدمير، وهو مستوى دمارٍ غير مسبوق. كما أن أكثر من نصف مساحة المحافظة بات ضمن مناطق السيطرة المباشرة أو التغطية النارية (الجيش الإسرائيلي يقضم 61 كلم² من أصل 107 كلم² من مساحة المحافظة، أي ما نسبته 57% من مساحة خان يونس) ، ما يعقّد أي محاولة للعودة أو إعادة الإعمار.

 

هذا الدمار الكبير ترافق مع موجات نزوحٍ جماعي متتالية خصوصاً من المناطق الشرقية، وفق الثوابتة "موجة النزوح شملت مئات آلاف السكان. في بعض المراحل، اضطر أكثر من 180 ألف شخص إلى النزوح خلال أيام قليلة، ليستقر معظمهم في مناطقٍ ساحلية مكتظة في منطقة المواصي غرب خان يونس، وفي مناطق وسط المحافظة وغربها ومراكز الإيواء والمخيمات الموقتة في المناطق الساحلية.

 

على مستوى أوسع، تقلّصت المساحة القابلة للحياة في قطاع غزة، كما يشير الثوابتة،  إلى ما يقارب ثلث مساحته فقط (سيطرة الجيش الإسرائيلي على 54.5% من مساحة القطاع (198.8 كلم²)، إضافةً إلى 9.2% من المساحة ضمن مناطق التغطية النارية الخطرة،  في ظل اكتظاظٍ شديد وظروفٍ إنسانية قاسية بحيث لم يتبقَ للسكان سوى 36.4% من مساحةٍ يعيشون فيها، ما يعكس نمطاً من العمليات التي لا تكتفي باستهداف البنية التحتية، بل تضرب مقومات الحياة نفسها.

 

تعمّد الجيش الإسرائيلي إلحاق الدمار بمدينة خان يونس بشكل كبير (الصورة محمد رباح)
تعمّد الجيش الإسرائيلي إلحاق الدمار بمدينة خان يونس بشكل كبير (الصورة محمد رباح)

 

تحت تهديد العمليات العسكرية، غادر السكان منازلهم بشكلٍ عاجل، إذ عمدت إسرائيل في كثير من الحالات الى أوامر إخلاءٍ وإنذاراتٍ قسرية ومتكررةٍ لسكان الأحياء الشرقية في خان يونس، شملت بلداتٍ مثل بني سهيلا وعبسان والقرارة والفخاري وخزاعة.

 

لكن عملياً، يشدد الثوابتة، على أن هذه الإنذارات لم توفر ممراتٍ آمنة حقيقية للسكان، بل جاءت في سياق عملياتٍ عسكرية كثيفة رافقتها عمليات قصف واسعة، ما اضطر السكان للنزوح القسري في ظروفٍ إنسانية بالغة الصعوبة، وغالباً إلى مناطقٍ مكتظة تفتقر إلى الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية.

الضاحية الجنوبية: توثيق الأضرار مهمة شبه مستحيلة 

في ضوء هذه المعطيات، تبدو المقارنة بالضاحية الجنوبية أكثر من مجرّد تحليلٍ نظري. برأي الثوابتة "التشابه لا يقتصر على طبيعة الضربات أو إنذارات الإخلاء فحسب، بل يمتدّ إلى المنطق الذي يحكمها: استخدام التدمير الواسع النطاق وسيلة ضغطٍ سياسي وعسكري بهدف فرض معادلاتٍ جديدة في الصراع، سواء على مستوى البيئة الحاضنة للقوى المقاومة أو على مستوى التأثير في المواقف السياسية الإقليمية".

 

هذا النمط، الذي برز بوضوح في غزة، يقوم على رفع تكلفة الصراع على المجتمعات المدنية، بهدف فرض معادلاتٍ جديدة على الأرض. لكن في المقابل، كما يؤكد، "أثبتت التجربة في قطاع غزة أنها تؤدي إلى أزماتٍ إنسانية عميقة وتدميرٍ واسع للبنية التحتية المدنية، مع ما يحمله ذلك من تداعياتٍ خطيرة على الاستقرار الإقليمي والإنساني".

 

صورة تُظهر الدمار في موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت حي برج البراجنة في الضواحي الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت في 9 آذار/مارس 2026 (أ ف ب)
صورة تُظهر الدمار في موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت حي برج البراجنة في الضواحي الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت في 9 آذار/مارس 2026 (أ ف ب)


على غرار ما عاشته خان يونس، تشهد الضاحية الجنوبية التي تقع بين ساحل بيروت الجنوبي وبداية جبل لبنان شرق العاصمة، وفيها خمسة أحياءٍ، هي الشياح والغبيري وحارة حريك وبرج البراجنة والمريجة، قصفاً متواصلاً يجعل مهمة توثيق الأضرار فيها شبه مستحيلة اليوم.

ففي ظلّ مواصلة الجيش الإسرائيلي القصف المستمر، يصعب توثيق حجم الدمار والخروج بأرقامٍ أولية. ومع ذلك، تبدو المشهدية العامة صورةً مصغرة عن نية إسرائيل الأذى والتدمير. ويؤكد رئيس بلدية الغبيري أحمد الخنسا لـ"النهار" أنه "لا يمكن بعد إحصاء الإضرار، ولكن منطقة الغبيري تعتبر الأخفّ وطأةً بحجم الدمار الحاصل في برج البراجنة وحارة حريك التي تشهد قصفاً أقوى".

 

صحيح أن الضاحية كانت من أكثر المناطق استهدافاً في الحرب الحالية، كما حرب 2024، إلا أن ما يلمسه الخنسا  أن "حدّة القصف أقوى وضررها أكبر مما كان قبل سنة. يتعمد الإسرائيلي الأذية وإلحاق الضرر أكثر، ففي الحرب السابقة كانت الضربة تتسبب بإنزال البناية مع تضرر المبنيين المجاورين، أما اليوم فيستهدف الإسرائيلي الشقة أو المبنى لكنه يُحدث دماراً ويصبح الحي منكوباً".

تتدفق الإنذارات الإسرائيلية مراراً وتكراراً، في حرب 2024، شملت تحذيرات الإخلاء 366 مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية وفق المجلس الوطني للبحوث العلمية، فيما خضع سكان 25 في المئة من الأراضي اللبنانية لتحذيرات إسرائيلية بالإخلاء، وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. 

 

مبنى منهار عقب غارة جوية إسرائيلية على الضواحي الجنوبية لبيروت في 9 آذار/مارس 2026 (أ ف ب)
مبنى منهار عقب غارة جوية إسرائيلية على الضواحي الجنوبية لبيروت في 9 آذار/مارس 2026 (أ ف ب)

في الضاحية الجنوبية، تضرر 353 مبنى بشكل كامل في حرب 2024، ما يعني أن 124.386 متراً هي المساحة التي كانت تُشغلها هذه الأبنية قبل تدميرها. وفق الأرقام التي نشرها المجلس الوطني، يُقدر عدد الأبنية المصابة في الضاحية بأضرارٍ جسيمة 593 أو ما نسبتها  1.7%، و1972 بأضرارٍ بالغة أي 5.5% و2066 بأضرارٍ متوسطة أي 5.8% و1379 بأضرارٍ طفيفة أو 3.9%. 

 

في حين يُقدّر حجم الركام الناتج من المباني المدمّرة بشكل كلّي في الضاحية الجنوبية بما يراوح بين 1.2 و1.7 مليون متر مكعب، بينما يراوح الوزن الإجمالي ما بين مليونين و3.9 ملايين طن.

اليوم يعاود مشهد الدمار سيطرته على الضاحية، الضرر يتوسع ونزيف النزوح يتواصل. للمرة الثالثة تترك نجوى زغلول، 77 عاماً، منزلها الواقع في الضاحية الجنوبية بحثاً عن مكانٍ آمن، بعد التهديدات الإسرائيلية المتكررة من حرب تموز وصولاً إلى الحرب اليوم. تروي لـ"النهار" أنها "منذ 45 عاماً تسكن في منزلها في برج البراجنة، هذا البيت ليس مجرد جدرانٍ تعبت يداي في ترتيبه، بل عمرٌ كاملٌ اختبأ في زواياه. هنا ربّيت أولادي، وحفظت رائحة القهوة الصباحية وهدوء المساء".

 

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت حي بئر العبد في الضواحي الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت في 9 آذار/مارس 2026 (أ ف ب)
دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت حي بئر العبد في الضواحي الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت في 9 آذار/مارس 2026 (أ ف ب)

 

 في 2006 خرجت نجوى منه الى منطقة القماطية وكانت تظن أنه رحيل لن يتكرر، حملت مفاتيحها وفي قلبها وعد واحد العودة إلى بيتها. وفي 2024، تكرر وجع النزوح تقول "نزحت الى عرمون ، كنتُ أحمل أغراضاً أخف فيما الوجع مثقلٌ بالأحمال". أما في 2026، فلم تحمل شيئاً. لا تخفي حسرتها  "أصعب شي نحس إنو كل مرة عم نترك جزء منا جوّاه". كانت نجوى بين نزوحٍ وآخر تعود منهكةً تحاول ترتيب ما تبقى من حياتها بعد العودة.

 

النزوح هذه المرة أكثر قساوة

 

واقع النزوح الذي يعيشه سكان الضاحية الجنوبية لا يختلف كثيراً عمّا اختبره أهالي خان يونس. فمرارة مغادرة المنزل، وترك الحيّ الذي نشأ فيه الإنسان، لا يعوّضها شيء. للمرة الثالثة، يحمل أحد الشبان النازحين حقيبته الصغيرة، ويغادر حارته وبيته بحثاً عن ملاذ أكثر أماناً، في ظل التهديد الإسرائيلي المتواصل.

خسر منزله في الجنوب، وتضرّر منزله في الضاحية، ولم يتبقَّ له اليوم سوى خيمة يتقاسمها مع صديقه وابنه. يروي لـ"النهار" أنّ النزوح هذه المرة كان أكثر قسوة، إذ جاء مفاجئاً وعلى غفلة، "غادر الناس على عجل، من دون أن يلتفتوا إلى الوراء".

لا يخفي شعوره بالضياع واليأس وانسداد الأفق. فقد خسر تقريباً كل شيء: منزله، وعمله، واستقراره. اليوم، ينتظر داخل تلك الخيمة أي بارقة أمل. أسئلة كثيرة ترافقه من دون إجابات، فيما تحوّلت أبسط تفاصيل الحياة اليومية — كالاستحمام، وتناول الطعام، والنوم على سرير — إلى تحديات صعبة المنال، بعدما كانت من المسلّمات.


في حرب تموز 2006، نزح إلى بشامون، فيما لجأت والدته وشقيقته إلى القماطية. وفي حرب 2024، تكرّر المشهد ولكن في اتجاهات مختلفة. اليوم، يعيش تجربة النزوح للمرة الثالثة، وقد تفرّقت العائلة مجدداً. يختصر حاله بالقول: "كأنو عايش وميت… قاعد بهيدي الخيمة ومش قادر اعمل شي".

في المشهدين، من خان يونس إلى الضاحية الجنوبية، تتشابه الصور أبنية سويت بالأرض، وأحياء فقدت ملامحها، ويبقى السؤال هل يصبح الدمار نموذجاً لإعادة رسم الواقع وفرض معادلات جديدة؟


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 4/5/2026 12:21:00 PM
السعودية: نُدين الإساءات غير المقبولة للرموز الوطنية للإمارات أثناء الاعتداء على سفارتها 
الخليج العربي 4/5/2026 4:30:00 PM
قرقاش: لا يسعني إلا أن أُحيّي صمود وثبات مملكة البحرين الشقيقة
الخليج العربي 4/5/2026 1:44:00 PM
الاعتداءات تسببت بأضرار مادية جسيمة... ولم تُسجَّل أي إصابات بشرية.