تجربة أستراليا في الحظر الرقمي: هل تستطيع مصر تطبيقها بنجاح؟
في عالم يغمره الإيقاع الرقمي والهواتف الذكية، أصبح الأطفال والمراهقون أسرى شاشاتهم، بين مشاهد إباحية، وخوارزميات تحفّز الإدمان، وتنمر إلكتروني يترك أثراً نفسياً لا يُمحى. بعد أن اتخذت أستراليا خطوة غير مسبوقة بحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاماً، يطرح السؤال: هل تستطيع مصر والدول العربية تكرار التجربة؟ وهل يمكن للسياسات والقوانين أن تحمي الأطفال من هذا الطوفان الرقمي؟
من قلب القاهرة، تعمل الحكومة على صياغة قانون يضع أكثر من 30 مليون طفل تحت الحماية الرقمية، لكن الطريق محفوف بالتحديات: التحقق من الأعمار، خصوصية البيانات، التوازن بين الحماية وحق الوصول للمعلومات. نغوص مع الدكتور محمد حجازي، خبير التشريعات الرقمية والرئيس السابق للجنة التشريعات والقوانين بوزارة الاتصالات في مصر، في قراءة معمقة لمستقبل تنظيم استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في مصر، والتحديات الحقيقية التي قد تصنع الفرق بين قانون على الورق وآخر مطبق فعلياً.
لا يُخفي حجازي أن إجراء الحظر يدفع إلى تعزيز التعليم حول الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا في الفئات العمرية الأكبر سناً. غير أنّ تطبيق هذه السياسات لا يخلو من تعقيدات، إذ يواجه المشرّعون تحديات تقنية وقانونية، في مقدّمها صعوبة التحقّق من أعمار المستخدمين داخل البيئات الرقمية المفتوحة. كما أن فرض قيود صارمة قد يدفع بعض المستخدمين إلى اللجوء لوسائل تحايل تقنية أو منصّات غير آمنة، ما يطرح إشكاليات إضافية تتعلّق بالأمن الرقمي.
من هنا، تبرز ضرورة إيجاد توازن دقيق، كما يقول، "بين حماية الأطفال وصون حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات. يعكس النموذج الأسترالي استجابة متقدّمة للتحديات الرقمية الراهنة، لكنه يبقى بحاجة إلى تقييم مستمر وتنفيذ مدروس، يضمن حماية القاصرين من جهة، ويترك في الوقت نفسه مساحة للتفاعل الاجتماعي والتطوّر الشخصي من جهة أخرى".
مصر بدأت بالفعل تحرّكاً تشريعياً
لكن يبقى السؤال الأبرز: هل يمكن تعميم التجربة الأسترالية وتطبيقها بنجاح في مختلف الدول، وينها مصر؟
في هذا السياق، يؤكد حجازي أن مصر بدأت بالفعل تحرّكاً تشريعياً، مدفوعاً بتوجيهات رئاسية، يهدف إلى حماية أكثر من 30 مليون طفل من مخاطر الخوارزميات والإدمان الرقمي. ويصف هذه الخطوة بأنها حتمية، في ضوء مؤشرات رقمية مقلقة تضع مصر في المرتبة الرابعة عشرة عالمياً من حيث كثافة استخدام الإنترنت، والثانية عشرة من حيث عدد ساعات المكوث أمام الشاشات.
ومع ذلك، يرى خبير التشريعات الرقمية أن نجاح أي تجربة لتنظيم استخدام منصّات التواصل الاجتماعي لا يمكن فصله عن مجموعة عوامل حاسمة، في مقدّمها الفوارق الثقافية والمجتمعية في التعامل مع التكنولوجيا، والتي تلعب دوراً أساسياً في تقبّل هذه القوانين واحترام تطبيقها. كما يرتبط النجاح أيضاً بمدى تطوّر البنية التحتية الرقمية، إذ تمتلك الدول التي تعتمد أنظمة متقدّمة لإدارة الهوية الرقمية قدرة أكبر على فرض تشريعات فعّالة وقابلة للتنفيذ.
إلى جانب ذلك، يظلّ مستوى التعاون مع شركات التكنولوجيا العالمية عاملاً مفصلياً في إنجاح هذه القوانين، خصوصاً في ما يتعلّق بمدى التزام المنصّات الرقمية الاستجابة للتشريعات المحلية وتنفيذها على أرض الواقع.
التفاف على الحظر؟
ما الثغرات التي قد تعوق تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع؟ وما مدى قدرة الحكومات الفعلية على ضمان التزام المنصّات ومنع الأطفال والمراهقين من الالتفاف على الحظر عبر وسائل متخفية؟
يشرح حجازي أن التحرّك التشريعي الذي تشهده دول عدّة لحظر استخدام منصّات التواصل الاجتماعي على من هم دون 16 عاماً، جاء ليؤسس لمعادلة جديدة، مفادها أن الرقابة الأبوية وحدها لم تعد كافية لحماية القاصرين في الفضاء الرقمي.
وبموجب هذا التحوّل، بات عمالقة المنصّات الرقمية مطالبين قانونياً بإغلاق أبوابهم أمام الأطفال، بدلاً من الاكتفاء بإلقاء اللوم على المستخدمين أو أولياء الأمور. غير أن هذا التوجّه، على أهميته، لا يخلو من تحديات معقّدة تعترض طريق التنفيذ.
في مقدّم هذه التحديات تبرز صعوبة التحقّق الدقيق من الأعمار في البيئات الرقمية، وهو ما يفتح الباب أمام الأطفال والمراهقين لاستخدام وسائل التفاف تقنية يصعب رصدها. كما أن تفاوت جاهزية الدول من حيث امتلاك أنظمة متقدّمة للرصد والمتابعة يحدّ من قدرة السلطات على فرض القوانين بشكل متكافئ وفعّال.
مقارنة النمودج الأسترالي بالمصري
وفي سياق مقارنة التجربتين الأسترالية والفرنسية بالواقع المصري، يقدّم خبير التشريعات الرقمية قراءة تفصيلية للجوانب القانونية المختلفة، موضحاً أن التجربة الأسترالية تقوم على تحميل المنصّات الرقمية مسؤولية مباشرة في منع الأطفال من استخدام خدماتها. فالقانون الأسترالي ألزم هذه المنصّات اتخاذ "تدابير معقولة" تحول دون تمكين من هم دون 16 عاماً من إنشاء حسابات، عبر مجموعة من الإجراءات العملية التي تعكس قناعة الدولة بعجز الأسر وحدها عن حماية أبنائها أمام النفوذ المتزايد لشركات التكنولوجيا.
ويشير إلى أن هذا التوجّه شكّل تراجعاً صريحاً عن مبدأ "الموافقة الأبوية" الذي كان معمولاً به سابقاً، في مقابل نقل المسؤولية بالكامل إلى الشركات المشغّلة للمنصّات. كما فرض القانون إنشاء آليات واضحة لتلقّي الشكاوى، مع إلزام المنصّات التشاور المستمر مع مفوض السلامة الرقمية الأسترالي، بما يضمن تعزيز حماية الأطفال في الفضاء الإلكتروني.
وعلى الجانب الاخر، تبنّى البرلمان الفرنسي نموذجاً مختلفاً يقوم على الموازنة بين الحماية القانونية والتربية الرقمية، إذ حدّد سن 15 عاماً حداً أدنى لإنشاء حسابات على منصّات التواصل الاجتماعي، مع اشتراط الحصول على موافقة صريحة وموثّقة من أحد الوالدين. كما نصّ القانون على إعداد معايير تقنية دقيقة للتحقّق من العمر، بالتشاور مع الهيئة الوطنية للمعلوماتية والحريات، بما يضمن عدم المساس بخصوصية البيانات الشخصية خلال عملية التحقّق.
وفي إطار تعزيز الدور الأسري، منح التشريع الفرنسي الآباء حق طلب تعليق حسابات أبنائهم متى رأوا ذلك ضرورياً، وألزم المنصّات في الوقت نفسه توفير أدوات لقياس وقت استخدام الشاشة، مع إخطار القاصرين بشكل دوري بمعدلات استخدامهم، في محاولة للحد من ظاهرة الإدمان الرقمي وتعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.

في المقابل، جاء التحرّك المصري ثمرة تحوّلات اجتماعية وسياسية متراكمة، وتنامٍ مقلق للظواهر السلبية المرتبطة بالفضاء الرقمي. فقد رصدت دراسات عديدة علاقة طردية بين الإفراط في استخدام الإنترنت وارتفاع معدلات التوحّد، وتأخّر النطق، والعزلة الاجتماعية، والسمنة لدى الأطفال، إلى جانب تفشّي العنف والتنمر الإلكتروني. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتدّ ليشمل الاستنزاف الفكري والتأثير المعرفي على الأطفال عبر سيل من المعلومات المضلِّلة وخطابات الكراهية وغيرها من المضامين الضارّة.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، تبرز الحاجة الملحّة إلى التفكير في صياغة نصوص قانونية مصرية واضحة، مع إخضاعها لتحليل دقيق للتحديات التقنية والعملية التي قد تعوق تنفيذها داخل بيئة رقمية شديدة التعقيد. وفي هذا السياق، يبدو تبنّي مقاربة تشريعية هجينة خياراً واقعياً، تمزج بين صرامة النموذج الأسترالي ومرونة النموذج الفرنسي، مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية، والإمكانات الفنية والقانونية، وطبيعة المجتمع المصري.
الطرح المصري وتحدياته
يشكّل تحديد سنّ الرشد الرقمي حجر الأساس في أي تشريع ينظّم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي. ورغم أن الدستور المصري يعرّف الطفل بمن لم يبلغ 18 عاماً، فإن الاتجاهات الدولية تميل إلى اعتماد سنّ 15 أو 16 عاماً، بما يوازن بين الحماية ومنح المراهقين قدراً من الاستقلالية الرقمية. وفي هذا الإطار، يقترح حجازي أن يبدأ الحظر الكامل لمن هم دون 13 عاماً، مع السماح المشروط بموافقة ولي الأمر للفئة بين 13 و16 عاماً.
ويظل التحدي الأكبر وفق حجازي في آليات التحقق من العمر من دون المساس بالخصوصية، إذ تثير الحلول التقليدية القائمة على تحميل مستندات رسمية مخاوف تتعلق بأمن البيانات. ويُطرح بديل يتمثل في إنشاء منصة تحقق رقمية وطنية تتولى هذه المهمة من دون نقل بيانات الهوية إلى الشركات العالمية، رغم ما يتطلبه ذلك من بنية تقنية متقدمة.
كما يؤكد الطرح ضرورة تحميل المنصات الرقمية مسؤولية قانونية مباشرة، إلى جانب تعزيز دور أولياء الأمور، مع تكامل التشريع الجديد مع القوانين القائمة، وعلى رأسها قانون الطفل وحماية البيانات الشخصية.
اقتصادياً، يلفت إلى وجود اقتصاد محتوى ناشئ تعتمد عليه آلاف الأسر، ما يستدعي حلولاً مرنة مثل منح تراخيص خاصة للمبدعين الأطفال تحت إشراف رسمي، حمايةً لهم من الاستغلال من دون خنق هذا النشاط.
وفي المحصلة، فإن توجه مصر نحو سنّ قانون لحماية الأطفال من مخاطر منصات التواصل يمثل منعطفاً مفصلياً في علاقتها بالتكنولوجيا، وانتقالاً نحو صوغ "عقد اجتماعي رقمي" جديد. وبينما تبدو الاستفادة من النموذجين الأسترالي والفرنسي ضرورية، يبقى الرهان الحقيقي على حسن التنفيذ، وتحقيق التوازن الدقيق بين حماية الأطفال وصون حقهم في مواكبة العصر الرقمي.
نبض