أسلحة ذكية وإنتاج ضخم... كيف تسبق موسكو الغرب في سباق التسلّح؟

العالم 18-09-2026 | 12:48

أسلحة ذكية وإنتاج ضخم... كيف تسبق موسكو الغرب في سباق التسلّح؟

أسلحة ذكية ورخيصة وإنتاج ضخم... كيف نجحت روسيا في تسريع إنتاج مسيّرات "جيران" وصواريخ "باندرول" في حرب أوكرانيا، ولماذا يبدو الغرب أبطأ في سباق الإنتاج العسكري؟

أسلحة ذكية وإنتاج ضخم... كيف تسبق موسكو الغرب في سباق التسلّح؟
ضباط شرطة يفحصون حطام طائرة مسيرة روسية اصطدمت بمركز تجاري عقب غارة جوية في خاركيف، أوكرانيا، (أ ف ب).
Smaller Bigger

تختصر روسيا المسافة بين تطوير السلاح وإنتاجه بكميات كبيرة، مستفيدة من خبرة الميدان وتعبئة الموارد الصناعية لتلبية احتياجات الحرب في أوكرانيا. وتمنحها هذه القدرة أفضلية في سباق تتداخل فيه التكنولوجيا مع سرعة التصنيع وكلفته، بينما تواجه الدول الغربية صعوبات في توسيع إنتاجها ومجاراة المتطلبات المتغيّرة للمعركة.

 

فبينما كانت كييف تطوّر وسائل اعتراض المسيّرات الروسية، دفعت موسكو إلى الميدان نماذج جديدة تعمل بمحركات نفاثة، أبرزها مسيّرات "جيران" وصواريخ كروز "باندرول". وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، استطاعت روسيا خلال نحو عامين تعديل نماذج سابقة وتجربتها في ظروف قتالية، ثم الانتقال سريعاً إلى إنتاجها بكثافة، مستفيدة بدرجة كبيرة من مكونات صينية.

 

وترافق ذلك مع توجيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين موارد مالية وصناعية ضخمة نحو قطاع الدفاع، ما ساعد البلاد على مواصلة تطوير الأسلحة وإنتاجها رغم الضربات الأوكرانية. في المقابل، تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو تحدّي زيادة إنتاج الأسلحة الحيوية وتسريع تحويل الابتكارات إلى معدات متاحة بأعداد كافية.

 

اقتصاد الحرب يحرّك المصانع

 

يربط المؤرخ العسكري المقدّم الفرنسي المتقاعد فنسنت أرباريتييه هذه القدرة بتعبئة الاقتصاد لخدمة المعركة. ويقول لـ"النهار" إن "روسيا باتت تعمل فعلياً وفق نموذج اقتصاد الحرب، على غرار اقتصادات دول كبرى خلال الحرب العالمية الثانية مثل ألمانيا أو بريطانيا بفارق أن الأخيرة كانت تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة، إذ تُوجَّه جهود البحث والتطوير في روسيا بدرجة كبيرة لخدمة المجهود الحربي".

 

وفي هذه المعادلة، يوضح أن "الصين تؤدي دوراً مهماً في هذه المعادلة من خلال تزويد روسيا المواد الخام التي تفتقر إليها".

 

ويلخّص أرباريتييه الوضع بالمقولة القديمة "الحرب تغذّي الحرب"، معتبراً أنها تنطبق بشكل خاص على روسيا اليوم، فيما لم ينتقل حلف شمال الأطلسي بعد إلى نموذج اقتصاد الحرب.

 

 

لوحة إعلانية تروج للخدمة العسكرية التعاقدية في غرب موسكو، روسيا، (أ ف ب).
لوحة إعلانية تروج للخدمة العسكرية التعاقدية في غرب موسكو، روسيا، (أ ف ب).

 

وتجد هذه التعبئة سنداً في قاعدة صناعية تعود جذورها إلى الحقبة السوفياتية. فبحسب العقيد الفرنسي المتقاعد جاك هوغار، "المنظومة الصناعية العسكرية الروسية تتمتع تاريخياً بتفوّق موروث من القدرات الصناعية للاتحاد السوفياتي، ما يسمح لروسيا اليوم بإنتاج أنظمة أسلحة أقل كلفة بسرعة وبكميات كبيرة".

 

ويضيف في حديثه لـ"النهار" أن "روسيا تستفيد في الوقت نفسه من طاقة منخفضة الكلفة مقارنة بالدول الغربية، التي تقلّصت قدراتها الصناعية العسكرية بشكل كبير خلال العقود الأخيرة، إن لم نقل إنه جرى التفريط بها".

 

وفي تفسيره للفارق بين نموذجي الإنتاج، يعتبر أن الإنتاج الروسي "يخضع مباشرة للدولة، فشركة "روستيك" تنتج من دون السعي إلى تحقيق الأرباح، على عكس الشركات الغربية، سواء الأميركية أو الأوروبية. ولذلك، فإن هذه الشركات أقل قدرة على المنافسة بمختلف معاني الكلمة".

 

ويخلص هوغار إلى أن "الصناعات الغربية متأخرة، وستكون هناك حاجة إلى ثورة صناعية حقيقية لمواجهة التحديات الهائلة".

 

أسلحة سهلة الإنتاج لإغراق الدفاعات

 

إلى جانب القدرة الصناعية، تبرز طبيعة الخيارات التسليحية الروسية. ويقول المؤرخ العسكري الجنرال الفرنسي المتقاعد جان مارك ماريل لـ"النهار" إن "الروس يميلون تقليدياً إلى اعتماد حلول موثوقة وسهلة الإنتاج، ولعل أشهر مثال على ذلك دبابة T-34 خلال الحرب العالمية الثانية".

 

ويربط تطوّر هذه الخيارات بالدروس الميدانية، موضحاً أنه "في بداية العملية العسكرية، لم يكن الروس يتوقعون خوض حرب فعلية بهذا الحجم، ولذلك عانوا نقصاً في الاستعداد والعديد. لكنهم أدركوا، بعد تكبدهم الخسائر، أهمية المسيّرات وصواريخ كروز".

 

ويضيف أنه "بالتوازي مع امتلاكهم تقدماً تكنولوجياً في مجال الصواريخ فرط الصوتية القادرة على تحدي أنظمة الدفاع الجوي الغربية، ركزوا على تطوير المسيّرات والقنابل الطائرة بهدف إغراق الدفاعات الأوكرانية بعدد كبير من الأهداف".

 

وتكمن صعوبة الاستجابة الغربية، وفق ماريل، في متطلبات تحويل التفوّق التقني إلى قدرة إنتاجية واسعة. ويقول إنه "لا تشكّل التكنولوجيا المتقدمة ميزة حقيقية إلا إذا كان بالإمكان إنتاجها بكميات كبيرة، وهو ما يتطلب ميزانيات ضخمة ووقتاً طويلاً. روسيا تعمل اليوم وفق اقتصاد حرب، بينما لم تنتقل الدول الغربية إلى هذا النموذج، ويضاف إلى ذلك التحدي المرتبط بإيران".

 

من دروس الميدان إلى خطوط الإنتاج

 

ويضيف الخبير العسكري والاستراتيجي العميد إلياس حنا بُعداً آخر يتصل بآلية القرار. ففي حديثه لـ"النهار"، يربط سرعة التطوّر الروسي بطبيعة النظام والقاعدة الصناعية العسكرية التي تمتلكها موسكو، موضحاً أن المقارنة مع الغرب ليست مباشرة، "فروسيا دولة واحدة بقرار مركزي، فيما يضم الناتو دولاً متعددة، ما يجعل اتخاذ القرارات والتحرك المشترك أكثر تعقيداً".

 

وبحسب حنا، تختلف روسيا عسكرياً اليوم عن تلك التي دخلت الحرب عام 2022، بعدما راكمت خبرة ميدانية وأعادت تكييف صناعاتها وقدراتها مع متطلبات المعركة. ويضع تطوير "جيران" وصواريخ كروز ضمن دورة مستمرة من "الفعل ورد الفعل"، إذ يدفع ظهور وسيلة دفاعية إلى تطوير سلاح قادر على تجاوزها.

 

وهذه القدرة على نقل دروس الميدان إلى المصانع تشكّل، في تقدير الدكتور في القانون والعلاقات الدولية بشارة صليبا، أحد أبرز عناصر القوة الروسية. ويوضح لـ"النهار" أن موسكو استطاعت التقاط التطوّرات التي فرضتها الحرب واستيعابها بسرعة، ثم تحويلها إلى جزء من صناعتها العسكرية.

 

أما أوكرانيا، فتفتقر إلى قاعدة صناعية عسكرية بالحجم والإمكانات نفسيهما، ما يجعل قدرتها على مواصلة هذا السباق مرتبطة بدرجة كبيرة بالدعم والتكنولوجيا والإمدادات التي تحصل عليها من الدول الغربية.


الأكثر قراءة

كتاب النهار 9/17/2026 5:00:00 AM
تستمر المفاوضات المباشرة على مستويات عدة وعبر قنوات متعددة تعويضا لتوقف الجولات التفاوضية في روما لأسباب عدة، أهمها اقتراب الاستحقاقين الانتخابيين في إسرائيل والولايات المتحدة، وزحمة المواعيد الدولية من باريس إلى نيويورك
اقتصاد وأعمال 9/17/2026 10:30:00 AM
تستند وزارة المال إلى المادة 82 من قانون ضريبة الدخل المتعلقة بإيرادات رؤوس الأموال المنقولة الأجنبية.
نقلت "سي بي إس" عن أحد العسكريين الأميركيين قوله إنَّ "الرأي العام الأميركي ليس على علم بالأضرار الجسيمة التي لحقت بقواعدنا"
لبنان 9/17/2026 8:11:00 PM
أقرّ مجلس الوزراء إدراج ستة رواتب إضافية للقطاع العام في موازنة 2027، إلى جانب تعيينات إدارية ومشروع استثماري في الشمال، وأرجأ بند البعثة الأوروبية.